صدمـة المشـهد السيـاسي اللبنـاني

 

 

 

بقلم :د. محمد احمد النابلسي

          رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

     تعرض المشهد السياسي اللبناني إلى سلسلة متعاقبة من الصدمات العنيفة. بدأت بمحاولة أميركية لتسريب رئيس ما إلى قصر بعبدا بديلاً عن الرئيس لحود. فكان الحل الوسط بالتمديد للرئيس لحود. وكان التمديد ذريعة إطلاق معارضة لبنانية وفق مبدأ إطلاق المعارضة العراقية السابقة للحرب. وبدأ صوت هذه المعارضة يرتفع لغاية الحديث عن انخراط الرئيس الحريري فيها. حتى أن بعضهم يؤكد على أنه كان يمول المعارضة ويقودها. وبحسب معلومات مؤكدة رأت المعارضة في شعار " الخروج السوري" الشعار الأكثر شعبية في لبنان. وهو أمر طبيعي لو أخذنا حساسية المدنيين تجاه العسكر. و تأجل إطلاق هذا الشعار إلى ما بعد اغتيال الحريري. الذي كان ثاني الصدمات العنيفة التي تم توظيفها واستثمارها لتحقيق بقية فصول مسرحية الأمركة في لبنان. ثم توالت جملة الفصول الأميركية المعلنة وغير المعلنة وهي التالية:

 

1- الفوضى المدنية المضبوطة مخابراتياً ( البناءة). التي تمثلت بتظاهرات عقب الاغتيال وكانت هذه الفوضى مضبوطة لغاية مشاركة مخابرات متعادية في تأمين هذه المظاهرات.

 

2- الخروج السوري من لبنان: الذي تم بصورة معجلة وقهرية، حيث تخطت البرمجة المخابراتية العلاقات الخاصة بين البلدين فانطلقت التظاهرات بشعارات وممارسات عدوانية ضد سوريا والسوريين. ولقد أسس نجوم هذه التظاهرات لمحطة " حقد تاريخي" ونالوا مكافآت أميركية على أساسها. على أن حماقة هذه الوضعية ولاعبيها تخطت العلاقة مع سوريا إلى تفجير حالة من عدم الاستقرار اللبناني المهدد.

 

3-  كارثة الانتخابات، التي فرضتها المخابرات الأميركية توقيتاً وقانوناً وتدخلت في جميع تفاصيلها بدءا من اختيار المرشحين لغاية إيصالهم إلى البرلمان مروراً بتأليف اللوائح وقيادة الحملات الانتخابية وبذلك جاء المجلس وفق الشروط والمواصفات الأميركية، حيث تم استبعاد التوجهات الوطنية لصالح الاتجاه الأميركي.

 

4- الأزمة الحكومية: حيث انطلقت حكومة السنيورة من مبدأ نظير منطقي ( Paralogic) يقول بوجود أكثرية نيابية تشكل الحكومة على أساسها. وهذه الأكثرية هي عينها الكارثة التي أشرنا لها في الفقرة السابقة. وكانت النتيجة الطبيعية وهي ولادة حكومة لا تحكم لأنها منبثقة عن مجلس لا يمثل. ورغم ما تدعيه الحكومة من حاجة  إلى الوقت فإننا نؤكد على عجزها عن الحكم، وتحديداً عن تنفيذ خطوات تدعم استقرار لبنان، كما أنها عاجزة عن مواجهة الاستحقاقات القادمة.

 

5- سلسلة التفجيرات الأمنية: وهي مزيجة وتتم بتقنيات مختلفة توحي بتعددية  المراجع المخابراتية المنفذة لهذه  التفجيرات ، وذلك في ظل الغياب الأمني اللبناني الخطير.

 

6- الانشطارات الطائفية والمذهبية: التي انطلقت من تظاهرات اغتيال الحريري ولغاية طائفية الانتخابات ونتائجها. حيث يتكشف المشهد السياسي اللبناني عن دولة طوائف أعادت المخابرات الأميركية إنتاجها. وهي جاهزة للتحول إلى  دولة فيدرالية أو للتفجر في صراعات طائفية - أهلية  وفي الحالتين يعود فضل هذه الكوارث إلى قادة  التظاهرات ولابسي الفولارات ومهووسي التصريحات البذيئة والوقحة.

