تلميع الحذاء الأمريكي

 

 

بقلم :د. صالح سليمان عبدالعظيم

 

على مايبدو أن الحذاء الأمريكي الجاثم على أنفاس البلايين في كل أرجاء العالم قد بهت لونه، واستحالت ملامحه، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي جورج بوش، المسؤول الأول عن بريق هذا الحذاء ووهجه، إلى تعيين السيدة كارين هيوز (48 سنة(، مستشارته السابقة في حملاته الانتخابية، مسؤولة في وزارة الخارجية عن الترويج للقيم الأمريكية، إضافةً إلى تحسين صورة أمريكا في الخارج.  والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو هل تحتاج الولايات المتحدة إلى هذا التلميع والتحسين لصورتها؟ ألا تمتلك أمريكا من القوة والجرأة، وفي أحيان كثيرة التبجح والكذب، على فعل ماتريد، في أى وقت، وفي أى مكان في العالم!! 

 

الشيئ اللافت للنظر هنا، أن هذا الخبر الذي تناولته الوسائل الإعلامية، والمحطات الإخبارية المختلفة أكد على أن هذا التلميع والترويج للقيم الأمريكية يستهدف بالأساس المجتمعات الإسلامية نتيجة لما حدث من تعميق حدة العداء نحو أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.  كما أن هذا الخبر لم يحدد ما المقصود بالقيم الأمريكية وكيفية الترويج لها، وربما كانت هذه هى إحدى النقاط الغامضة في المهمة المكلف بها السيدة هيوز الأمريكية الصعيدية القادمة من ولاية تكساس.   

 

الربط بين تلميع الحذاء العادي وتلميع أمريكا سوف يضعنا على مفارقات بقدر ماهى مضحكة، فإنها تثير الكثير من المخاوف والشجون.  ففي تقديري أن السيدة هيوز لن تقوم بتلميع الحذاء الأمريكي بنفسها، فهذه المهمة لاتليق بالسيدة الأمريكية الصعيدية التي تملك من الجرأة على مواجهة رئيسها صراحةً بعيوبه ومشاكله حسب ماتناقلته وسائل الأنباء العالمية. كما أنها تعلم بأن هناك العديد من الجاهزين والمتطوعين سلفاً للقيام بهذه المهمة في العديد من دول العالم الإسلامية بعامة والعربية بخاصة. وفي تصوري أن مهمة السيدة هيوز سوف تتعلق بتحديد واختيار الملمعين الجدد، والقيام بتدريبهم للمرحلة القادمة؛ حيث يبين تاريخ الولايات المتحدة ذاته أنه قد اكتسب مشروعيته واستمراريته على مدى تاريخ الدولة الأمريكية كله، من وجود هؤلاء الملمعين في كل زمان وفي كل مكان.  لقد لعب هؤلاء الملمعون الدور الأكبر في توطيد مكانة الحذاء الأمريكي والحفاظ على لماعيته ضد عوامل التعرية المتمثلة في من تسول له نفسه  محاولة خدش هذا الحذاء، أو تغيير لونه، أو محاولة اللعب  بالمعايير الأمريكية المرتبطة ببنية القيم الخاصة بهذا الحذاء.

 

وقبل أن نحدد مواصفات الملمعين وأنواعهم، علينا أن نحدد بدايةً مواصفات الحذاء الأمريكي، وبنية القيم المرتبطة به. يتسم الحذاء الأمريكي بأنه لالون له، كما أنه نرجسى النزعة، الأمر الذي أوهمه أنه خارج حدود التصنيفات اللونية المعروفة.  ورغم ذلك، فإنه يحدد اللون الذي يريده في المكان الذي يختاره، والزمان الذي يرتأيه.  فالملمعون لايختارون اللون المناسب لهذا الحذاء بملء إرادتهم، بل إنهم مدفوعون تحت غواية الأمركة، بتلوينه حسبما يرى ويحدد هو، هو هنا تعود على الحذاء الأمريكي، ولا شيئ غيره!!  إضافة إلى ذلك، فهو حذاء يحب  نفسه جداً، فهو يعلم جيداً أن الكثيرين يكنون له الغيرة والحسد في أحسن الأحوال، والكراهية والرغبة في الإبادة في أسوأها، ورغم ذلك فهو لايهمه ذلك، فهو مولع بذاته، يعرف طريقه، ومصالحه بشكلٍ جيد وفريد. كما أن هذا الحذاء لايرتبط بأية قيم تحكمه وتوجه أوتهذب من سلوكياته، بل على العكس من ذلك، فهو مولع بالإدعاءات التي يخترعها من حين لآخر، والتي وللأسف الشديد تملك من السحر مايوهم الآخرين بالإيمان بها والسير نحوها واقتفاء آثارها.

