ما هو سر الصفقة التي عقدها بوش مع تينيت قبل
غزو واحتلال العراق؟
بقلم :محمود كعوش
مدير الـ "سي.آي.إيه"
السابق يهدد بكشف "المستور" حول أحداث 11
أيلول وحرب العراق
دوافع وأسباب
سياسية وقفت وراء إستقالة جورج تينيت
في العام الماضي
صحي فة "الواشنطن تايمز" تكشف سر المعركة الصامتة داخل وكالة الإستخبارات
المركزية الأميركية
المدير السابق
يهدد بإصدار كتاب حول 11 أيلول والعراق مقابل 4.5 مليون دولار
عندما استقال المدير
السابق لوكالة الإستخبارات المركزية الأميركية "سي.آي.إيه" جورج تينيت من منصبه في مطلع حزيران 2004، كان قد مضى على إدارته
للوكالة الأكثر رعباً وإثارة للجدل في العالم بما فيه الولايات المتحدة سبع سنوات،
بدأت في الولاية الثانية للرئيس الأميركي الد يمقراطي بيل كلينتون وانتهت قبل
خمسة شهور من انتهاء الولاية الأولى للرئيس الجمهوري الحالي جورج بوش.
فتعيين مدير لأهم
وأخطر مؤسسة إستخباراتية في الولايات المتحدة والعالم
في عهد رئيس ديمقراطي وبقائه على رأس عمله في عهد جمهوري يعقبه، يعني بلا أدنى شك
أنه رجل يحمل من المواصفات والميزات الخاصة ما يجعل التخلي عنه أمراً لا يتفق مع
المنطق وفي غير موضعه. فجورج تينيت كان وفق تقيمات الخبراء الإستخباراتيين
يُعتبر الرجل الأكثر أثراً في عالم الإستخبارات
الأميركية، أقله خلال العشرين سنة الأخيرة.
وإلى جانب أن تينيت بدأ حياته الإستخباراتية
نائب مدير للوكالة في عام 1995 ثم مديراً لأعمال الرئيس في مجلس الأمن القومي
الأميركي قبل أن يصبح مديراً للوكالة، إشتُهر بحنكته
التي أهلته لممارسة العديد من المهام الصعبة والشاقة. فهو على سبيل المثال لا
الحصر، تمكن من خلال المزاوجة بين السياسة والعمل الإستخباراتي
أن يدخل على خط الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي عبر المب
ادرة التي سُميت باسمه، في محاولة منه لتأمين الملف
الأمني الإسرائيلي على حساب الإستئثار بالملف الأمني
الفلسطيني. وكاد أن ينجح في مهمته لو لم يُواجه بالتعنت والتصلب الإسرائيليين،
الأمر الذي أحبط جهوده. كما ونجح في تسهيل مهمة الولايات
المتحدة للهيمنة على مجريات الأحداث العالمية وبالأخص في الشمال الشرقي من العالم
ومحيط البحر الكاريبي، م ن خلال إستغلاله الذكي لتبعات
أحداث 11 أيلول 2001. هذا وتولى توجيه سياسة الإدارة الأميركية لشن حربين
متتاليتين في أفغانستان والعراق، من خلال المعلومات الإستخباراتية
التي زودها بها ومن خلال دعم تيار المسيحية الصهيونية
في الولايات المتحدة لجهوده التي تناغمت مع استراتيجيتهم
الهدامة.
دوافع وأسباب سياسية وقفت وراء استقالته المفاجئة!!
حين أعلن جورج تينيت إستقالته، لم تقنع الأسباب
الشخصية التي أرفقها بها أياً من المراقبين السياسيين
في العالم وبالأخص في بلاده، الأمر الذي أثار كثيراً من التأويلات والتفسيرات
والتكهنات حول الأسباب والدوافع الحقيقية التي وقفت وراءها، خاصة وأنه ظل حتى
اللحظة التي سبقت ذلك الإعلان موضع ثقة وتقدير من قبل الرئيس جورج بوش. ومن منطلق
إيمانهم بأن وراء الأكمة ما وراءها، رجح هؤلاء وجود دوافع وأسباب سياسية جادة
ومهمة فرضت على الرجل القوي وصاحب الحظوة الخاصة لدى الرئيس تقديم إستقالته بشكل مفاجىء. ولعل أبلغ
تلك الدوافع والأسباب كانت أحداث 11 أيلول 2001 والتداعيات والإسقاطات التي ترتبت
عليها، بدءاً بحرب أفغانستان وإخفاق وكالة الإستخبارات
المركزية في القبض على زعيمي تنظيم القاعدة وحكومة طالبان أسامة بن لادن والملا
عمر وانتهاءً بسقوط وتهاوي المبررات التي ساقتها الوكالة لشن الحرب على العراق،
وبالأخص زعم امتلاكه أسلحة دمار شامل وادعاء وجود علاقة بين الرئيس العراقي الأسير
صدام حسين وبن لادن.
