هل غذيت روحك اليوم بذكر هازم اللذات ؟
بقلم :الهادي بريك
أنا لا أذكر الموت
سوى عند نعي هذا أو تلك وسرعان ما تتلبد سحب الهوى وطول الامل
حول قلبي كما تتلبد الادخنة الكثيفة السامة منبعثة من
مصنع تغلي مراجله وتفور جفانه فيخنق النسائم العليلة أن
تتسلل إلى أفئدة الناس من حوله ... فلا تك مثلي .
جربت في حياتي أمرين
ألفيت بردهما على قلبي كما يلفى الظمآن حياة في إثر ما يعب من زلال هنيء : أول الامرين أن إيماني يزيده التفكر في ملكوت الرحمان ـ سيما في الافلاك السابحة ـ زيادة
لو عاودتني مع إطلالة كل فجر جديد مرة واحدة لكنت بالتأكيد من الصديقين . وثاني الامرين أن حكمة الحي الذي لا يموت سبحانه في تصريف الحياة
والموت من كائن لاخر ومن مكان لاخر
تزيدني يقينا في رحمته وتعظيما لقدره ولو ظل قلبي للموت ذكارا
مرة واحدة عن كل يوم واحد لرددت مع رابعة رحمها الله قولها : أحبك حبين أو قولها :
فيا ليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب .
يسوقني إلى الحديث عن
الموت نبأه يترى إلي هذه في هذه الايام
إذ قضى رجل من رواد مسجدنا فجأة بعيد صلاة الجمعة ثم جاء آخر من المغرب الشقيق بعد
غياب دام عاما كاملا يسوقه حتفه ليقضي بعد وصوله إلينا بسويعات معدودات في ذات
المسجد الذي أسسه بنفسه واليوم علمت بوفاة شقيق للدكتور ناجي الجمل في جنوب فرنسا
تغمدهم الله جميعا برحمته الواسعة .
جد كل ذلك في غضون
أسبوع واحد بل أدنى فجعلني أكاد أن أكون من المكثرين لذكر هازم اللذات وما لي في
ذلك من مزية ولا حسنة بل هي الاقدار الرحمانية ترتب أمر الخلق وتدبر الحياة والموت لحكم لا يدرك الانسان مآلاتها فلا يحسن به سوى
التسليم بوحدانية الديان الذين لا يموت سبحانه .
أجل كلما قضى ميت أوهلك هالك من حولي ظللت أذكر الموت وما بعده لدقائق قد تمتد
إلى سويعات وسرعان ما يطويني ذئب الانسان : الغفلة التي
ينسج الشيطان بالتنسيق مع النفس الامارة بالسوء حبائلها
فترديني وأظل سادرا في غفلتي يطول أملي حتى لو حدثت به غيري لعددت من لدن أهل
العقل سفيها وجب الحجر عليه . أجل أطفق أحدث نفسي بإقتناء
مركوب فاره وأثاث أنيق متألق لا بل ربما حلمت فيما يرى
اليقظ الذي سحرته الدنيا بمسكن لا أتردد في وصف كماله لنفسي فتنتشي وأغرق في حديث
يمتد لساعات معها فلما يمل مني الثواء لسوء تثاقلي
أتمطى كما يتمطى القط الكسول تلسعه أشعة الشمس الدافئة فأسترجع وأستغفر وأذكر الله
سبحانه وأنصرف إلى شأني الذي آن أوانه فإن جئت أذكره سبحانه سيما
بعد بعض الصلوات المكتوبة سرعان ما يجلب علي إبليس بخيله ورجله فإما أن أذكر لاهي
القلب وإما أن أقتصر على حد أدنى من ذلك لا يسمن ولا يغني من جوعة
قلب معتم مظلم لولا حسن ظن بولي النعمة سبحانه .
أمران في الدين لا
ينفع فيهما سوى التكثير : ذكر الله وذكر الموت .
لم يرد ذكر الله
سبحانه إلينا مطلوبا في القرآن الكريم تقريبا سوى بصيغة التكثير وعلل ذلك عليه
السلام بقوله " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله سبحانه " إذ لو لم يغنم
من لهى قلبه مثلي في نزر من الذكر يسير سوى رطبة لسان لجنى
من ذلك خيرا وفيرا .
