حول الاستفتاء على مشروع الدستور العراقي
بقلم :منير شفيق
ثمة اتجاه خاطئ وجد
من يؤيده في العراق وخارجه يتمثل في رفض المقاومة السياسية والسلمية، حاصراً أسلوب
مقاومة الاحتلال بالمقاومة العسكرية فقط. وهو امر شاذ
لم تعهد مثله المقاومات المسلحة للاحتلال في تجارب الشعوب الأخرى بما في ذلك تجارب
الشعوب العربية. فهذا الرفض لكل نشاط سياسي ممانع لمخططات الاحتلال تحت حجة ان الاسلوب الوحيد هو المقاومة
المسلحة يؤدي الى اضرار
شديدة على مستوى وحدة الشعب، كما على المقاومة المسلحة نفسها.
وقد تصاحب هذا
الاتجاه الخاطئ مع اتجاه مقابل اعتبر ان الاسلوب السياسي وحده الذي يجب ان
يواجه به الاحتلال واعتبر المقاومة المسلحة ارهاباً ورفضها تماماً. هذا الاتجاه بدأ بالمقابلة بين مقاومة
سياسية ومقاومة مسلحة في تجارب الشعوب التي تعرضت الى
الاحتلال. وذلك لكي يغطي استراتيجية التواطؤ مع
الاحتلال والتوافق مع مخططاته السياسية. وذلك بهدف اقتسام الجبنة،
(السلطة والمغانم)، وهو بهذا اسقط المقاومة السلمية للاحتلال تماماً كما اسقط
المقاومة المسلحة، اذ شتان، نظرياً وعملياً، بين مقاومة
او ممانعة سلمية وبين المساومة القائمة على التواطؤ
واقتسام الغنائم، ومن ثم تكون معارضة هذا الاتجاه للمقاومة المسلحة من خلال ادعائه
تبني المقاومة السلمية ذراً للرماد في العيون لتغطية سياسة القفز على السلطة
والثروة من خلال التعاون والتواطؤ، وهو بهذا كفى معارضيه الحاجة حتى الى مناقشة رأيه اذ قضى عليه بيده واسقطه من نطاق النظرية والرأي.
لكن بقيت المشكلة مع
الاتجاه الأول وتفاقمت مؤخراً مع ما صدر من تهديدات لكل من يشارك في الاستفتاء على
الدستور بمعاملة جمهور الناس الذين يمكن ان يدلوا
برأيهم في معاملة قوات الاحتلال باستباحة دمائهم. وهذا الجانب الاخير
موجه الى الذين يريدون المشاركة لاسقاط
مشروع الدستور كما الى من سيؤيدونه، وهو موقف فاضح في
خطئه، وفادح في نتائجه، حيث القتل هنا يدخل في باب الفتنة ويخرج من باب المقاومة
المسلحة لقوات الاحتلال. لانها اصبحت
مقاومة ضد جمهور العراقيين. ومن ثم يكون بمثابة التتويج للخط الذي أباح سفك دماء
المشاركين في الانتخابات السابقة، وحمل في طياته الفتنة بين السنة والشيعة كما بين
العرب والأكراد.
اذا كانت المشاركة في الانتخابات تحت الاحتلال،
أو في ظروف اخرى، قابلة للاخذ
والعطاء كما يقولون، أي المشاركة أو عدم المشاركة، فان اللجوء الى
العنف في مواجهة الاختلاف حولها يشكل انحرافاً وجريمة ودماراً ولا يخدم قضية
المشاركة ان كان لخدمتها، ولا قضية المقاطعة ان كان لتأييدها وانجاحها، وبكلمة اخرى ان اشكالية
المشاركة في الانتخابات وعدمها لا يصح ان تناقش على
مستوى المبدأ القاطع المانع في القبول او الرفض سواء
أكان ذلك تحت احتلال ام كان تحت ظروف اخرى تجعلها موضع خلاف.
لقد دلت تجارب الشعوب
بما في ذلك شعوبنا، وفي الحالتين، ان هذه الاشكالية تبحث على ضوء ظروف كل حالة وما يمكن ان تؤكده النتائج من صحة او خطأ
هذا الرأي او ذاك. ومن ثم لا تدخل في المبدأ القاطع
المانع.
ومن هنا فان من حق
القيادات الدينية والسياسية المعارضة للاحتلال ولمشروع الدستور في العراق ان تأخذ القرار الذي تراه مناسباً، مشاركة في الاستفتاء لاسقاط مشروع الدستور التقسيمي
المدمر للعراق والكارثي على المنطقة كلها، او عدم المشاركة، وذلك تبعاً لتقديرها للموقف والظروف بعيداً
من الخلل الفكري الذي يرفض ألوان المقاومة والممانعة السياسية السلمية ما دام ثمة
مقاومة مسلحة. وهما امران يمكن ان
يتكاملا لا ان يتعارضا ويتناطحا. هذا الى جانب الوقوف بحزم في شجب استخدام العنف ضد المشاركين كما
هدد تنظيم «انصار الاسلام» وتنظيمات
غيره لم تتأكد صحة ما صدر عنها من بيانات مماثلة.