حرب بوش علي العراق وحدت الاسلاميين
والعلمانيين في جبهة واحدة
عنوان هذا الكتاب يذكر بفيلم للبريطاني مايك لي عن الحياة الرتيبة في لندن من خلال عدسة مصور حفلات. ولكن
ديليب هيرو، الكاتب
البريطاني ليس معنيا بالحياة الرتيبة اكثر من عنايته
بتحليل الظروف التي قادت الي غزو العراق واحتلاله في
تحالف يعتبر من اكثر التحالفات بشاعة في التاريخ بين امريكا وبريطانيا. وهيرو ليس غريبا
عن المنطقة العربية فقد كتب اكثر من 15 كتابا عن الشرق الاوسط وعن العراق، كما زار البلاد اكثر
من مرة في عهد النظام السابق، ولديه معرفة واسعة بالتطورات السياسية والاجتماعية
في العالم العربي. وهو هنا يكتب عن علم وخبرة طويلة في المنطقة العربية.
اسرار واكاذيب يتمتع
بنزعة توثيقية وهو وثيقة عن الهوس الامريكي
بالعراق، وتحالف المحافطين الجدد الذين هيأوا الارضية لتدمير العراق من خلال
اصرارهم علي تركيز الانظار
علي العراق اكثر من القاعدة.
ويقدم هيرو تفاصيل شخصية عن العصابة التي اختطفت صناعة القرار الامريكي وتداخلاتها السياسية والتي بدأت في السبعينات من
القرن الماضي، حيث يقدم تفاصيل عن ديك تشيني، وبول وولفويتز،
المهندس الحقيقي لتغيير النظام، ودوغلاس فايث، وريتشارد بيرل الذي كان اطلق عليه اسم امير الظلام، وكارل روف، وكوندوليزا رايس ودونالد رامسفيلد،
وزير الدفاع، وقد عمل المحافظون الجدد بمثابة المبشرين لتدمير العراق ثم اختفوا
حيث لم يبق منهم في الادارة احد بعد اعادة انتخاب بوش في الفترة الثانية العام الماضي.
اما المنظرون والداعون لغزو العراق فقد اختفوا
وراء الاضواء او ابعدوا الي مناصب اخري مثل وولفويتز الذي اصبح مديرا للبنك
الدولي.
وما يقدمه هيرو هو طبيعة الصلة التي ربطت الفكر اليميني المتطرف في ادارة بوش وسياسات الليكود، فمعظم، ان
لم يكن كل المنضوين تحت لواء المحافظين الجدد، لهم ارتباطات باسرائيل
بطريقة او بأخري. هيرو معني اكثر بسرد الاحداث التي قادت الان الي مستنقع امريكا في العراق، حيث
يحلل الوثائق والتقارير الاخبارية والصـــحافية ويضعها
في سياق كرونولوجي لكي يظهر حجم الخديعة الكــبري التي تعرض لها الامريكيون
والبريطانيون بدرجة اقل من حكومتي بلادهم عندما قادتهم لحرب عبثية لا مصلحة لهم
فيها.
ففي الجانب البريطاني
يستعرض الملف السيء السمعة الذي اعدته
الحكومة لتبرير مشاركتها في غزو العراق، اما في الجانب الامريكي، فيقدم محاولات امريكا ربط
النظام العراقي بتنظيم القاعدة، وهي العلاقة الواهية التي حاولت امريكا تحويلها لحقيقة ـ اذا اخذنا بعين الاعتبار ان زعيم تنظيم
القاعدة اسامة بن لادن يعتبر صدام حسين الرئيس العراقي
السابق كافرا، واتهمه بقتل العراقيين، اضافة الي ان نظام صدام كان علمانيا علي
خلاف ما تدعو اليه القاعدة، من برنامج اسلامي.
ومع ذلك نجحت صناعة الاكاذيب الامريكية ببناء علاقة
بين النظام العراقي والقاعدة والفضل يعود الي كولن باول، وزير الخارجية السابق
الذي قدم في 5 شباط (فبراير) 2003 كلمة امام مجلس الامن، حاول فيها الربط بين العراق والقاعدة عبر معسكرات كانت
تابعة لانصار الاسلام في
شمال كردستان، واعطت هذه المرافعة التي تبين انها قامت علي معلومات مضللة الهوس الامريكي
بازاحة صدام حسين زخما، وفي الاسبوع
الماضي اعتبر باول ان كلمته امام مجلس الامن تعتبر عاراً في
تاريخه، والاعتراف هذا جاء بعد فوات الاوان، اي بعد خراب مالطة . يجمع هيرو بين
التفاصيل الصغيرة والاخبار والوثائق ليقدم عرضا تاريخيا
متسلسلا للخديعة الكبري.
يركز هيرو الذي يتقن جمع التفاصيل والاشتات
علي المرحلة الاولي من عملية التضليل والخداع، وهي انشاء البنتاغون، مكتب الخطط
الخاصة الذي تجاوز المؤسسات الامنية الكبيرة في امريكا، وكانت مهمته هي ايجاد صلة
بين العراق والقاعدة، وقام المكتب الذي اداره المحافظون
الجدد، بفتح صلات مع مكتب انشأه رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، فيما التف
دونالد رامسفيلد، علي
المؤسسات الامنية، وقام بالاتصال بمكتب توني بلير.
