شرعية النصف درجة

 

 

 

بقلم :دكتور علاء الدين عباس

Alaasaleh59@hotmail.com

 

قرأت وأنا صغير قصة روسية مؤثرة عن رجل له مكانة هامة في المجتمع صاحب أكبر شركة مقاولات في موسكو وهو مهندس حاصل علي الدكتوراه ومصمم مباني لايشق له غبار ورب عائلة محترمة يشار اليها بالبنان وأولاده محل فخر له ويحظون بمكانة مميزة في المجتمع بفضل والدهم الرجل العظيم .. الصحف تتحدث عن انجازاته والطبقة الراقية تتمني ان تحظي بحضوره بينهم .. يعني الكل يحسده علي ماهو فيه من مجد ورخاء وسعة .. اذن أين المشكلة ..؟  المشكلة كانت في موظف صغير جدا يعمل في شركة هذا الرجل العظيم .. وكانت وظيفته في الارشيف أو شئون العاملين وأثناء تقليبه لآوراق الموظفين وترتيب ملفاتهم لاحظ في شهادة الثانوية الخاصة بصاحب الشركة اثر كشط وتصحيح في الشهادة .. ولان الموظف فضولي وشرير ( وطبعا الرواية لازم يكون فيها واحد شرير) بدأ عملية بحث وراء الشهادة حتي اكتشف ان صاحبها قد اضاف نصف درجة لمجموعه حتي يتسني له دخول كلية الهندسة .. ولكنه بعد دخوله تفوق ووصل لاعلي مرتبة علمية في تخصصه ولكن تبقي هذه النقطة السوداء في حياته تلاحقه وتؤرق ضميره وهو يدفعها بمزيد من العمل والجهد والدأب والنجاح .. حتي بدأت الاحداث تتصارع عندما كشف الموظف الصغير سر سيده وبدأ يساومه ويبتزه .. وأستجاب الرجل للموظف مرة ومرتين تحت ضغط الخوف من الفضيحة أو يري شركاته وهي تتقوض وابناءه وقد جللهم العار ونبذهم المجتمع بفعلة ابيهم التي لا ذنب لهم فيها .. وبعد أحداث طويلة  وصراعات مريرة واثناء احتفالية ضخمة تجمع فيها اصحاب الرجل ومحبوه كان الاعتراف الرهيب .. اراد الرجل ان يكسر الطوق من حول عنقه .. ويتحرر من ربقة الابتزاز وتأنيب الضمير .. طالب اولاده ان يسامحوه واعتذر لزوجته ابنة الطبقة الراقية العريقة .. قال انه يعلم انه يخسر الان كل شئ ويفقد كل شئ ويعود وكأنه لاشئ .. ولكنه ولاول مرة منذ سنوات طوال سينام بعمق ويتنفس راحة .. أعترف أنه زور في شهادة الثانوية وأاضاف نصف درجة ليتسني له دخول كلية الهندسة والتي كانت حلم حياته .. ولان مابني علي باطل فهو باطل فقد تم سحب شهاداته منه واغلقت الشركة ابوابها وتنكر له الاصحاب واصبح وحيدا في بيته ولكن في نهاية القصة تدخل ابنته الكبري وتحتضنه وتقول  له .. ورغم كل شئ انت أبي .. وأنا لست مزورة .. انني حقيقية ياأبي .. ولعل هذا المشهد هو الذي يتداعي لذهني كلما تذكرت القصة .. اصبحت ابنته مستقبله العريض وشمسه الساطعة وعاطفتة الدافئة الصادقة .. لقد عوضته عن كل المجد الزائف واحترام المنافقين وعلاقات المصالح .. وشعر أخيرا بمتعة اسمها المصالحة مع النفس ..

 

هذه القصة القديمة جدا هل لها علاقة بقصة أخري جديدة ..؟  ونحن في غمرة التهاني والتبريكات بمناسبة الفوز الكاسح للرئيس حسني مبارك لفترة رئاسة خامسة .. هل لنا أن تقلب في الاوراق القديمة ونطرح هذا السؤال البرئ .. ان انتخابات سبعة سبتمبر لعام 2005م حضرها 23% من الناخبين علي الرغم من أنه ولاول مرة في تاريخ مصر يتم انتخاب بين أكثر من مرشح للرئاسة مما يكون مدعاة لاستنفار الناس خاصة محبي الرئيس ليذهبوا للصناديق لانه هذه المرة هو فعلا يحتاج لهم .. وفي الانتخابات السابقة في أكتوبر 1999م وهي مجرد استفتاء علي مبارك وحده يعني لاخطر عليه..  تحرك الناس وخرج للصناديق 60% قال منهم اكثر من 80% نعم لمبارك .. فكيف يفسر منظروا الحزب الوطني حزب الاغلبية هذه الظاهرة .. عندما يكون الرئيس في منافسة حقيقية بين أخرين يذهب اليه 23% وعندما يكون وحده والموضوع شبه منتهي يذهب اليه اكثر من 60% فما الذي حمسهم هنا وجعلهم يتقاعسون هناك..؟ ولو قال قائل ياأخي الاستفتاءات السابقة كانت مضروبة ونحن نبدأ صفحة جديدة لان الانتخابات المرة دي نزيهة وشفافة .. نقول له وهل يمكن لاحد مستشاري الرئيس أن يعطيه القصة الروسية التي قرأتها وأنا صغير ..؟