الحكومة تغيب لاول مرة عن معركة اختيار نقيب الصحفيين

 

انطلقت في نقابة الصحفيين أسخن انتخابات نقابية لانتخاب نقيب جديد ، لا يخوضها - لأول مرة - مرشح حكومي تسانده الدولة، ويتنافس فيها قرابة ستة من كبار الصحفيين، من توجهات رسمية وناصرية ومستقلة في معركة طاحنة، تدور هذه المرة حول فساد المؤسسات الصحفية الكبرى.

 

وتلقت اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات نقيب الصحفيين طلبات العديد من المرشحين، أبرزهم جلال عارف النقيب الحالي، و أسامة الغزالي حرب رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية ومصطفى بكري رئيس تحرير جريدة الأسبوع وإبراهيم حجازي رئيس تحرير مجلة الأهرام الرياضي ووكيل النقابة، وأسامة غيث نائب رئيس تحرير الأهرام

وتتوقع الأوساط الصحفية أن تشهد هذه الانتخابات منافسات شرسة بين المرشحين لعدم وجود إجماع من جانب الصحفيين على مرشح واحد، وتصاعد مشكلات الصحفيين المادية والمهنية، نتيجة حالة الفساد التي يشكو كثيرون من انتشارها في كافة المؤسسات الصحفية الكبرى والمستقلة، فضلا عن تقدم ثلاثة من جريدة الأهرام إلى هذه المنافسة لأول مرة، ما قد يشتت أصوات صحفيي المؤسسة الأكبر عددا، والأكثر حشدا في هذه الانتخابات، وتنافس مرشحين ناصريين معا هما بكري وعارف، ما قد يشتت أيضا أصوات التيار الناصري داخل النقابة.

 

وترجع أهمية هذه الانتخابات إلى أنها تجري بعد أسبوعين من انتخابات الرئاسة ، ما يعطيها زخما ديمقراطيا أكبر، تشتهر به انتخابات النقابات المهنية عموما، كما إنها تجري عقب أكبر عملية تغيير في مجالس رؤساء المؤسسات الصحفية الكبرى، واستقالة صحفيين كبار تولوا رئاسة هذه المؤسسات منذ أكثر من 25 عاما، وما أعقب ذلك من فتح صحف مستقلة ما قالت إنه ملفات فساد داخل كبرى الصحف مثل الأهرام والجمهورية.

 

و تشير الأوساط الصحفية إلى أن المعركة الحقيقية في هذه الانتخابات تدور حول قضايا الفساد داخل المؤسسات الصحفية، خاصة أن أحد المرشحين، وهو مصطفى بكري، قام بتقديم بلاغ للنائب العام يطلب فيه التحقيق في قضايا فساد، داخل مؤسسة الأهرام، رد عليها إبراهيم نافع، نقيب الصحفيين ورئيس تحرير الأهرام الأسبق ببلاغات مماثلة، ما يؤشر لفتح هذا الملف الشائك، على الرغم من نفي قيادة مؤسسة الأهرام الجديدة وجود أية تجاوزات.

 

ويرفع غالبية المرشحين شعارات تتعلق بمحاربة الفساد داخل المؤسسات الصحفية وإصلاح أحوال الصحفيين  وغالبيتهم من أصحاب الدخول الضعيفة، إذ يؤكد مصطفى بكري أنه رشح نفسه لخدمة الصحفيين، وإعادة الاعتبار للمهنة، ومساواة الصحفي بالقاضي، فيما يؤكد أسامة غيث أنه ضد الفساد داخل المؤسسات الصحفية، ورشح نفسه للقضاء عليه، خصوصا أن لديه مستندات إثبات على ذلك، فيما يؤكد الدكتور أسامة الغزالي حرب أنه يهدف إلى تطوير العمل النقابي، والارتقاء بالمهنة، والدفاع عن حقوق الصحفيين المهدرة.

 

إلا أن أوساطا صحفية تعتبر أن إبراهيم حجازي وكيل النقابة الحالي، ربما يكون هو المرشح الأفضل حكوميا، ووريث إبراهيم نافع كمرشح مقرب من التوجهات الحكومية. على الجانب الآخر حرص نقيب الصحفيين الحالي جلال عارف على تأكيد أن لديه برنامجا لرفع أجور الصحفيين وتحسين أحوالهم، وأنه رشح نفسه لاستكمال ما تبقى من إنجازات الدورة الماضية.