وفيما نظر بعض
المراقبين إلى إستقالة مدير وكالة الإستخبارات
المركزية الأميركية على أنها جاءت في سياق صفقة بينه وبين الرئيس جورج بوش مستدلين
على ذلك بميدالية الحرية الرئاسية التي منحها الثاني للأول بعد إستقالته، اعتبر بعضهم الآخر جورج تينيت
"كبش فداء" للسقطة الأ ميركية
في المستنقع العراقي.
لكن وبالرغم من كل ما
قيل وكتب حول الإستقالة خلال الأربعة عشر شهراً التي
أعقبتها وما رافق ذلك من استفزاز متعمد من قبل وسائل الإعلام لتينيت
بهدف إخراجه عن طوره، إلا أنه ظل يحافظ على هدوئه وأحاط الاستقالة بساتر من الغموض
من خلال التزامه الصمت ومحاذرة الدخول في معارك كلامية لتجنيب نفسه الوقوع في فخ
خياري الدفاع عن نفسه والإضطرار إلى كشف "المستور".
لكن على ما ظهر من خلال ما تناقلته الصحافة الأميركية قبل أيام، فإن جورج تينيت سيجد نفسه هذه المرة مجبراً على اللجوء الى الخيار الثاني الذي سيفرض عليه الكشف عن حقائق مثيرة
وجديدة حول أحداث 11 أيلول وحرب العراق، ما لم يتدخل الرئيس جورج بوش على عجل للجم
إندفاعة بورتر غوس المدير الجديد لوكالة الإستخبارات
المركزية الأميركية ضده. ويذكر في هذا الصدد أن بوش كان قد عين غوس خلفاً لتينيت في 10 آب 2004.
صحيفة الـ "واشنطن تايمز" تكشف
سر المعركة الصامتة داخل الـ "سي.آي.إيه"
صحيفة الـ "واشنطن تايمز" الأميركية
رجحت أن يجد جورج تينيت نفسه محاصراً بحيث ينقاد مضطراً
إلى اللجوء لخيار كشف الأوراق المستورة. وأرجعت ذلك إلى ما أسمته "المعركة
الصامتة والساخنة" التي تدور داخل وكالة الإستخبارات
المركزية الأميركية "سي.آي.إيه"
منذ حوالي عشرة أسابيع، "والتي قد تنتهي في حال عدم حسمها من قبل الرئيس جورج
بوش بالكشف عن خبايا أحداث 11 أيلول وما سبقها وتبعها، وبالأخص الملابسات التي
قادت إلى حرب العراق". وإذا ما سارت الأمور وفق ما تشتهي سفن بورتر غوس، فإن ذلك قد يقلب
الطاولة على رأس الإدارة الأميركية من خلال قلب ما هو معروف الآن عن تلك الأحداث
وكيفية وقوعها وتفصيلات ما جرى خلال الشهور والأسابيع التي قادت إليها.
ووفق ما جاء في
الصحيفة فإن تفصيلات تلك المعركة تتلخص في أن عدداً من قيادات الوكالة ذهب إلى أن
اللوم الذي وُجه إليها في التقارير التي أعدتها لجان التحقيق المتعاقبة هو لوم غير
منصف وفي غير محله، وأن مدير الوكالة ا لسابق جورج تينيت
قبل بتعديل المعلومات الدقيقة التي قدمها له مرؤوسوه، وأنه شارك في تغطية
المسؤولية التي تتحملها الإدارة، وذلك بعد إتفاق جانبي
عقده مع البيت الأبيض. وبعبارة أخرى رأى هؤلاء المسؤولون
أن تينيت لم يقل الحقيقة كاملة حول ما جرى للمحققين
وأنه قبل بأن تتحمل الوكالة لوماً كان يفترض أن يذهب إلى أماكن أخرى، وأنه تلقى
مقابل ذلك مي دالية الحرية الرئاسية التي تُعد من أرفع الأوسمة في الولايات
المتحدة، وذلك بعد انتهاء خدمته.