ولذات العلة تقريبا
لم يأمرنا عليه السلام بذكر الموت بل بالتكثير من ذكره وسماه بأحسن الاوصاف التي تبين حقيقته لعل القلوب تخشع فقال " أكثروا
ذكر هازم اللذات " وورد في الحديث قوله " فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا
وسعه الله عليه وما ذكره أحد في سعة إلا ضيقها الله عليه " وقال بعض أهل
التحقيق من المحدثين بأن تلك زيادة من إبن عباس تفسيرا .
وخارج دائرة صارمات التحقيق والنخل في علم الرجال وأسناد
الحديث فإن كمالة الحديث سواء كانت جزء منه أو تفسيرا
له تقع في النفس موقعا يقول فيه سبحانه " وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ".
ويقول " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ".
الحكمة إذن والله
تعالى أعلم ورسوله عليه السلام من الاكثار من ذكر الله
سبحانه ومن ذكر الموت هي تغذية النفس وشفاء الروح تماما كما تغذى الابدان وتصقل المواهب وتقرح العواطف وتربى الاذواق . والحقيقة أن غذاء الارواح
وشفاء النفوس لا يؤخذ سوى من صانعها الذي يعلم خائناتها وخافياتها
من خلق فسوى وقدر فهدى وجبل على الفجور والتقوى سبحانه .
هلا تفكرت في
المغيبات الخمس ؟
سماها بعض العلماء
كذلك تلك التي وردت في قوله " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما
في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس
بأي أرض تموت ".
ولكم كان متربعا على
قمة عرش الصدق والحقيقة قوله عليه السلام لسائل له عن الساعة " ساعتك تبدأ
يوم موتك " . أجل أبلغ جواب في أقشب حلة بديعية ومن
لم ينزل جواب من مثل هذا في قاع قاع قلبه فيدكه دكا
تماما كما تدك صخرة ضخمة تهوي من جبل شاهق أرضا تشقها ..
فليس له من الايمان الذي يكسب صاحبه خيرا في الدنيا حبة
خردل منه .
أجل تبدأ ساعة كل
واحد منا في اللحظات الاولى لمرحلة سكرات الموت إذ
عندها يدخل الانسان في عالم الغيب وتنكشف عنه الحجب بعد
أن لم تكن حاجة لابتلاء " فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " ويلي ذلك
ما يلي من سؤال ملكين وحياة برزخ ملأى إما بعذاب قبر
يتحول حفرة من حفر النار أو نعيم قال فيه عليه السلام " الموت تحفة المؤمن "
يحول القبر إلى روضة من رياض الجنة .
غير أن الانسان الذي كان أكثر شئ جدلا لا
يسأم من السؤال عن الساعة ولو شغل نفسه بالاعداد لها
كما يعد الطالب النجيب من العلم والنباهة والحزم ليوم إمتحانه
لانشغل عن السؤال عنها الذي يصرف الناس الفارغين من خيرة المؤمنين بها إلى سوق المباحات وتصرفه غفلته
عن أسواق الفرائض في الحياة وليست فرائض الدين في فرائض الحياة سوى حد أدنى محدود
برغم أن تلك لا تقوم إلا بقيام هذه .
كما يجادل الانسان بعد ما أوتي شيئا من العلم إكتشفه
ولم يخترعه بأن نزول الغيث لم يعد غيبا تماما كما يجادل في ما حوت الارحام . إكتشف الانسان اليوم بأن السحب التي كان يراها بعيدة في الجو يعلوها
بطائرته وعلم أنها ليست سوى أبخرة صاعدة من ماء البحر وغيره وأن نزولها مشروط بإصطدامها بطبقة هواء بارد كما إكتشف
بأن الطبيب ينبئه عن جنس الجنين في أحشاء بطن أمه شهورا قبل ولادته فتعجل وظن بربه
الظنون وإختلط عليه أمر الاكتشاف بالاختراع وزين له
شياطين الانس ذلك .
