نقد نقاد عملية نتانيا
بقلم :د. ابراهيم علوش
ما أن وقعت عملية نتانيا البطولية التي قام بها
الشهيد لطفي أبو سعدة من بلدة علار
في طولكرم في 5/12/2005، حتى انبرت الأبواق التسووية من كل حدبٍ وصوب، لتدين العملية، ولتصفها بأنها «ضد
المصالح الوطنية الفلسطينية العليا»، وأنها تتم «لحساب أطراف خارجية غير فلسطينية»،
وللتنبيه من العواقب والعقوبات الجماعية التي تجرها مثل هذه العمليات على
الفلسطينيين في الضفة وغزة ...
وقد جاءت عملية سرايا
القدس في نتانيا بعد أكثر من شهرين من العملية
الاستشهادية الأخيرة لها في الخضيرة في 26/10/2005،
وجاءت قبلهما عملية بئر السبع في 28/8/2005 التي نفذتها كتائب عز الدين القسام، فكانت عملية نتانيا
الأخيرة بذلك العملية الاستشهادية الخامسة منذ توقيع ما يسمى بالهدنة في شباط/ فبراير
2005.
وقد أعلنت الجهاد
أنها قامت بها كجزء من ردها على اغتيال قائدها في الضفة
لؤي السعدي، المتحدر من طولكرم، وقد شكل اغتيال قوات الاحتلال الصهيوني للسعدي جزءاً
من حملة الاعتقالات والتصفيات التي يمارسها الكيان الصهيوني بشكل حثيث منذ إعلان
ما يسمى بالتهدئة.
والحقيقة أن هذه «التهدئة» المزعومة مسخرة ما بعدها
مسخرة. فقد قام الكيان الصهيوني خلالها باستهداف وتصفية أكثر من مئة مجاهد ومناضل
من كافة التنظيمات الفلسطينية الملتزمة بالتهدئة، واعتقل الآلاف منهم، بدون مبالغة.
فأية بلاهة هذه التهدئة التي يتحدثون عنها؟! وهل المطلوب أن يسكت المناضلون
والمجاهدون على حملة اجتثاثهم الجارية على قدمٍ وساق لكي يتفرغ البعض لطموحاته
الانتخابية أو التسووية الصغيرة والتافهة؟! وما نوع التهدئة بالضبط التي يستمر في ظلها تقدم المشروع
الصهيوني على الأرض، من بناء للجدار ومصادرة للأراضي وتسمين للمستعمرات وسجن
للآلاف من خيرة أبناء شعبنا؟! الحقيقة أن التهدئة التي تكون من طرف واحد ليست
تهدئة، بل استسلاماً، والاستسلام لا يمكن أن يفيد «المصالح الوطنية الفلسطينية
العليا» إزاء خصم لا يفهم إلا لغة القوة التي أسهمت بتنظيف قطاع غزة من
المستعمرات، وما دام هناك احتلال، لا بد أن تكون مقاومة. هذا هو المنطق الطبيعي
للأمور.
أما أن العملية جاءت ضمن حسابات إقليمية لأطراف
غير عربية، وليس ضمن حسابات فلسطينية، فيا حبذا لو كان لكل الدول العربية «حسابات
غير فلسطينية» تدفعها لتصعيد وتيرة العمل المسلح في فلسطين! فالمعيب ليس الحسابات
التي تصعد المقاومة، بل الحسابات التي توقفها وتحاصرها وتطلب منها تقديم التنازلات
السياسية مجاناً كما تفعل الأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية، التي باتت تندب عدم
إمكانية ممارسة الخيار المسلح بعد أن بذلت كل ما بوسعها لإغلاق أبوابه.
أما العقوبات
الجماعية، فتقليد دأبت عليه كل القوى المحتلة عبر التاريخ، وكان البريطانيون في
ثورة الـ(1936) مثلاً يدمرون المنازل ويفرضون الغرامات
الجماعية على القرى التي تنطلق منها العمليات المسلحة، والهدف دوماً رفع كلفة
المقاومة والاستسلام للاحتلال، فليس من المعقول، من وجهة نظر «المصالح الوطنية
العليا»، أن توقف المقاومة بذريعة العقوبات الجماعية، بل لا بد أن تكون أداة
لتحريض الناس وتصعيد المقاومة وليس العكس.
ويبدو أن البعض يتناسى حق العودة، وأن فلسطين قضية ملايين الفلسطينيين
خارج فلسطين. وعلى كل حال، يدعي البعض أن إبداء الرأي في استمرارية المقاومة
المسلحة هو امتياز حصري للمقيمين داخل فلسطين، وأجندتهم الخفية نزع قرار المقاومة
من يد المقاومين داخل فلسطين، لوضعه بيد سلطة متهاونة ترفض منطق المقاومة أصلاً،
وتسهم بفاعلية بإفشال الكثير من عملياتها.
وهنا يتحدث هذا البعض
عن ضرورة ضبط المقاومة على إيقاع قرار فلسطيني موحد، والمقصود بالطبع إخضاع العمل
المقاوم لحسابات التسوويين وتحويله إلى ورقة يتنازل
عنها الطامحون للارتباط بالطرف الأمريكي- الصهيوني، حتى بدون مفاوضات. ولكن القرار
الفلسطيني الموحد هو القرار الميداني للمقاومين، لا المفرطين، وقد كان موقف فصائل
المقاومة المختلفة، من كتائب الأقصى، إلى كتائب القسام،
رائعاً في تضامنه مع موقف المقاومين البواسل من سرايا القدس بعيد عملية نتانيا.
فألف تحية لأبطال
المقاومة الميدانيين في فلسطين، الممثل الشرعي الوحيد للمصالح الفلسطينية العليا.