المدنيين في تلعفر ... الناجون من ارض الموت

 

 

 

 

 

منذ أن أعلنت الحكومة العراقية قرار بدء العمليات العسكرية المسلحة في مدينة تلعفر وحتى يومنا هذا تخيم صور الدمار والخراب على الكثير من أحياء تلعفر، حيث شهدت الأيام الأولى من الحملة استخدام مفرط للقوة العسكرية بحق المدنيين العزل واستخدمت القوات الأمريكية الطائرات المقاتلة في تنفيذ هجمات عدائية بحق العديد من مناطق حي السراي وحي حسن كوي (حي السلام)، حيث قصفت العديد من المنازل والمؤسسات المدنية بحسب تأكيد شهود العيان من أبناء تلعفر. واستخدمت القوات المهاجمة الطائرات المروحية نوع أباتشي وطائرات الاستطلاع وقد شهدت تلك الأحياء والقرى والمناطق القريبة منها تحليقاً مستمراً وقامت طائرات الاباتشي بإطلاق رشقات كثيفة من مدافعها الرشاشة على المنطقتين السكنيتين من دون أن تعر أي اهتمام لأرواح المدنيين المحاصرين داخل منازلهم، وقد انتشرت الدبابات في الكثير من الأماكن وقطعت تلك الأحياء إلى مناطق عسكرية صغيرة فضلاً عن المدرعات والعربات العسكرية الأخرى والتي كانت تقوم بأعمال التمشيط وتطلق نيرانها بشكل عشوائي على الأحياء السكنية .

وقد أكد الناجين من أعمال القصف وأعمال التصفية العدائية أنهم قضواً أياماً من الخوف والرعب في منازلهم وان أسرهم كادت أن تفنى مع قسوة الأعمال العسكرية وشدتها. ومع عدم التقيد في استخدام القوى العسكرية المفرطة بحق المدنيين، وأكد هؤلاء أنهم كانوا محاصرين بالكامل وأنهم ما ضنوا للحظة بأنهم سينجون من وسيكتب لهم الخروج من ارض الموت كما أصبح يسميها بعضهم ، لقد شاركت جميع الأطراف في الاعتداء عليهم وكانت قوات الأمن العراقية تتحرك باتجاه أحياء السراي وحسن كوي بنفس الطريقة التي استخدمتها القوات الأمريكية في اجتياح تلك المناطق، وبالتالي كان الخراب والدمار هو حصة تلك المناطق ولم تفلح جميع دعوات الاستغاثة في ثني تلك القوات من أن ترتكب عملياتها بحقهم .

إن تلك الأحياء تعاني اليوم من أزمة إنسانية خطيرة فمستشفى تلعفر العام لا يمكن الوصول إليه ولا يوجد في تلك المناطق إلا مركز صحي واحد بسيط جداً في إمكانياته وهذا المركز لا تتوفر فيه ابسط المستلزمات الطبية والعلاجية وبالتالي هناك العديد من الجرحى من فارق الحياة بسبب عدم قدرة الكوادر الطبية في توفير المستلزمات العلاجية والأدوية أللازمة لإنقاذ حياتهم ، فضلاً عن تعذر نقل الجرحى والمصابين والمرضى غلى تلك المراكز .

لقد تعرضت الأسر في تلك الأحياء إلى شتى أساليب المعاملة القاسية والمهينة وغير الإنسانية وجرى اعتقال عدد كبير من أفراد الأسر من الذكور لأنهم رفضوا ترك منازلهم كي لا تستباح وتسرق، وتعرض هؤلاء مع أفراد أسرهم إلى الضرب والإهانة والاعتداء ألبدني ، ولم يكن هؤلاء يملكوا أي وسيلة تمكنهم من الحفاظ على أرواحهم وكرامتهم فقد ذاق معظمهم مرارة التهجير والنزوح وعاشوا في أحداث تلعفر الأولى في العراء أسابيع واشهر من دون أن تبذل الحكومة جهودها في توفير الظروف الإنسانية الأفضل لحياتهم، وأصبح المدنيون العزل في قبضة القوات المشتركة التي لم تعد تبالي في إيذائهم من دون مسوغ .

