بعد أربع سنوات من هجمات نيويورك و واشنطن : القاعدة بعيون غربية

 

 

 

اعداد: علي حسين باكير

           باحث في الشؤون الاستراتيجية

 

نرصد في هذا التقرير و بعد مرور أربع سنوات على هجمات نيويورك و واشنطن موقع القاعدة في التفاعلات العالمية الحاصلة منخلال آراء و وجهات نظر لخبراء غربيين دون أن نضيف أو نعلّق على أي شيء ممّا ننقله و ذلك حفاظا على ما جاء على لسان هؤلاء كما هو و حرصا على نقل الصورة الأدق في هذا الموضوع.

القاعدة أيديولوجيا و ليست تنظيما

تحت هذا العنوان يقول الكاتب الفرنسي "ميشال موتوه" في تقرير له, كانت اربع سنوات من المطاردات الدولية منذ وقوع اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر مكنت من تسديد ضربات قاسية الى القاعدة، الا ان ما يشكل قوتها حاليا بنظر الخبراء هو انها لم تعد بحاجة لان تكون حركة منظمة حتى تشكل خطرا.

وان كانت اجهزة الاستخبارات الدولية تشير الى انه ما زال هناك نواة صلبة من الارهابيين المحنكين الناشطين منذ سنوات في الحركة الجهادية الدولية والذين ما زالوا يثيرون المخاوف رغم انهم مطاردون، الا ان الخطر الحقيقي هو ان القاعدة تشكل مصدر الهام للكثير من الاسلاميين.

واوضح ماغنوس رانستورب مدير مركز الدراسات حول الارهاب في جامعة سانت اندروز في اسكتلندا ان التنظيم الارهابي "بات بمثابة حالة فكرية وايديولوجيا اكثر منه كيانا ماديا".

ورأى "انه شبح يظهر في كل مكان بدون ان يكون موجودا في اي موقع. او "اميبة" تتخذ اشكلا متعددة من الحياة فتتجسد وتختفي بشكل سريع. انه مصدر الهام سيستمر لوقت طويل ربما لعقود بعد رحيل بن لادن".

ويقول جيريمي بيني المحلل في مركز الارهاب والتمرد التابع لمجلة جاينز البريطانية المتخصصة "للانتماء الى القاعدة ليس على الشخص سوى التحرك، ارتكاب عمل عنيف".

وتابع "لا حاجة الى اقامة اي اتصال مع بن لادن او احد مساعديه. ان اعتداءات ضخمة اصبح ينفذها شبان من العامة ليس لديهم نوع الاتصالات التي يمكن ان نجدها لدى الجيل السابق لما وصف بالقاعدة (..) وهذا الامر مخيف للغاية حين نفكر في عدد الشبان من هذا النوع في العالم".

فيما يعتقد براين جنكينز من مكتب الدراسات "راند كوربوريشن" الاميركي ان بن لادن "ما زال يشكل خطرا كبيرا لان له القدرة المروعة على الالهام والتاثير على الافكار".

ويرى الخبير الجنائي الفرنسي كزافييه روفير احد مؤلفي كتاب "لغز القاعدة" الصادر حديثا ان اخطر ما في الامر ان الغرب لا يستخلص العبر من اخطائه.

وقال "ان نظرتم في جميع الاعتداءات الخطيرة التي ارتكبت بعد 11 ايلول/سبتمبر، سترون انه لم يتم احراز اي تقدم. انها كارثة. نطارد اشخاصا، نقبض عليهم ويمضون باقي حياتهم في السجن، لكن هذا غير مهم اطلاقا، فهم في مطلق الاحوال انتحاريون".

ويختتم "ان القاعدة الاستراتيجية الاساسية تقول: اعرف عدوك. وطالما اننا لم ندرك ان اهداف الارهابيين هي سياسية بالمقام الاول وانه ينبغي النظر في المسألة من الزاوية السياسية، فلن نحظى باي فرصة".