لو جاريناه قليلا على
جهله بنفسه ثم سألناه : ها أنت قد إخترعت المطر
الاصطناعي وعلمت جنس الجنين بل ربما خططت له تخطيطا ناجحا فهل لك
أن تقول لنا شيئا عن علم الساعة وبأي أرض تموت وماذا تكسب غدا ؟ لو كنت في إمتحان لنيل شهادة ما فأجبت عن سؤالين وأخفقت في ثلاثة كيف
تقيم نفسك بصدق وإخلاص في لحظة صراحة مع نفسك ؟ لو تحداك
معلمك في مسائل خمس فظللت طول حياتك وحياة أولادك وأحفادك مدينا له بالعلم التام
الكامل في ثلاثة منها ووقفت على تأويل لاثنتين نازعك فيها المنازعون هل تصف معلمك
بالحمق أو بغلبتك له ؟
بأي أرض تموت :
الرجل الذي قضى من
مسجدنا إفريقي أسود من كنشاسا لا يعرف حرفا واحدا من
اللغة العربية لا نطقا ولا فهما ورغم ذلك فإنه كان حمامة مسجد رحمه الله سبحانه لا
يتخلف عن صلاة جماعة ولا جمعة ولا عيد ولا تراويح وليس في مسجدنا من يبادله حديثه
بالفرنسية سوى رجل واحد أو إثنين تقريبا شب ونشأ وترعرع
في عائلة مسيحية حتى أن بعض ولده يدين بالنصرانية ويروى عنه أنه كان صاحب مال
وثروة في موطنه الام يجمع المسلمين من حوله في مسجد
بناه لهم ويطعم فقيرهم يذكرك بكريم العرب الذي لا تنطفئ
له نار قرى حاتم الطائي ثم شاءت أقدار الرحمان سبحانه بأن يهاجر إلى ألمانيا ويظل
يقتات على فتات الاعانة الاجتماعية الحكومية يعيش وحيدا
فريدا طريدا شريدا في غرفة بجوار المسجد ربما لم تكن لترضى بها
كلابه التي تحرس ماله بموطنه الاصلي وذات ليلة فاجأته
المنية بغرفته تلك فحزن الناس عليه واليوم ووري التراب في جمع حاشد من المسلمين
الذين وفدوا للصلاة عليه شفاعة .
هل كان يدري ذلك
الرجل أو يجول بخاطره يوما أو بخاطر من كان يؤمهم ويحتضنهم بمسجده وماله بأنه على
آلة لا محالة حدباء يوما محمول ولكن تلك الالة يرتب
الرحمان سبحانه أقدارها في ألمانيا ؟
حاول أنت بنفسك الان تصور المكان الذي ستموت فيه . ليس تصورا من باب الرجم
بالغيب ولكن لتقف على حقيقة غيب بنفسك يظل العقل باهتا شاحبا مشدوها بين يديها .
أنت أيها العقلاني
المتطور الذي تحديت صانعك وخالقك ومالكك بسفور فصورت لك
نفسك ما إكتشفته في رحم الكون وجنباته
بأن عبقريتك وشطارتك وراء إختراعك لذلك فعلمت ما في الارحام الذي كان سرا مسرورا على عرب بادية نجد الذين يؤمنون
بالغيب دون تدبر عقلي وإستمطرت غيث السماء فنزل وكان الاميون من قبلك في ذات بادية نجد والحجاز يستسقون له.
