أصدقاء وليسوا أعداء

 

 

 

بقلم :د. نورة خالد السعد

 

 مرت أعوام أربعة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي تحطم فيها البرجان الرمزان لمركز الولايات المتحدة الاقتصادي ومنذ ذلك اليوم والعالم في دوامة عنف سياسي واقتصادي وحربين قاتلتين على أفغانستان والعراق..

ومعظم التحليلات التي واكبت ذكرى هذا الحدث هذا العام ترافقت مع تحليلات كارثة كاترينا وتزامن الحزن على ضحايا البرجين مع ضحايا كاترينا الذين تجاوزت أعدادهم ضحايا البرجين مضاعفة مرات ومرات..

 

ومن يستعدْ ما قام به المفكرون والمثقفون الأمريكيون من تقديم خطاب إلى العالم الإسلامي في 12/2/2002م يوضحون فيه تصوراتهم عن نوع العلاقة التي يرون أنها تربط بين الغرب الأمريكي والعالم الإسلامي يجدْ أن روح الخطاب كانت دفاعاً عن الحرب التي أعلنتها حكومتهم ضد الإرهاب!!

 

ومن يتذكر ذلك الخطاب يدرك أن هناك عدداً من القيم يرون أن أمريكا أسست حضارتها الحالية عليها ويطلبون من الشعوب الأخرى بمن فيهم بالطبع العالم الإسلامي أن يؤمنوا بهذه القيم مثلهم والتي تنحصر في الآتي:

 

أن البشر يولدون متساوين في الكرامة والحقوق، وأن الشخصية الإنسانية هي العنصر الأساس في المجتمع وأن البشر يرغبون بطبيعتهم في البحث عن غاية الحياة ومقاصدها، كما تؤكد تلك القيم على حرية الضمير والحرية الدينية وأن القتل باسم الله مخالف للإيمان به..

 

وكما جاء في ذلك الخطاب من تبرير لتلك الحرب هو أنها حروب للدفاع عن النفس، أي (حرب عادلة) رغم اعترافهم بأن الحرب هي فشل للسياسة.. ولكن خوضها كان ضرورة لرد الشر ووقفه وحماية الأبرياء وايقاف أعمال العنف والظلم.. وكما ذكروا في خطابهم أن الحرب العادلة لا تبحث عن مصالح خاصة أو انتقام لماض خاطئ أو كسب أرض أو أي هدف غير دفاعي!!

 

٭٭ هذا جوهر خطاب هؤلاء المثقفين الذين طالبوا العالم الإسلامي أن يقف معهم في حربهم هذه وهذا يعني حتى لو كانت المدمرة في هذه الحرب هي دولهم.. ذلك لأن هناك مجموعات من البشر إرهابية كما يقولون ترفض القيم والسلوكيات الأمريكية وأسلوب الحياة فيها ويستخدمون القتل المتعمد لتنفيذ أهدافهم ويتظللون بالدين.

 

وكانت خاتمة ذلك الخطاب أنهم (أصدقاء وليسوا أعداء) ولا ينبغي أن نعادي بعضنا بل ما ينبغي هو أن نتلاقى عند النقاط المشتركة بيننا وليس العكس..

 

ومن السطور الأخيرة في ذلك الخطاب (كرامتكم الإنسانية ليست أقل من كرامتنا، وحقوقكم وفرصكم في حياة كريمة ليست أقل من حقوقنا وفرصنا وهذا ما نظن أننا نحارب من أجله، نعلم أن بعضكم يرتاب بها، ونعلم أننا نحن الأمريكيين مسؤولون جزئياً عن هذا الارتياب، لكننا يجب أن لا نكون أعداء)..

 

٭٭ من يقرأ وقرأ هذا الخطاب يستوعب كأن النقاط الجوهرية في هذه الحرب هي (قيمية) أي اختلاف في القيم فقط!! وهذه نظرة قاصرة والأحداث السابقة لهذا الخطاب واللاحقة أثبتت أن الأسباب لم تكن قيمية فقط بل من داخل المجتمع الأمريكي من كان يدرك هذا وليس فقط المثقفين والمفكرين!! سواء في أمريكا أو سواها..

 

ما كان ملاحظاً هو أن بعض التحليلات واللقاءات التي تمت مع عدد من المحسوبين على المجتمعات الإسلامية والعربية ومن خلال محاور هذه اللقاءات التي تم بثها منذ أيام بمناسبة الذكرى الرابعة لأحداث سبتمبر التي غيرت تاريخ أمريكا وليس العالم فقط.. معظمها كان يطالب بتغيير العالم الإسلامي والعربي كي يناسب ما تطرحه الإدارة الأمريكية من رؤى واستراتيجيات!!

 

كيف نغير مناهجنا؟ كيف نغير أفكارنا؟؟ كيف نحاور الآخر؟ وبالمقابل لم يكن هناك من يسأل لماذا لا تغير الإدارة الأمريكية سياساتها في المنطقة؟!

 

لماذا لا يعلو صوت العقل الأمريكي الواعي وليس المغيّب.. الصوت الذي يدرك العلاقة الجدلية بين الفعل ورد الفعل..

 

٭٭ «يجب أن لا نكون أعداء» عبارة المثقفين الأمريكيين، لن تتحق إلا إذا تم تجسيد مقوماتها بين الأمريكيين ومن حولهم من شعوب العالم العربي والإسلامي، وعقلاء الأمريكيين يدركون هذا جيداً..

 

٭٭ التحرر من قيود التخلف لا يتوقف على التخلف الاقتصادي والثقافي فحسب، بل يمتد إلى التحرر من هيمنة سطوة الذات عندما لا تصغي لصوت العقل القادم من حقائق الواقع.. بكل ما فيها من مرارة وهزيمة أو نصر ومكسب!!