 

7- دخول اللاعبين الإقليميين والأجانب عبر مجمل النقاط الواردة أعلاه. ويمكن تقسيم هؤلاء اللاعبين إلى أساسيين هم فرنسا إسرائيل والولايات المتحدة بالإضافة إلى سوريا. أما اللاعبون الفرعيون فيبرز منهم على الساحة اللبنانية كل من السعودية وإيران وتركيا والتنظيمات الأصولية والمنظمات الفلسطينية. وهذا الازدحام مسؤول عن التجاذبات المصلحية- الدولية، التي تبقى لبنان في حالة من الشلل السياسي المتداخلة مع الفراغ الأمني والأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

 

          هذا بالإضافة إلى الأزمات المرتقب تصعيدها لفوضى الساحة السياسية اللبنانية، ومن أهم الأزمات المرتقبة التالية:

 

1- التحقيق في اغتيال الحريري: حيث تشير التسريبات إلى مساس تقرير لجنة التحقيق بأطراف إقيلمية ذات حضور لبناني الأمر الذي قد ينعكس بمواجهة فئوية داخلية وإن كنا نستبعد توصل اللجنة إلى نتيجة حاسمة في توجيه الاتهام بالرغم من دلع القاضي ميليس.

 

2- الاستحقاقات الاقتصادية : حيث سيعجز لبنان عن الوفاء بالتزاماته الاقتصادية بدون تلقيه للمعونات، في حين أنه لا يستوفي الشروط اللازمة لتلقي هذه المعونات ويبدو الشلل الحكومي الراهن حائلا دون الوفاء بهذه الشروط. وما التلويح بمؤتمر دعم لبنان بأكثر فعالية من مؤتمرات باريس المتعاقبة التي لم تجد نفعاً.

 

3- القرار 1559: حيث تلح الأمم المتحدة و خلفها فرنسا وأميركا وإسرائيل على تنفيذ بقية بنوده ومنها سحب سلاح حزب الله ,وإلا أن الفراغ الأمني وشلل القرار السياسي يحولان دون ذلك.

 

4- التدخل الإسرائيلي: وهو ينتظر الضوء الأخضر الأميركي، حيث عدم الرغبة الأميركية في أي تحرك عسكري يتحول إلى تحريك للقدرة الإسرائيلية، وهي قد تترجم بعمليات عسكرية أو تفجيرات أمنية واسعة في  الداخل اللبناني، ولا شك بأن هذا الدور الإسرائيلي مرتبط بإغلاق جبهة الانتفاضة وإتمام الانسحاب من غزة بما يتيح لإسرائيل التفرغ للجبهة اللبنانية واستعادة دورها اللبناني.

 

5- سقوط الحكومة: وهو ينتظر أول جلسة لها للنظر في قضية مفصلية من القضايا المطروحة أعلاه بل أن هذا السقوط وارد لمجرد خلاف على تعيين الموظفين وهو ما تحاول الحكومة تجنبه برمي الكرة إلى ملعب مجلس النواب لتحويل المواضيع الخلافية إلى التصويت.

 

6- سقوط البرلمان: حيث أكثر من نصف النواب لا يملكون الصفة التمثيلية ولا القدرة على المنافسة في ظل انتخابات عادلة. الأمر الذي يجعل هذا المجلس بعيداً عن مواجهة أي تحرك شعبي رد فعلي على الشاكل المتفرعة عن الأزمات المعروضة أعلاه.

 

7- التفجيرات الأمنية: حيث ازدحام الساحة اللبنانية باللاعبين. وحين ينتقل الصراع إلى هذا الحيز يصبح السباق حول حجم وفعالية التفجيرات. كل ذلك في مناخ فراغ أمني لا تطمح السلطات اللبنانية لمجرد سد ثغراته، وهذا الكلام منقول على لسان وزير الداخلية نفسه.

 

8- المفاجآت الدولية: راهناً تشهد اللحظة السياسية الدولية انفتاحاً على احتمالات مفاجئة كفيله بأحداث انقلابات جذرية في مستقبل منطقتنا والعالم. فمن جهة تملك أميركا قدرات ضغط وتهديد عابرة للقارات ومن بين التهديدات الأميركية نذكر تهديدات الإفلاس اللبناني، وإشعال الفتن اللبنانية. ثم تهديدات تفجير الشارع الإيراني بتحريك متآمرين إيرانيين،  وبعده أضعاف النظام السوري بتعريضه للحصار الاقتصادي المباشر بعد محاصرة غير مباشرة. هذا مع إبقاء أنظمة السعودية والخليج والأردن تحت السيطرة. في المقابل تعلن دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة عن مخاوفها من ضربات إرهابية في داخلها وذلك بهجمات مماثلة لهجمات 11 أيلول. وكلها مفاجآت لها بصماتها على الوضع اللبناني.

 

    لقد تعرض المشهد السياسي اللبناني الى صدمات متعاقبة تبرر هشاشته الحالية وها نحن وصلنا الى المحطة الإنتدابية الأميركية فإما الإستسلام للشروط الأميركية وإما الطوفان...