هذا فيما يرى الرئيس السابق لمكافحة 'الإرهاب' في البيت الأبيض ريتشار كلارك الذي يعمل حاليًا مستشارًا في الشؤون الأمنية ومكافحة 'الإرهاب' حول تقييم خطر القاعدة والخطر 'الجهادي' في مؤتمر صحفي له في جمعية 'نيو أمريكا': إن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وقادة التنظيم 'لم يعدوا قادة تقليديين مثلما كانوا في التسعينيات'، مضيفًا أن ابن لادن أسس 'جماعات أيديولوجية' من أفغانستان قبل 11 سبتمبر 2001 وأنها تزايدت في السنوات القليلة الماضية إلى 14 أو 16 شبكة منفصلة. و يعتبر كلارك أن ابن لادن ومساعده أيمن الظواهري يمارسان 'سيطرة رمزية', و إن معظم الشبكات تعمل بشكل مستقل، ولكن 'هناك إشارات على التعاون بين بعض هذه الجماعات'. وانتقد كلارك بشدة تصريحات بوش المتكررة بأن الإدارة الأمريكية تمنع وقوع هجمات في الولايات المتحدة بمكافحة 'الإرهاب' في الخارج، قائلاً: إن ذلك 'ليس منطقيًا'، مشيرًا إلى تفجيرات مدريد ولندن. ومضى قائلاً: 'بدون شك لا يوجد شيء يمنعهم من القدوم' للولايات المتحدة.

 

القاعدة قوية و تتأقلم مع الظروف

قالت صحيفة واشنطن بوست في عدد لها في شهر تموز 2005: إن القاعدة استجابت للضغوط المكثفة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بتوزيع نشطائها ونشر أيديولوجيتها وتشجيع موالين جدد لها على تنفيذ هجمات باسمها. وأشارت الصحيفة إلى أن مارك ساجيمان أحد متخصصي "الإرهاب" السابقين في CIA قال خلال عدة منتديات للحكومة عن تطور القاعدة: إن تنظيم القاعدة لن ينفذ هجمات على نفس مستوى 11 سبتمبر ولكنه سينفذ العديد من الهجمات على غرار هجمات 11 مارس 2004 التي استهدفت قطارات مدريد. وتابعت الصحيفة: إن ابن لادن وأعوانه يسعون إلى إثارة النزاع بين الولايات المتحدة وحلفائها واستنزاف الأمريكيين واقتصاديات حلفائها، مشيرة إلى أن تفجيرات لندن قد تعكس هذين الهدفين.

و في تقرير للكاتب الانكليزي  كريس رايت يذكر انّ الخبراء يقولون ان تنظيم القاعدة اصبح  يشبه وحش "هيدرا" متعدد الرؤوس الذي تتحدث عنه الاساطير اليونانية، والذي اذا قطعت احد رؤوسه نبت له رأس جديد. و بحسب البروفسور بول ولكنسون مدير مركز دراسات الارهاب والعنف السياسي في جامعة سانت اندروز في اسكتلندا "لقد مر تنظيم القاعدة بمرحلة تحول الا ان ذلك لا يعني ان اسامة بن لادن اصبح طي النسيان.

امّا المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية و مقره في لندن فقد أكّد في تقريره السنوي لعام 2004-2005 عن وضع القوات في العالم ان تنظيم القاعدة يتمتع بوجود في اكثر من ستين دولة في العالم بينما يشهد التشدد الإسلامي تقدما في أوروبا الغربية.  واكد ان شبكة القاعدة "تحاول من جهتها تطهير العالمين العربي والاسلامي من التأثير الأميركي".

ورأى المعهد ان التدخل الاميركي البريطاني في العراق ادى بذلك الى "تكثيف تجنيد الجهاديين وتعزيز دوافع القاعدة وكذلك المساعدة (التي يقدمها التنظيم) لعمليات ارهابية".

واكد المعهد ان اجهزة الاستخبارات ترى ان تنظيم القاعدة موجود "في اكثر من ستين بلدا" في العالم وان "تجنيد الجهاديين في تصاعد في اوروبا الغربية".

هذا فيما يعتبر محلل فرنسي انّ تنظيم بن لادن هو كالفيروس المتحول اذ انه تمكن من التأقلم لمواجهة الجهود الدولية المجيشة لمكافحته, وبات بامكان القاعدة، من دون اي هيكلية هرمية تقريبا، ان تثير انطباعا بانها تشن حملة رعب منظمة على نطاق العالم باسره فيما هذه الاعتداءات تنفذها في الواقع مجموعات محلية تعمل باستقلالية واسعة.

