التهدئة وديكتاتورية المنظور السياسي الأحادي

 

 

 

 

بقلم :عبد الرحمن فرحانة

 

 عندما أعلن خالد مشعل في دمشق أنه "لا مجال لتهدئة.. أقول لإخواننا في السلطة الفلسطينية نحن نشهد جموداً سياسياً وهذا ليس مفاجئاً.. ليس عند شارون ما يعطيه لنا طواعية"؛ ثارت عناصر جبهة التسوية في فلسطين وفي كل العواصم من مختلف المستويات؛ وكأنّ التهدئة غدت من ثوابت الأجندة الوطنية الفلسطينية. بل إن بعضهم وصف الموقف بأنه خيانة للمصلحة الوطنية.

في ذات الموضوع قال صائب عريقات في تصريحٍ لإذاعة صوت فلسطين وسبق تصريح مشعل: "إنه لا يمكن أن يكون الجانب الفلسطيني ملتزماً بالتهدئة في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل إجراءاتها العسكرية"، ولم يُسمَع أي انتقاد لتصريحات عريقات.

 

مشعل وعريقات نطقا بلغةٍ سياسيّة نفس المعنى؛ لماذا تُسَلّ الألسن لانتقاد مشعل؛ بينما التصقت نفس الألسن بأسقف الحلوق تجاه عريقات؟ أليست هذه ديكاتورية يمارسها منظور سياسي معين؟!! وبشيءٍ من الصراحة تعالوا نناقش أجندات الأطراف تجاه التهدئة.

 

 

ماذا تريد السلطة من التهدئة:

 

-      تريدها مهلة لإعادة بناء هياكل السلطة وخاصة الأجهزة الأمنية لتعديل ميزان القوى "لاستئناف المقاولة الأمنية".

 

-      التهيئة والتحضير لصناعة مناخ شعبي لانطلاق عملية التسوية.

 

أما المقاومة:

 

-      استراحة محاربٍ لالتقاط الأنفاس لأنّ الصراع طويل المدى ويحتاج لنفس طويل.

 

-      استثمار الإطار السياسي "إعلان القاهرة" الذي أفرزته التهدئة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على صعيد النظام السياسي الفلسطيني والأجندة السياسية.

 

-     منح فرصة سياسية لمن يعتقد بأنّ هنالك أفقاً سياسيّاً تجاه "حلٍ منتظر" يحلم به الحالمون.

 

وماذا يريد شارون ؟

 

-     يريد إيقاف حالة الاستنزاف التي ضربت الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الكيان الصهيوني.

 

-                 ترميم النظرية الأمنية وإعادة الاعتبار لعمودها الفقري "الردع" لحل "العقدة الأمنية" والظهور بمظهر المنتصر وجني الأرباح السياسية التي تتبع ذلك.

 

-                 محاولة لإخضاع الحالة الفلسطينية تمهيداً لفرض نظريته الأحادية التي تعتمد فرض الحل السياسي من طرف واحد وإلغاء معادلة الشريك التي خلقتها أوسلو.

 

وفي ضوء قراءة الأجندات؛ للأسف فإنّ منظور السلطة يقترب من المنظور الصهيونيّ؛ بينما خطابها السياسي المعلن للجماهير ينطقه "أبو خوصة" المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية بنبرة وطنية عالية؛ وبعباراتٍ من أرفع مصطلحات القاموس الوطني. ومن يسمع "أبو خوصة" حينما يعلق على صواريخ المقاومة التي تضرب مغتصبات العدو؛ يحتار إزاء قراءته الوطنية المقلوبة.

 

ديكتاتورية المنظور الأحادي تعمي البصيرة السياسية لدرجة قلب الحقائق.

 

فصاروخ المقاومة يدمر الحقوق الوطنية الفلسطينية؛ والعملية الاستشهادية تهدد التهدئة "المقدسة"، واعتقال المجاهدين بُعيد عملية "نتانيا" الاستشهادية عملٌ وطني يخدم أجندة وطنية رشيدة.

 

"الزيغ الأحادي" لا يتوقف عند الأجندة العامة؛ بل يتعدّاه إلى داخل البيت الفلسطيني؛ فالناشط السياسي المؤمن بالمقاومة محرومٌ من وظيفة السلطة؛ بينما يتمتع بها مؤيد التسوية. وعندما يعطس مقاوم من حماس أو الجهاد تُمسّ هيبة السلطة؛ بينما حين يقوم فصيل مقرب بإغلاق المراكز الانتخابية بقوة السلاح تظل هيبة السلطة مصونة؛ ويبقى "أبو خوصة" صامتاً.

 

قمة "الزيغ السياسي" تتجلّى حينما يقال للمجاهدين نكِّسوا بنادقكم؛ بينما فرق الموت الصهيونية تغتالهم ليل نهار وتختطفهم نحو الموت أو لعتمات السجون. أمّا "سلاح السلطة الشرعي" فيبقى صامتاً لا يشرع إلا في وجوه المجاهدين.

 

خلاصة القول؛ إنّ كان هنالك حقٌ لأصحاب "الأجندة المقلوبة" في إجراء حساباتهم السياسية واستخدام منظورهم لتقويم مخرجات التهدئة وتحديد موقفهم السياسي بناء على ذلك؛ فمن المنطقي أنْ يتمتّع تيار المقاومة من تقويمها بمنظوره الخاص أيضاً. وليس لأحدٍ وصاية على أحد. ولا يجوز لمن يقبض أموالاً من جهات أمريكية لدعم حملته الانتخابية –بحسب اتهام العقيد سليم الزريعي عضو المجلس الثوري لحركة فتح– أنْ يزاود على الآخرين ويصادر حقهم في الاجتهاد السياسي.

 

ومرة أخرى ينبغي القول إنّ "فتح" ليست "فلسطين"؛ إنما هي جزء له أهميته في المشهد الفلسطيني؛ ومخرجات المنظور "الفتحاوي" السياسي ليست "فتوى شرعية" يحرم مخالفتها؛ بل هي اجتهاد سياسي؛ عليه أنْ يتحاور مع غيره من الاجتهادات؛ على قاعدة الندية والتكافؤ.

 

وتذكيراً وترديداً للحلّ الذي يدركه كلّ العقلاء؛ خلاص المعضلة الفلسطينية هو التوافق على القواسم المشتركة وعلى قاعدة الشراكة؛ بعيداً عن ديكتاتورية المنظور واحتكار القرار.