 

ويخوض عارف المنافسة معتمدا على الإنجازات، التي حققها خلال العامين الماضيين، وفي مقدمتها الحصول على عشرة ملايين جنيه، ساهمت في إنهاء أزمة صندوق المعاشات وسداد جزء من ديونها، إلى جانب قيادته لعلاقة متوازنة بين النقابة وأجهزة الدولة، ورغبته في استكمال معركة إقرار مشروع قانون إلغاء الحبس في قضايا النشر.

 

ويسود اعتقاد أن التيار الإسلامي الممثل بأربعة أفراد داخل مجلس النقابة، والذي لم يسبق له ترشيح أي من أفراده داخل النقابة للمنافسة على منصب نقيب الصحفيين منذ نشأتها، ربما يصوت هذه المرة ضد عارف، لأنه دخل في صراع مع النقيب الحالي وأعضاء مجلس النقابة الآخرين من التيار الناصري.

 

وكان قد تردد أن إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفتي صوت الأمة والدستور يعتزم ترشيح نفسه، وأعلن ذلك عيسى بالفعل، بيد أنه عاد وأعلن أنه لن يرشح نفسه.

 

ويزيد هذه الانتخابات سخونة أن الوجوه القديمة التقليدية التي كانت ترشح نفسها لمنصب النقيب قد غابت عن الترشيح، خصوصا إبراهيم نافع، رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير لأهرام السابق، ومكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور السابق، وكلاهما حصل على منصب النقيب أكثر من مرة، ما فتح الباب أمام الجميع للتنافس بحرية، اعتمادا على أنه ليس هناك مرشح حكومي سوف يدعمه صحفيو المؤسسات الكبرى، ويحسمون الأمر لصالحه.

وقالت وكالة قدس برس ان  نقابة الصحفيين واحدة من أهم النقابات المهنية في مصر، التي تحولت مؤخرا إلى "هايد بارك" للحريات، وصارت قبلة لجميع الحركات والقوى السياسية والنقابية المطالبة بالإصلاح والتغيير، كما تحول مدخلها وسلالم النقابة الطويلة لمقر المؤتمرات والمظاهرات والتجمعات مؤخرا، لكافة القوى السياسية.

 

وقد ارتبط تاريخ الصحافة ونقابة الصحفيين  بالحريات بشكل وثيق، خاصة أن مهنة الصحافة تطورت أساسا  مع فترات الازدهار الوطني، ومحاربة القوى الاستعمارية، منذ أكثر من قرن، خاصة في عهد الاحتلال الإنجليزي، حيث تنامت الدعوات للاستقلال والحرية.

 

ولذلك ارتبطت النقابة بقضية الحريات، وارتبط تاريخها بالنضال من أجلها، وخاصة الحريات الصحفية منها، ودخلت النقابة بسبب ذلك في مراحل من الصدام مع الحكومات المختلفة، دفاعا عن حرية الصحافة والصحف والصحفيين، خصوصا في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952، التي شهدت تقييدا لحرية التعبير، وإغلاق عشرات الصحف المستقلة، بدعوى أنها صحف أحزاب ما قبل الثورة الملغاة في العهد الجديد.

 

وتأسست نقابة الصحفيين 31 مارس 1941، وكان عدد الأعضاء الذين حضروا اجتماعها الأول 110 أعضاء من بين 120 عضوا هم إجمالي أعضاء النقابة في ذلك الوقت، بيد أن العدد الحالي لأعضاء النقابة يربو على 4 آلاف صحفي، منهم حوالي 3 آلاف من العاملين، أما العدد المتبقي من الأعضاء فهو من الصحفيين المتقاعدين.

 

ولم يكن للنقابة حتى نهاية العام 1941 مقر يجتمع فيه أعضاؤها، فكانت تعقد اجتماعاتها في دور الصحف، مثل الأهرام والبلاغ و المصري، ولكنها افتتحت في 11 فبراير1944 أول مقر رسمي لها بالقاهرة، ثم انتقلت في 31 مارس 1949 إلى مبناها الحالي بشارع عبد الخالق ثروت، وسط القاهرة، الذي هدم وأعيد بناؤه على أحدث مستوى، وجرى افتتاحه في يوليو 2002 ليصير منذ ذلك الحين قبلة المتظاهرين وأصحاب المطالب من الحكومة.