وفي هذا السياق، يعتبر الباحث الفرنسي جان لوك ماري من مؤسسة الدراسات الاستراتيجية في باريس ان "الخلايا الجهادية المستقلة ظهرت وستظهر عبر العالم لسنوات مقبلة كثيرة".

ويقول ماري "يمكن لهذه الخلايا ان تنشأ بشكل عفوي بفعل عناصر مسهلة مختلفة: شخص ينصب نفسه اماما، او اخ اكبر، او عارف بالاسلام الحقيقي. وفي يوم من الايام، تنتقل هذه الخلايا الى الفعل من دون ان تكون تلقت اي تعليمات محددة من اي جهة".

 

أتباع و انصار القاعدة من المتعلّمين و المثقفين و أصحاب الأموال

كشفت دراسة جديدة أجراها أحد الأطباء النفسيين الأمريكيين هو الدكتور مارك سيجمان أن غالبية المجندين - الذين تقوم شبكة القاعدة بزعامة أسامة بن لادن بضمهم إلى صفوفها - من الإسلاميين ذوي المؤهلات العلمية العالية، وينحدرون من بيئات راقية.

وقد أظهرت الدراسة التحليلية التي أجراها الدكتور سيجمان على شريحة مكونة من 500 إسلامي ممن ينتمون لتنظيم القاعدة، أن كافة النظريات التي كان الخبراء الغربيون قد وضعوها لتحليل طريقة انتقاء تنظيم القاعدة لعناصره لم تكن تتسم بالدقة أو المصداقية.

ويعترف الدكتور مارك سيجمان الطبيب النفسي الذي أجرى الدراسة بأنه كان يتوقع أن تكون غالبية أتباع أسامة بن لادن من الأشخاص الذين ينتمون لبيئات فقيرة يتفشى فيها الجهل والمرض.

ووفقًا لصحيفة أستراليان قال الدكتور سيجمان: "لقد كان العامل المشترك الذي اتفق عليه جُل الخبراء والمحللين يتمثل في أن "الإرهاب" هو نتاج أجواء البؤس والفقر والتخلف التي تعيشها بلدان العالم الثالث، هذه الأجواء التي تجعل الشباب عرضة لعمليات غسيل الدماغ واللحاق بركاب الإرهابيين".

غير أن الطبيب النفسي صاحب الدراسة يؤكد أنه وبعد إعداد مادته توصل لحقائق من بينها أن 75 بالمائة من أعضاء تنظيم القاعدة ينحدرون من بيوت تنتمي للطبقة الراقية وأن أغلبهم متزوجون ولديهم أطفال ويعيشون حياة اجتماعية طبيعية.

كما أشار الدكتور مارك إلى أن60 بالمائة من عناصر تنظيم القاعدة قد تلقوا تعليمًا جامعيًا وفي كثير من الأحيان حصلوا على درجاتهم العلمية من الولايات المتحدة وأوروبا.

أمّا أستاذ التاريخ الأمريكي "تيموثي نافتالي" Timothy Naftali ففقد أشار في كتابه الأخير الذي أسماه "البقعة العمياء.. التاريخ السري للمناهضة الأمريكية للإرهاب" انّ الارهابيين أُناس -كما يصفهم "نافتالي"- بارعون في استغلال الفرص، متفننون في إيجاد الطرق البديلة إذا ما أغلق عليهم الطريق. ولذا فإن ما يجمع حولهم من "جبال معلوماتية" كما تفعل الإدارة الأمريكية الحالية لا ولن يكفي لمواجهتهم؛ بل الأهم من ذلك هو إدارة تلك "الجبال المعلوماتية" بفعالية وذكاء.

