نعم "من الذي يحكم العرب؟" ...بين مثقف عاجز وسلطة متغولة

 

 

 

بقلم: ناصر السهلي

 

لا نأتي على أسرار عظيمة إن إعترفنا بأن هناك من يطرب لسماع الخطاب الغربي والامريكي تحديدا، فهؤلاء العرب الذين يقدمون الخطاب الأمريكي مفلترا إلى مواطن عربي يعيش عصر المتاهة الحقيقية لا يخفون إعجابهم بشعارات يطلقها السياسي الامريكي المتدخل بعض الاحيان بأدق تفاصيل الحياة العربية.. ولم يعد بالامكان، بعد هذا الجهد الكبير الذي يوليه بعض كتابنا ومثقفينا لتشخيص علة الحالة تلك ،أن لا ننتبه في وسط هذه المتاهة إلى الحل الذي يزكيه هؤلاء تحت مسميات "الخروج من المأزق"... وليس من الممكن أيضا تجاهل ما لدى السلطة العربية المتغولة من حلول...

 

وإذا كنا في الحلقة الماضية من مساهمتنا في قراءة السؤال المقتبس "من الذي يحكم العرب"، فإننا لا ندعي لا الآن ولا غدا بإحتكارنا للحل وذلك عكس ما تذهب بعض الأقلام التي تكون متأكدة بأن أزمتنا لا بد أن تجد لها مخرجا يلامس توجهاتها وإلا فهو ليس بحل إطلاقا... ولاحظنا في مساهمتنا تلك ذلك النموذج من النقد الذي يجريه البعض لتوكيد قراءتهم ورؤيتهم ، فتارة نقع فريسة تعبيرات لغوية بحجم "الحداثة" الغير معرفة، وتارة أخرى بحجم "الاقلاع عن الدين الشعبوي"... ويقع هؤلاء ، من حيث يدرون أو لا يدرون، فريسة اليقينيات التي ينتقدون المجتمعات التي يدعون محاولة إصلاحها لتمسكها بها، فيمارسون نوعا من ديكتاتورية تشبه في أبعادها واحدة من علاتنا التي نتفيأ في ظلها من المهد إلى اللحد...

 

وقبل الخوض في هذه وتلك من "مسلمات" الأفكار الملقاة للانسان العربي كمخرج أوحد لأزمته التاريخية والراهنة، دعونا نطرح سؤالا حقيقيا وواقعيا، طرحناه في مناسبات عديدة : من منا لا تعجبه مفردات الحرية وحقوق الانسان وحرية التعبير والاختيار والتقدم التقني والحضاري ... والانعتاق من سلطات حاكمة تختار للانسان حتى ما يجب أن يحلم به؟

مهما كانت مشاربنا الفكرية والسياسية ننبهر بتلك المفردات وغيرها من التي لم نأتي على ذكرها... ننبهر قبل أن نصطدم بواقع أنه في حالات كثيرة من البحث عن إمكانية تحقيقها بأنها إما مفردات يحتكرها أحدهم أو أننا نبقى ننتظر غيره ليحققها لنا بأقل التضحيات أو الخسائر على صعيد "الأنا" و"النحن" اللتين تتحالفان تحالف تناقضيا في ظل خوف يتعاظم بانتشار خرافة واسطورة "بيان التخليص" ... سمه إن شئت "بيان التحرير"...

ومن هنا فإن الإلتباس الذي يجعلنا في حالة قلق دائم يرتبط  بنوع الحل الذي ننشده والذي ينشده لنا هذا الجزء الذي يدعي أطرافه تمثيله للـ " نحن" العربية التي باتت فيما يبدو تفقد الكثير من روحها..

 

مجاملات ...

 

لقد إبتلت حالتنا العربية بنوع مما يمكن أن نطلق عليه "ثقافة المجاملة"، والتي بدت كقطعة غير منفصلة من سيمفونية التربية العربية العامة، حيث مارس فيها بعض أنواع المثقفين علاقة معينة بالسلطة حملت الكثير من المجاملات التي أضفت في كثير من الاوقات نوعا من الشرعية التي كان الطرفان، اللذان بدا في القشور متناقضان، يبحثان عنها وإن كان كل في إتجاهه الخاص به...

ومن منا لم يُصب بحالة من الصدمة " المعرفية" حين إكتشف عن قرب القيمة الحقيقية لثقافة المثقف السلطوي أو ذاك المعارض لها حين تجد الأول قد بدل جلده فجأة وصار يقدم لك خطابا "ثقافيا" متماهيا مع سلطة تفوق كل السلطات العربية المتغولة.. وعليه ففي حالته تلك، والتي بحثنا فيها في كتابات سابقة، بشرنا/يبشرنا هذا النوع ، بعد أن إنسل من مهمته في الدوران حول السلطة ليدور حول المشروع الأمريكي، بأن هذا المشروع المقدم مفلترا كما ذكرنا آنفا يُعد المخرج الوحيد عبر أدوات لغوية تخفي وراءها حقيقة التمترس خلف ثقافة العولمة وإختيار أسماء أخرى لمهمة ذلك المثقف الذي بتنا نراه يمارس الاحتماء من الثقافة الحية المعاشة للشعب باللهث وراء حماية السلطة بثقافته العقلية...