وكل هذا يجري وسط تعتيم إعلامي كامل على الأحداث حيث لا يسمح لأي وكالة أنباء أو مؤسسة حقوقية في أن تتحرك أو توثق ولا يسمح للفضائيات بدخول تلك المناطق باستثناء قناة العراقية التي ذهبت لتصور الأحياء ذات الأغلبية الشيعية في المنطقة والتي هي الآن بعيدة كل البعد عن الأعمال العسكرية وهي في مأمن من جرائم القصف والتدمير، وقامت تلك القناة بقلب الحقائق وأظهرت بان قصف تلعفر وتنفيذ هذه الأعمال العسكرية هو مطلب أهالي تلعفر وليس رغبة أمريكية. لقد أبلغت الوحدات العسكرية كافة بعدم السماح لأي وكالة أنباء محايدة بدخول تلك المنطقة بدعوى المحافظة على سلامة الإعلاميين والصور الوحيدة هي تلك التي تلتقطها وكالات الأنباء الأمريكية التابعة للجيش الأمريكي .

إن المناطق التي تعرضت لتك الأعمال العدائية تعاني الآن من أزمة خطيرة في جانب المواد الغذائية والمياه الصالحة للشرب والعلاجات الطبية، فمعظم العوائل قد نفذ ما لديها من مواد غذائية ،خاصة وان هذه المناطق قد ضرب عليها حصاراً منذ يوم 1/9/2005 وهناك انقطاع كلي للتيار الكهربائي، أما مياه الشرب فهناك شحة كبيرة فيه والمدنيين يحاولون أن يحتفظوا بما بقي لديهم من ماء خشية أن تزيد أزمة الماء من معاناتهم، وتم قطع شبكة الهاتف بالكامل بما في ذلك الهواتف المحمولة والآن يجهل أهالي تلعفر مصير أبنائهم الذين بقوا في داخل المناطق التي تتعرض للعمليات العسكرية .

وهناك مخيم للنازحين أقيم داخل منطقة حسنكوي يضم أعداد كبيرة من العوائل التي تركت منازلها ودخلت المخيمات بسبب عدم توفر المواد الغذائية ورغبة في أن تتلقى جزءً يسيراً من المساعدات الإنسانية ما يكفي لسد جوعتها، وتقدر عدد العوائل التي تتواجد في هذا المخيم بثلاثمائة عائلة معظمها نزحت بعد بدء الأعمال العسكرية في تلك المناطق .

وعلى صعيد الاعتقالات العشوائية داخل المدينة فان عدد المعتقلين ازداد بشكل كبير خلال تلك الأعمال وتستمر تلك الاعتقالات وفق نفس الثوابت التي تنتهجها تلك القوات من حيث عشوائيتها ووحشيتها فضلاً عما يرافقها من أعمال اعتداء وإساءة للمعتقل ولعائلته، وقد أكد النازحين في الأيام الأخيرة من حملة القتل والابادة التي تشنها القوات المشتركة أنهم شاهدوا عدد من المنازل قد تم إحراقها بالكامل من قبل تلك القوات، وان قوات الحرس اللاوطني تتعمد إتلاف المواد الغذائية المتبقية في المنازل وتقوم بسكبها أو مزجها مع بعضها لعدم السماح للعوائل باستخدامها، وهناك عملية تفتيش ودهم تتم من منزل إلى أخر وان هناك أعمال سرقة ونهب من قبل تلك القوات للكثير من الممتلكات الشخصية للمواطنين .

أما على صعيد المعاناة اليومية للعوائل النازحة من مدينة تلعفر فإنها كبيرة جداً وتتفاقم يوماً بعد يوم مع تزايد عدد العوائل النازحة ومع شحة ما يصل من مواد اغاثية إلى تلك المناطق خاصة وان الجهود الاغاثية في مدين الموصل ضعيفة حيث اقتصرت على بعض الحملات التي قامت بها بعض المساجد وهي لاتتناسب مطلقاً مع الاحتياجات الكبيرة لتلك العوائل خاصة وان العديد من المناطق اصبحت في الوقت الحاضر مركزاً للنازحين مثل العياضية والمحلبية والرشيدية وابو ماريا وقرية النخوة وقرية تل اسمن وقرية شيخ إبراهيم والمنطقة المقابلة لقلعة تلعفر (قرب معمل الإسفلت). والمخيم الوحيد الذي بالكاد يمكن أن يلبي احتياجات النازحين هو المخيم الذي أقيم على مشارف مدينة تلعفر والذي أقيم من قبل جمعية الهلال الأحمر العراقية وهو قادر على التعامل مع الحالات الإنسانية الصعبة للنازحين خاصة وانه يضم أكثر من سبعمائة عائلة تسكن في خمسمائة خيمة وهذا يتم رغم وجود العديد من المشكلات في توفير بعض المواد الغذائية الأساسية للنازحين .