 

11 أيلول نتيجة السياسيات الأمريكية و بن لادن رجل عظيم

يقول الأكاديمي الأمريكي وارد تشرشل أستاذ جامعة كولورادو الأمريكية أنّ رسالته الرئيسة التي يريد توصيلها، هي "أن هجمات 11 سبتمبر جاءت نتيجة السياسة الخارجية الأمريكية, و  بالطبع وهو شيء مفروغ منه أن ما تزرعه تحصده وهذا ما حدث". وفي مقال له بعنوان "بعض الناس يردون الضربة" الذي كتبه عقب هجمات 11 سبتمبر، قال تشرشل: إن الخاطفين شنوا هجمات مضادة في مواجهة السياسة الخارجية الأمريكية المعادية في الشرق الأوسط وحملة الإبادة الجماعية في العراق التي نفذت من خلال العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليه.

هذا فيما يرى مايكل شاور و هو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية 'سي آي إيه' و كان يعمل على مطاردة بن لادن منذ منتصف الثمانينات، وقد ترأس بين 1996 و1999 وحدة خاصة مكلفة بمطاردة أسامة بن لادن، وهي على حد تعبيره الوحدة الوحيدة المخصصة لملاحقة شخص واحد في الـ'سي أي إيه' و صاحب كتاب 'العجرفة الإمبريالية, انّ بن لادن رجل عظيم لأنّه أثّر على مجرى التاريخ. و يضيف شاور انّه يجب احترام أسامة بن لادن حتى لا يتسبب في قتل المزيد من الأمريكيين. و يقول " 'أعتقد أن قادتنا خلال السنوات العشر الأخيرة أضروا بالشعب الأمريكي بمواصلتهم نعت ابن لادن باللص' و المجرم و الارهابي, و طالما أنّنا لا نحترمه فسنموت بأعداد كبيرة و سنخسر الحرب على الارهاب" مؤكّدا أنّ الولايات المتحدة مسؤولة عن موت ملايين المسلمين في العالم؛ لذلك فإن المعاملة بالمثل تعني أنه يمكن قتل ملايين الأمريكيين..

 

كان من المفترض أن نستمع الى بن لادن

تحت هذا العنوان و بعد تفجيرات لندن الأخيرة, كتب الكاتب الانجليزي المشهور روبرت فيسك و المتخصص بشؤون الشرق الأوسط مقالا ممّ جاء فيه: من المستغرب أن كلمات أسامة بن لادن على ما يبدو غير مهمة للبيت الأبيض الذي يكتب نصوصا سينمائية. فعندما يتحدث أسامة بن لادن فلا أحد يهتم بالتمعن فيما يقول أو يقرأه. فالأسئلة التي تطرح في العادة هي: هل هو أسامة بن لادن؟ هل هو حيّ؟ وأين هو؟ لكن لا أحد يسأل أبدا عن ماذا قال؟ هناك أخطار حقيقية في هذا التوجه ودعوني أريكم لماذا؟ ففي 13 فبراير عام 2003م بث أحدث تسجيل صوتي لأسامة بن لادن عن طريق قناة الجزيرة الفضائية, وتذكروا أن ذلك حدث قبل 5 أسابيع من الغزو الأنجلو - الأمريكي للعراق.

أدلى بن لادن في رسالته تلك بتصريح قال فيه: "مما لاشك فيه أن هذه الحرب الصليبية موجهة ضد الإسلام, سواء صمد الحزب الاشتراكي وصدام أم لا... وبالرغم من إيماننا وقناعتنا المتعلقة بكفر الاشتراكيين فإن هناك تطابقا بين مصالح المسلمين والاشتراكيين في الظروف الحالية في صراعنا ضد الصليبيين".

وكان ذلك, فقد وجه بن لادن- الذي يكره صدام وقد قال لي ذلك شخصيا- أتباعه ليقاتلوا جنبا إلى جنب مع القوات العراقية التي ضمت بعثيي صدام "الاشتراكيين". وكانت تلك هي اللحظة التي اندمج فيها جيش العصابات مع الانتحاريين المستقبليين, وكانت الرسالة هي التي خلقت التفجيرات التي غمست الغرب في العراق, ولم نلاحظها أبدا. فقد انشغل "الخبراء" الأمريكيون بالثرثرة حول ما إذا كان بن لادن حيا وليس حول ماذا قال. لقد أدرك بوش ذات مرة ذلك لكنه كان متأخرا جدا. دائما كما يقولون - اقرأ النص.