أنت أيها المتكبر بعلمك هل تستطيع أن تقول لنا
بأي أرض تموت أو بأي عام تموت لا بل كيف تموت غرقا أم خنقا أم شرقا ؟
قصة ملك الموت مع
الملك سليمان عليهما السلام جميعا تتكرر اليوم مع رجل من المغرب
:
القصة معروفة لديكم
جميعا ولا أوردها لطولها هنا ولكن ملخصها هو أن ملك الموت عليه السلام كان يوما
بجانب النبي الملك سليمان عليه السلام فيما يروي الصادق المصدوق
عليه السلام فأبصر إلى جانبه رجلا يوجد إسمه على قائمة
الذين أمر ملك الموت بقطف أرواحهم بعيد سويعات قليلة من ذلك الزمان في مكان يبعد
عن المكان بعد المشرق عن المغرب في زمن يتنقل فيه الناس عبر الجياد
والابل فإستغرب ملك الموت
وظل يحدج الرجل بنظرات حادة يتفرس فيه فهو على يقين بأن أمر ربه سبحانه له لا يخطئ
لا عينا ولا زمانا ولا مكانا و لا صفة قتل . فلما طال بملك الموت إستغرابه سأل الملك سليمان عن صاحبه دون أن يوحي له بحقيقة الامر فأنبأه من سخرت له الريح غدوا ورواحا تجري بأمر ربها
بأن ذلك الرجل يهم بين الفينة والاخرى بالرحيل عبر تلك
الرياح المرسلة المجندة لقضاء مأرب لسليمان عليه السلام وذكر له ذات المكان الذي
ورد فيه إسم صاحبه يقضي فيه .
أجل القصة تكررت
وتتكرر مع كثير من الناس يوميا ومنها أن رجلا من المغرب الاقصى
إستخدمه سبحانه في جنده فأسس به مسجدا في ألمانيا سرعان
ما أصبح ملكا لاهله وظل ذلك الرجل الصالح يتردد على
موطنه الام وبقي هذه المرة هناك عاما كاملا تقريبا وهي
مدة كبيرة لم يتغيب بمثلها فيما خلا من حياته وقبل يومين تقريبا قفل راجعا ففاجأته
المنية سويعات قليلة بعيد وصوله وأقدار الرحمان سبحانه الماضية تقول له " قررنا
أن يصلي عليك رواد ذلك المسجد الذي أسسته بأمرنا وسعيت بخير فيه بإذننا " .
هل كان يجول بخاطره
أو بخاطر أهله وكل الناس ممن يعرفه بأنه سيموت في ألمانيا بعد غياب دام عاما كاملا
أوأن من يصلي عليه ليسوا هم سوى أهل ذلك المسجد الذي
أسسه وبناه ورعاه ؟
كلمة أخيرة :
مشاهد الموت في
القرآن الكريم وفي السنة النبوية العطرة أكثر من أن تحصى وهي خير بلسم تداوي
جراحات نفوس ندت بنا عن الصراط المستقيم لا يصح فيها سوى قوله عليه السلام " لوكان لابن آدم واديا من ذهب لابتغى له ثانيا ولو كان له
واديين لابتغى له ثالثا ولا يملأ جوف إبن آدم إلا
التراب ويتوب الله على من تاب " .
أجل هل تفكرت في
التراب الذي يملأ جوفك في قبرك وفي الديدان التي تنخر جسمك بعدما يتحول إلى كومة
من المهلة لو إطلع عليها أحب أحبائك وأصفى أصفياؤك في
الدنيا طرا أو ندت منها زفرة من ريح تحمل نتنا لتبرأ منك وقد كان من قبل لا يطيق
النوم سوى في أحشاء دفء حضنك ولا يطيب له ريح إلا ريح ملبسك ومولجك ؟
أجل هل أعددت بطاقة
هوية تواجه به ملكي السؤال في القبر : من ربك وما دينك وماهذا
الرجل الذي بعث فيكم ؟ بطاقة هويتك في الدنيا تحمل إسمك
ومولدك وجنسيتك وبطاقة هوية قبرك التي تستظهر بها عند
السؤال تحمل إسم دينك وإسم
ربك وإسم نبيك فهل أعددت جوابا حسنا ؟
إذا كنت في ضيق ما
مهما يكن نوعه فإذكر الموت لا بل فأكثر من ذكر هازم
اللذات ومفرق الجماعات يهن عليك ضيقك وتصبح أغنى الناس طرا في عين نفسك وتتسلح
بقوة جبارة لا تقهر حتى تقهرها أنت بهواك وإن كنت في سعة مهما كان نوعها فأذكر ذات
البلسم الشافي ثم إنظر كيف أن سعتك ضاقت عليك كما يضيق
عليك قبرك ويضمك ضمات شبيهة بضمات
سكرات الموت تتمزق منها أضلاعك تمزقا لو كان بناج منها أحد لنجا منها إبراهيم إبن محمد عليهما السلام .