 

ويرتبط بالحذاء الأمريكي أنماط عديدة  وواسعة من الملمعين المنتشرين في عالمنا العربي المعاصر.  هناك أولاً هؤلاء الذين أوغلوا بوعى في عملية التلميع، حتى أدمنوها.  يربطون في ذلك  بين مصالحهم الخاصة جداً وعملية التلميع هذه، بحيث يمكن القول بوجود علاقة طردية بين مدى لمعان الحذاء الأمريكي في المنطقة العربية وبين ازدياد وتنامي مصالحهم. المشكلة في هذه النوعية أنهم الأكثر عرضة من بين كل الشرائح، على الرغم من وفائهم المنقطع النظير للحذاء الأمريكي، للتضحية بهم وركلهم من قبل هذا الحذاء؛ فهم تقليديون، لا يحملون عناصر تلميعية جديدة، ترضى الحذاء الأمريكي، وتشبع رغباته. ويرتبط بهذه الشريحة السابقة البعض الآخر الذي أوغل أيضاً في التلميع، لكنه لايدري حتى الآن، أويدري ويتغافل، أنه من الملمعين.  بعض هؤلاء يحقق القليل من المكاسب الشخصية، والبعض الآخر لايحقق شيئاً سوى متعته الشخصية في الإرتماء في أحضان الحذاء الأمريكي.

 

الشريحة الأخرى من الملمعين، الأخطر والأهم، على الأقل في المرحلة الحالية، بالنسبة للحذاء الأمريكي، الذي لايعترف بالولاءات والانتماءات، هم هؤلاء الملمعون الذين اكتسبوا حيثياتهم من خلال اشتباكاتهم المتوالية والمتواصلة، المبررة  وغير المبررة مع النظم العربية السياسية، والتي لم تفدهم شيئاً ولم تحقق أياً من طموحاتهم السياسية؛ حيث انتهى الحال ببعضهم في أقبية السجون، وبالبعض الآخر إلى الإنزواء والتهميش. وهذا الأمر دفع العديد من هؤلاء، سواء بإرادتهم، أو تحت وطأة الإغراءات الأمريكية، إلى الإرتماء في قبضة الحذاء الأمريكي، الذي أمطرهم بالدعوات المختلفة عن الحديث عن الديمقراطية، والإصلاح الشرق أوسطي، وحقوق الإنسان بعامة، وحقوق المرأة بخاصة. وفي تقديري، أن الكثيرين من أبناء هذه الشريحة التي أغواها الحذاء الأمريكي إن لم تفق من غيبوبتها، فإنها لامحالة سائرة نحو مصير الشرائح الأخرى الموغلة في أدوارها التلميعية. ولعل الإهتمامات التي نلحظها هذه الأيام بالعديد من هؤلاء الملمعين الجدد من قبل الخارجية الأمريكية يكشف عن الأدوار المنوطة بهم والمحددة لهم من قبل الحذاء الأمريكي؛ فبعضهم قد أفردت له الصحف الأمريكية الحملات الإعلامية الضخمة من أجل الإفراج عنه، كما أن البعض الآخر قد انتظرته هذه الأجهزة على أبواب السجون بمجرد إعلان الإفراج عنه، في الوقت نفسه الذي انهمرت عليهم الدعوات المرتبطة بالتلميع.   

 

لايغيب عن الأذهان هنا وجود العديد من الأفراد، الذين تؤرقهم مسألة الحذاء الأمريكي هذه، ويحاولون إما المراوغة، وإما الهرب من المواجهة.  إضافة إلى ذلك هناك هؤلاء المتربصون بهذا الحذاء، الذين لايهدفون سوى إلى تلطيخه ووصمه وتفنيد أطروحاته؛ هؤلاء عليهم أن يستعدوا من الآن فصاعداً لمواجهة السيدة هيوز الأمريكية الصعيدية المروضة لسلوك السيد جورج بوش.

 

 

--------------------------

* جامعة عين شمس

Saleh_azim@hotmail.com