وكشفت الـ "واشنطن تايمز" عن
أن قيادات وكالة الإستخبارات المركزية المقصودين أقنعوا
مديرهم الجديد بورتر غوس
بضرورة إجراء تحقيق داخل الوكالة، بعيداً عن جميع التحقيقات العلنية التي أُجريت
في السابق، لكشف الحقائق كما هي. وبالفعل تم تكليف المفتش العام للوكالة توم هيلغرسون بقيادة فريق من المحققين الداخليين. وفي نهاية
حزيران الماضي انتهى هيلغرسون من تحقيقه الذي تضمن
إدانة دامغة وكاملة لجورج تينيت. وبموجب ذلك التحقيق
وجهت إتهامات لتينيت
بالتقاعس وتغيير تقديرات الوكالة لأسباب سياسية والإدلاء بمعلومات كاذبة "أدت
إلى تضليل محققي الكونغرس الأميركي والإساءة إلى الوكالة وإلى جهود موظفيها".
تينيت الذي استلم نسخة عن ذلك التحقيق بصورة
رسمية، رد عليه بذات الصورة في رسالة من عشرين صفحة رفض فيها جميع الإتهامات وفندها إتهاماً بعد
الآخر. وعندما علم أن مدير الوكالة الجديد بورترغوس
يتجه تحت ضغط كبار قيادات الوكالة إلى استدعائه لاستجوابه كخطوة تمهيدية لإدانته
رسمياً ومن ثم توقيع عقوبات إدارية بحقه قد تؤدي إلى تحويله للمحاكمة بتهمة خداع
الكونغرس، لجأ هذه المرة للهجوم كوسيلة فُضلى للدفاع. فباعتبار أنه يحفظ اللوائح
الداخلية للوكالة عن ظهر قلب ويعرف أن هذه اللوائح تتيح إمكانية محاكمته داخل "البيت
الإستخباراتي" بتهم خرق قواعد العمل بالوكالة
والإساءة للأمن القومي الأميركي والكذب واستغلال صلاحياته لتزوير المعلومات، تعمد
توجيه إنذار مبطن للرئيس جورج بوش على صفحات واحدة من أهم الصحف الأميركية هي الـ "واشنطن تايمز" لحثه
على التدخل لوقف غوس ومنعه من عقد محاكمة علنية له، تحت
طائلة التهديد المبطن أيضاً بفتح جميع الملفات المغلقة الخاصة بأحداث 11 أيلول
والحرب على العراق. وقد لجأ تينيت لهذا الأسلوب بعد أن
عاله الصبر والإستياء من سلبية البيت الأبيض تجاه ما
يفعله غوس ضده وهو الذي قام بما قام به أثناء توليه مسؤولية وكالة الإستخبارات
المركزية إرضاءً للبيت الأبيض وشخص الرئيس لحمايته من أي لوم يوجه إليه أو تبعة
قانونية تُلقى عليه.
الصحافي جون روبرتس يتطوع لإنقاذ صديقه من "مذبح" الـ "سي.آي.إيه"
الصحافي جون روبرتس الذي عمل فترة طويلة في مجال المخابرات إبان عهد
الرئيس الراحل رونالد ريغان وكان مقرباً من البيت الأبيض، إنتصر
لصديقه جورج تينيت الذي استجار به
بعد أن ساءه ما يتعرض له وما يُحاك ضده في ظل صمت الرئيس الذي لطالما امتدحه وأشاد
بجهوده وأُعجب به لدرجة أنه منحه ميدالية لا تُمنح إلا
لشخصيات أميركية تميزت في دفاعها عن الأمن القومي الأميركي.
روبرتس عبر عن انتصاره لمدير وكالة الإستخبارات المركزية السابق من خلال مقال مطول نشره في صحيفة
الـ "واشنطن تايمز"،
كشف فيه عن مجموعة من التفاصيل المذهلة التي تعلقت بالمعركة الدائرة داخل الوكالة
والتي تستهدف تينيت دون غيره.
قال روبرتس في المقال أنه علم من مصدر موثوق أن مدير الوكالة
السابق لن يقبل أن يُذبح بواسطة التقرير الذي تضمن تحقيقات هيلغرسون
الخاصة بتقييم عمل الوكالة إبان تسلمه مهام إدارتها. وكشف عن أن ذلك التقرير الذي
لم يسمع به كثيرون من قبل يدين تينيت
والنائب السابق لمدير العمليات بالوكالة جيمس بافت والمسؤول السابق عن مركز مكافحة الإرهاب كوفر
بلاك، ملوحاً بأن "من يتصورون أن تينيت سيظل
جالساً في مقعده فيما يُعدُ مسؤولو الوكالة لذبحه
يرتكبون خطأً جسيماًـ إذ أن المدير السابق سيرد بعنف وقد يصبح ذلك خبراً بالغ
السوء بالنسبة للبيت الأبيض والقابع بداخله"!!