وفي الثاني ، المعارض للسلطة، وهنا لا بد أن نوضح بأننا لا نتحدث في العموم بل في الخصوص حول بعض الأسماء المؤثرة والتي تلعب دورا مثبطا فيما تذهب إليه في تشخيصها وحلولها المفترضة، فهو ذلك النوع النخبوي الذي يقسم المجتمع إلى ماهو مثقف ومتعلم وجاهل وأمي... وإفترض هذا المثقف بأنه يحتكر المعرفة في ثقافته العليا البعيدة عن الجماهير وعليه تجد كتاباته وأفكاره تدور في فلك التيار السياسي المنتمي إليه فيبيح لزعيم الحزب أو التيار ما لا يبيحه لرأس السلطة التي يعارضها... وهي واحدة من المتناقضات المرفوضة والغير متناغمة مع الموقف من وظيفة المثقف والثقافة الاجتماعية التجديدية والتغييرية...

وحتى لا يبقى كلامنا عما وبدون تحديد فإن ذلك النوع من المثقف يبرر لزعيم حزب معارض أن يبقى على رأس الحزب حتى يبلغ القبر أو خرف الشيخوخة ومثلما تبدأ نشرات الأخبار العربية بأخبار الزعيم فإن صحف وحلقات نقاش والندوات التي تجمع ذلك المثقف مع مريديه من الأعضاء تدور في عمومها، مثلما تدور في صحف التيارات المختلفة، حول عبقرية الزعيم الاخر، وكم من حزب معارض وتيار إدعى الحاجة إلى الديمقراطية والتجديد وجدناه يشرعن عملية توريث زعامة الحزب للابن أو الأخ أو حتى الزوجة... وهي إشارات للمواطن لا تعبر إلا عن ثقافة عليا نخبوية تعطي الانطباع بأنه أيضا في هذا التيار أو الحزب، مهما كان لونه السياسي، ليس هناك من هو مؤهل غير ذاك "الذي إنتخبته القواعد"، تماما مثلما هي حالة السلطة المُعارضة ممارستها المستخفة بقدرات الشعب الذي يراد له أن يشعر وباستمرار بأنه وبعد 60 عاما من عمر دولته "الحديثة" ما يزال غير راشد وبحاجة لمن يأخذ بيده... وكأن غرامشي الذي ذكر بأن التراجع يمكن أن يصيب أكثر الحركات تقدما قولا ينطبق هنا على ما نشهده من تراجع وترهل لدى هؤلاء...

 

*    *    *    *    *

 

أذكر مثلا عايشته شخصيا، وتحدثت قبل أيام عنه مع بعض الاصدقاء، فحين إعتلى "الرفيق غورباتشوف" زعامة الحزب الشيوعي السوفيتي وقدم مشروعه للبيروسترويكا والغلاسنوست فقد عُربت المفردتان لتصبح "الانفتاح / المكاشفة/ الاصلاح" وبقينا لسنوات نتلقى كما هائلا من التحليلات العربية الشارحة لخطوات غورباتشوف وأهميتها في إحراج الامبريالية وأهمية تلك الخطوات لليسار العربي... بالرغم من أن خطوات الرجل بدت واضحة بأنها في إتجاهها نحو كارثة ترسيخ القطبية الواحدة وإشعار الرأسمالية بأنها على وشك الانتصار، الذي أنتج لنا نظرية نهاية التاريخ... كان يحدث هذا وكأن غورباتشوف رئيسا وزعيما للعالم العربي وما يحدث هناك يحدث في عواصمنا... وبقينا في ذات الشروحات والتحليلات إلى أن إكتشفت تيارات وأحزاب عربية ضرورة تغيير أسماءها ... وللأسف قلة قليلة تلك التي راجعت ادبياتها برامج وتوجهات تلك التيارات والاحزاب...

 

*    *    *    *    *

حداثة... في زحمة العولمة

 

ظلت بعض النخب السياسية والثقافية العربية تبحث وعلى مدى سنوات عن تعريف لمفهوم العولمة كمدخل لمسألة "الحداثة" التي أولاها هؤلاء جهدا مضاعفا للتعبير عن حاجة العالم العربي لتأسيس فكر جديد قائم على الاصلاح والتحديث...

لا نختلف كثيرا مع هؤلاء بأن عالمنا العربي بحاجة للكثير من الجهد للخروج من عنق زجاجة التخلف والتراجع التي يجد نفسه أسيرا فيها، لكننا إذا ما بحثنا عن الهدف الفكري لمثل تلك الطروحات المعولمة التي يُطالب من خلالها العرب تقديم أجوبة على التحدي التاريخي الذي يعيشونه فإننا لن نحتاج لكثير الجهد والعناء