وفي هذا السياق يقول هيرو، ان كلا من بلير وبوش استخدما طوال التحضير للحرب عملية تضليل وخداع وكذب
، ويتساءل الكاتب قائلا، كيف يمكن ان يقوم شخصان مثل بلير وبوش، يدعيان انهما يقرآن الانجيل، اي هما ملتزمان دينيا
بتضليل وحياكة سلسلة من الاكاذيب لتبرير غزو بلد مثل
العراق. ويلاحظ هيرو، ان
بريطانيا وامريكا استخدمتا استراتيجيات مختلفة لاقناع الرأي العام، ووجد بلير
صعوبة في تمرير خططه الرامية لاقناع البريطانيين بضرورة
الحرب علي العراق، فبعد الملف المثير للجدل لم يكن بمقدور بلير
اقناع شعبه الذي تقوم خدمات الاعلام،
التلفزيون والصحافة باعداد تقارير مكثفة عن العالم
الثالث، كما ان بريطانيا باعتبارها مركز منظومة
الكومنولث، يجعل من امكانية خداع البريطانيين صعبة.
يتابع هيرو بوعي تطورات الوضع العراقي وعلاقته بالاساليب
التي استخدمتها الادارة لتمرير مشروعها القاضي بالاطاحة بالنظام العراقي، وهو يعيد الي
الاذهان وبتسلسل تاريخي وحدثي مجريات التحضير للحرب،
التي تبدو مثل فصول فيلم فيه حشد من الممثلين، الذي يتدافعون لاثبات
كذبهم امام الجماهير. فرامسفيلد
مثلا استخدم المخابرات الامريكية سي
اي ايه ومديرها جورج تينت لايجاد ولو صلة بين العراق
والقاعدة، فيما مارس ديك تشيني ضغوطا بهذا الشأن. واللافت في الانتباه في تحليل، هيرو هو ربطه مشروع تحرير العراق من صدام بمشروع القرن الامريكي، ومراكز البحث التي احتلها المحافظون الجدد، وقامت
بتغذية الادارة بالتقارير الكاذبة عن قدرات العراق. ويتساءل
الكاتب عن سبب صحوة امريكا المفاجئة لـ تحرير العراق من
صدام وهي العارفة بتاريخه وعلاقته مع زملائه في حزب البعث، وعمليات التطهير التي
قام بها منذ ان اصبح نائبا للرئيس العراقي، واجباره
احمد حسن البكر علي الاستقالة، ليصبح الحاكم الفعلي للبلاد.
ويعيد الكاتب هنا للاذهان، موقف امريكا من صدام اثناء حربه ضد ايران، حيث غضت
الطرف عن الكثير من الافعال والممارسات التي قام بها نظامه، والعبرة في هذا السياق ان
امريكا لو كانت جادة في معاقبة صدام، لكان عليها
معاقبته في ذلك الوقت وليس انتظار عقدين لاعلان حرب
عليه. وفي تحليله لسقوط صدام واحتلال بغداد، يقول ان
الرئيس العراقي اتخذ كل الاحتياطات الا انه لم يكن
محتاطا لامكانية الخيانة داخل صفوف نظامه.
في تفاصيل عرض هيرو، نلاحظ كيف قام سدنة الاكاذيب،
بالتأثير علي الرئيس الامريكي الذي بدا ساذجا، تم
استغلال عواطفه من اجل تدمير بلد كامل، ويري هيرو ان بوش الذي اعترف لبوب وودورد في
عام 2002 انه غير صبور ، و عنيد ، لم يكن واعيا للتاريخ الذي يحرص ان يكون احد صناعه، والدرس المهم في حرب العراق وقبلها حرب افغانستان هي انهما اثبتتا محدودية الفعل العسكري في تغيير الدول ومصائرها.
ويقول الكاتب ان بوش وفريقه لم يعرفوا ان السبب
الذي ادي لتصاعد الاصولية الاسلامية كان احتلال افغانستان
عام 1979، كما ان استمرار التواجد الامريكي
في السعودية بعد خروج صدام من الكويت كان وراء تهميش بن لادن الذي كان حتي ذلك الوقت جزءاً من المؤسسة السعودية، بحسب المؤلف، وهذا
الفشل قاد الي مستنقع جديد في العراق، تماما مثل مستنقع
فيتنام في الستينات من القرن الماضي. بل ان من اهم اثار الاحتلال الانغلو ـ امريكي للعراق هو توحيد
العناصر الاسلامية والقومية في تيار واحد، وهما عنصران
لم يكونا ليلتقيان في الماضي، بسبب الخلافات الايديولوجية
وهو امر ترفض ادارة بوش
وحكومة بلير الاعتراف به حتي الان، علي الرغم من الوضع الكارثي الذي يعيشه العراق.
في الوقت الذي تمسك
فيه بوش بالعراق كمركز للارهاب الدولي، وفي قلب الحرب
عليه، فان العراقيين الذين رفضوا السيناريو المتفائل، الذي اشار
الي خروجهم من بيوتهم بالازهار
والرياحين لاستقبال الغزاة لديهم شكوكهم من الادارة الامريكية، وهم لا يؤمنون بالشعارات التي ساقها بوش لـ
تحريرهم .
ما يميز هذا الكتاب
انه جمع خيوط المؤامرة علي العراق ورسم فصولها بطريقة مثيرة، حيث لاحق الاحداث ولعبة التضليل، واهمية
الكتاب تنبع من توثيقيته وقراءته لما وراء التصريحات،
وهو مهم لان الفصل العراقي لم ينته، فموسم القتل والحرب يتصاعد في هذا البلد الذي
عاني اكثر من عشرة اعوام
نتيجة للحصار الدولي الذي قادته الولايات المتحدة عليه.
نقلا عن القدس العربي