وفيما اعتُبر تلويحاً
بالكشف عن أسرار خطيرة في مقالات لاحقة إذا ما استمر بورتر
غوس في استهدافه لتينيت وسط
صمت البيت الأبيض، كشف روبرتس عن أن تينيت رفض عرضاً بوضع كتاب عن أحداث 11 أيلول 2001 مقابل
حصوله على مبلغ 4.5 مليون دولار "وقد كان سبب الرفض هو أن المدير السابق لا
يرغب في إحراج البيت الأبيض من خلال الخوض في مسؤوليته عن التقاعس في مواجهة تنظيم
القاعدة قبل 11 أيلول والمعلومات الإستخباراتية الخاطئة
عن أسلحة الدمار الشامل العراقية". وهذا بحد عينه يرجح أن يكون المصدر
الموثوق الذي استقى روبرتس معلوماته منه هو جورج تينيت نفسه، إلا أنه تعمد عدم ذكر اسمه بشكل صريح حتى يجنبه
الإحراج في وقت لم يحسم الرئيس الأميركي جورج بوش موقفه لجهة تأمين غطاء السلامة لتينيت أو التضحية به ومحاولة
تقديمه كبش فداء لأخطائه الكبيرة التي أدت إلى أحداث 11 أيلول ودخول الجيش الأميركي
في مستنقع العراق الذي على ما يبدو بدأ يكتب بداية النهاية للإمبراطورية الأميركية.
عرض جون روبرتس في مقاله الذي نشرته الـ "واشنطن
تايمز" أموراً كانت حتى أيام قليلة مجرد تأويلات
وتكهنات. فقد قال طبقاً للمصدر ذاته أن تينيت "عقد
تفاهماً مع الرئيس بوش مفاده أنه لن يتحول إلى كبش فداء للفشل الإستخباري"!!
ومضى قائلاً أن "هناك صفقة عُقدت بين تينيت
والرئيس، وهي صفقة استكملت بمنح المدير السابق للوكالة ميدالية الحرية"،
لافتاً النظر إلى أن "رد المدير السابق على تقرير هيلغرسون
أخذ مساراً قريباً على نحو لافت لما قاله مسؤول مكافحة
الإرهاب السابق ريتشارد كلارك بأن إدارة الرئيس بوش أخرت عملية تبني إستراتيجية
لمواجهة تنظيم القاعدة". وكان كلارك قد استقال من منصبه وقدم اعتذاراً علنياً
لضحايا 11 أيلول 2001 قال فيه: "لقد خذلتكم حكومتكم.. إن الرئيس جورج بوش
ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد
ضغطا علي لتوجيه الإتهام نحو العراق..".
كانت الرسالة التي
وجهها مدير وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية "سي.آي.إيه" السابق جورج تينيت للإدارة الأميركية من خلال مقال روبرتسون
في الـ "واشن طن تايمز" واضحة ولا لبس فيها: إنه يوجه تحذيراً لا عودة
عنه ما لم يتحرك الرئيس بوش على عجل لنجدته. ويدلل على مغزى الرسالة تَعَمُدِ روبرتسون إنهاء مقاله بالجملة التالية التي تختزل الأبعاد
التي سيذهب إليها تينيت في معركته إذا ما فتحها بورتر غوس بشكل رسمي في ظل مباركة
الرئيس: "إن عرض الـ 4.5 مليون دولار لتأليف كتاب عما حدث قد يعود إلى الطاولة بسرعة. وهذه المرة سيقبله
السيد تينيت"!!
عندما تتموضع المعركة الصامتة الدائرة في وكالة الإستخبارات
المركزية الأميركية منذ حزيران الماضي في مثلث أقطاب الحياة السياسية والإستخباراتية الأميركية ويتواجه فيها الرئيس من جهة ومراكز
النفوذ في الوكالة من جهة ثانية ومدير الوكالة السابق من جهة ثالثة في غياب أي ثقل
أو نفوذ يُذكر لمدير الوكالة الحالي، فإن ذلك يؤشر إلى قرب انفجار صندوق المعلومات
الأميركي "الأسود" الذي سينكشف مع انفجاره "مستور" 11 أيلول
وجريمة غزو واحتلال العراق. وعندها من يدري ربما يكون أكثر إيلاماً من إعصار "كاترينا".