شياطين الروح الاستعمارية

 

 

 

 

بقلم :عبداللطيف الفراتي

fouratiab@yahoo.fr

fouratiab@gmail.com

 

رفض البرلمان الفرنسي الذي يسيطر عليه اليمين الشيراكي تعديلات على قانون سابق صدر في غفلة من الزمن حول مزايا فرنسا على مستعمراتها خاصة في شمال إفريقيا والدور التحديثي التعصيري الذي لعبته، ومن حسن الحظ أن ذلك القانون لم يتحدث عن الأوضاع غير الحضارية التي كانت سائدة قبل أن تأتي فرنسا لتحديث وتعصير تلك الدول التي كانت قائمة.

 

وقد جاء التعديل الذي وافقت عليه كل أحزاب اليسار والوسط والذي رفضته الأغلبية الشيراكية المنحدرة والمتدهورة سمعتها بكل ثقلها الحالي في برلمان تسيطر عليه بمفردها جاء محضونا من قبل كل الأطراف بمن فيهم حلفاء الشيراكيين من أحزاب الوسط.

 

ويسعى هذا القانون الذي تم السعي لتعديله ليؤكد على العملية التحديثية التي أدخلتها فرنسا على مستعمراتها خاصة الشمال إفريقية.

 

ومن علامات العصرنة والتحديث التي جاءت بها فرنسا في القرنين التاسع عشر (استعمار كل من الجزائر وتونس) والعشرين (استعمار المغرب)(؟) أنها جاءت بجيوش جرارة لاحتلال بلدان مسالمة لم تكن في وارد القيام بأي عدوان على فرنسا هذا إذا كانت قادرة على ذلك.

 

ثم لننظر كيف وجدت فرنسا البلدان الثلاثة حتى لا نتعرض لغيرها، ولنقيم العملية التحضيرية التمدينية التي تدعيها اليوم.

 

فقد وجدت فرنسا في شمال إفريقيا دولا قائمة لها مؤسساتها وهي وإن كانت أحوالها في غير الأحسن فإنها كانت تدير نفسها بنفسها وقد بدأت فيها نهضة مشهودة ففي تونس التي نعرفها أكثر من غيرها ولنقس على ذلك في البلدين الآخرين قامت مدارس ثانوية وعليا تخرجت منها أعداد كبيرة من المثقفين وإطارات الدولة وفي تونس تم إقرار دستورين اثنين الثاني أكثر جرأة وتقدمية من الأول، وفي تونس تولت المسؤولية جهات على قدر كبير من المعرفة وحسن التسيير تركت إلى جانب عملها في الدولي آثار تنظيرية مثل كتاب خيرالدين الذي سيصبح لاحقا صدرا أعظم أي رئيس وزراء حكومة الإمبراطورية العثمانية وهذا الكتاب هو أقوم المسالك في أحوال الممالك الذي يعتبر لليوم تأليفا مهما في شؤون الحكم.

 

ولكن الأهم من ذلك أن فرنسا جاءت في إطار استعمار استيطاني تنصيري بغيض، فمن جهة جاء للبلاد التونسية عدة مئات الألوف من الفرنسيين ( أكثر من مليون في الجزائر وأكثر من 10 في المائة من العدد الجمالي للسكان) وسلمتهم أفضل الأراضي الزراعية كما قلدتهم أكبر المناصب الحكومية والإدارية ونصبت تمثال الكاردينال لافيجري المتعصب الاستعماري النصراني في مدخل شارع جامع الزيتونة وسعت لدفع الناس للانتماء إلى الجنسية الفرنسية وسلخهم عن تونسيتهم وعروبتهم وإسلامهم بقوانين مسلطة، واستحوذت على مقدرات البلاد لخدمة عجلة الاقتصاد الفرنسي فيما كانت تسميه الوطن الأم أي فرنسا نفسها فيما البلدان المستعمرة الأخرى توابع فرنسية مقموعة لا صوت لها.  وبدل نشر العلم والمعرفة لو كانت مهمتها تمدينية أقدمت فرنسا على نشر الجهل، ففي تونس تم في 5 سنوات بعد الاستقلال فتح عدد من المدارس يفوق عدد المدارس التي فتحتها فرنسا في 75 سنة من الاستعمار.

 

وكان خريجو الباكالوريا يعدون بالعشرات ثم بالمئات في أحسن الأحوال ولكن بعد نضج الدفعات التي وفرها الانفجار التعليمي بعد رحيل الاستعمار أصبحوا بالألوف ثم بعشرات الألوف ليبلغوا حاليا قرابة مائة ألف في السنة، وفيما لم تكن هناك جامعة في تونس وسوى بعض الفروع القليلة باتت في تونس اليوم وفي أقل من فترة قيام الاستعمار الفرنسي 7 أو 8 جامعات تحتضن ما بين 350 ألف و400 ألف طالب ومخطط لها أن تأوي في سنة 2010 حوالي 500 ألف طالب أي أقصى ما يمكن أن تصله بالنسبة لعدد من السكان لا يفوق 510.

 

وحدث ولا حرج عن التمدين الفرنسي أيام كانت نسبة الوفيات بين الأطفال جديرة في تونس بأكثر البلدان تخلفا في العالم فإذا بها بعد أقل من خمسين سنة من الاستقلال تقارن بما تعرفه فرنسا ذاتها أو تكاد، وفيما كان مؤمل الحياة في سنة 1956 أي سنة الاستقلال 45 سنة للفرد بات اليوم 74 وهو يتحسن من عام إلى آخر.

 

إن التونسيين والجزائريين والمغاربة لا ينكرون فضل الثقافة الفرنسية عليهم ثقافة عصر الأنوار ولكنهم لا ينسون التعسف والقهر والتسلط الذي سلط عليهم من قبل فرنسا.

 

وإذا كان هناك من فضل يمكن أن يسند فإلى فلاسفة عصور الأنوار الفرنسيين لا لفرنسا التي يجب على العكس أن تقدم اعتذاراتها للتونسيين والجزائريين والمغاربة على ما حاولت أن تفرضه من تجهيل وتفقير ومرض على شعوب متحضرة أصلا ولم تكن تنتظر من فرنسا أن تأتي لتمدينها، بل معروف أن فرنسا جاءت لاستغلالها وسلب ثرواتها وإلا ما حرق قلب الفرنسيين على كل هذه المناطق الشاسعة التي احتلوها ودفعوا جنودهم للسيطرة عليها هل كانت كما تدعي تقوم بعملية تحضيرية تمدينية أم إن الغالب هو العكس وكانت كلها عملية استغلال مقيتة.

 

ولو سكت الفرنسيون ولم يصدروا مثل هذا القانون لما كان من موجب للحديث، ولو خجلوا من أنفسهم ومن ماضيهم وتحلوا بشيء من الحياء على ما فعلوه أو فعله البعض منهم ومن أجدادهم لما كان الأمر ليطرح.

 

وليسألوا أنفسهم أو على الأصح لتسأل الحكومة الشيراكية نفسها عن المليون ونصف المليون من الشهداء الجزائريين ومئات ألوف التونسيين والمغاربة بدءا بثورة الجلاز في تونس إلى ثورة عبدالكريم الخطابي في المغرب إلى كل الذين أعدموا ظلما على أعواد المشانق وتحت سواطير المقاصل أو رميا بالرصاص والذين ما زال الأحياء من ذويهم يلعنون الفرنسيين الذين تسببوا في ذلك ولا نقول كل الفرنسيين فمنهم الشرفاء الذين صدموا بالقانون الذي يريد أن يعترف لفرنسا بفضل هي براء منه.