الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة: الدلالات
والاستحقاقات
بقلم :د. بشير موسى نافع
بنشر هذا المقال،
سيكون الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة قد اكتمل، أو أن هذا هو ما يأمله الفلسطينيون، سلطة وشعباً. ستبقى
بالطبع مشكلة المعابر، سواء تلك الخاصة بالبوابة الفلسطينية مع مصر، أو الطريق
الواصل بين القطاع والضفة الغربية. وبالرغم من التفاؤل الفلسطيني بحل مسألة
المعابر فليس من المتوقع أن يكون هناك حل سريع ومرض لها. الأرجح
أن الإسرائيليين سيستخدمون المعابر كورقة ضغط وابتزاز على الطرفين الفلسطيني
والمصري لأطول فترة ممكنة. ولكن هذا كله لا يجب أن يقلل من حجم ودلالات الانسحاب
الإسرائيلي من القطاع، ولا من حجم التحديات التي يواجهها الفلسطينيون كنتيجة
للانسحاب.
هذا أول انسحاب
إسرائيلي رئيسي وكامل من أي من المناطق الفلسطينية التي تم احتلالها في 1967، ذلك
أن الانسحابات الإسرائيلية الجزئية من الضفة الغربية، التي ترتبت على تطبيق اتفاق
أوسلو، لم تصمد طويلاً أمام الانتفاضة. وقد أعاد
الإسرائيليون تقريباً احتلال أغلب المناطق التي كانوا انسحبوا منها في التسعينات؛
فوق أن التحكم الإسرائيلي في الضفة الغربية وسكانها يكاد يكون كاملاً، بغض النظر
عن تواجدهم العسكري الفعلي في أي من المدن والقرى والمخيمات.
واحدة من أهم القضايا المتعلقة بالانسحاب من
القطاع هو فهم الدوافع الإسرائيلية خلف قرار الخروج بعد زهاء الأربعين عاماً من
الاحتلال والصراع الدموي. ولأن الانسحاب الإسرائيلي جاء بقرار من طرف واحد، وبدون
مطالب محددة من الجانب الفلسطيني، فقد شهدت الساحة الغربية والفلسطينية جدلاً
واسعاً حول حقيقة هذا الانسحاب ودوافعه. ثمة من يعزو
الخروج الإسرائيلي من القطاع إلي المقاومة الفلسطينية والتكاليف الباهظة المترتبة
عليها بالنسبة للدولة العبرية، بشرياً واقتصادياً وسياسياً. ولكن آخرين يرون في
الخروج من القطاع تحصيل حاصل، ذلك أن الإسرائيليين رأوا في غزة من البداية عبئاً
سعوا دائماً إلى التخلص منه، وأن ما يجري الآن هو انسحاب من القطاع ثمنه صمت أو
موافقة أمريكية على تعزيز الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وتحويل عملية السلام
إلى عملية من طرف واحد، يملي بها شارون على الفلسطينيين
شروط وحدود الخطوات القادمة.
كلا النظريتين تحمل قدراً من الصواب، وسيكون من
السذاجة تجاهل الأبعاد المتداخلة لهذه الخطوة الإسرائيلية الكبيرة. فغزة هي عبء
أثقل من الضفة الغربية، وليس هناك من شك أن الجانب الإسرائيلي قد عرض التخلي عن
القطاع لمصر في مرحلة مبكرة من عملية السلام. ولكن
الصحيح أيضاً أن الإسرائيليين طرحوا المشروع آنذاك (الذي عرف بمشروع غزة ـ أريحا) باعتباره
التسوية ذاتها وليس كخطوة من طرف واحد. ومنذ مباحثات السادات - بيغن، قاتل الإسرائيليون لأكثر من ربع قرن من أجل الاحتفاظ
بالقطاع أو إدخاله في صفقة سلام نهائية مع الفلسطينيين. اليوم، ينسحب رئيس وزراء
إسرائيلي كأرييل شارون (الذي عارض حتى اتفاقية كامب ديفيد) من غزة انسحاباً شاملاً بدون مقابل يذكر من
الجانب الفلسطيني، تماماً كما كان الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. شارون،
بالطبع، يأمل في أن يؤسس هذا الانسحاب لانقلاب جوهري في الموقف الأمريكي والأوروبي
من عملية السلام؛ بمعنى أن تقبل واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي الرئيسية منذ اليوم
رؤية شارون القائمة على أن الفلسطينيين بقيادتهم الحالية ليسوا طرفاً جديراً
بالشراكة السياسية، وأن التقدم في عملية السلام يجب أن يعتبر شأناً إسرائيلياً
منفرداً. ويأمل رئيس الوزراء الإسرائيلي أن تترك التضحية الإسرائيلية في غزة
انطباعاً إيجابياً علي الحكومات الغربية، يؤدي بالتالي إلى تخفيف الضغوط على
الإسرائيليين فيما يتعلق بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وتوسيع بعض منها،
على الأقل. ولكن الحقيقة التي لا تحتمل الجدل أن الانسحاب قد وقع فعلاً، في حين ما
يأمل شارون في تحقيقه هو مستقبل يخضع، ككل التصورات السياسية المستقبلية في هذه
المنطقة بالغة التعقيد والاضطراب، لعدد لا يحصى من القوى والاحتمالات.
رأى الإسرائيليون غزة باعتبارها عبئاً ثقيلاً
بالتأكيد، ولكن سعيهم إلى التخلص من هذا العبء لم يمنع من زرع مساحتها الضيقة
والمكتظة بعدد من المستوطنات التي سيطرت على فضاء الفلسطينيين ومياههم واستولت على
الكثير من أرض القطاع الضيق. وحتى اللحظة الأخيرة كان عدد كبير من أعضاء الليكود،
حزب شارون نفسه، يرفض الانسحاب من القطاع. ما ضاعف العبء وأوصله إلى درجة عدم
الاحتمال ولا جدوى الاستمرار كان بلا شك المقاومة التي لم تلن ولم تضعف، حتى بعد
أن حاول جيش الاحتلال كل ما في وسعه تحويل حياة سكان القطاع إلى جحيم من الموت
والدمار وافتقاد سبل المعاش. ما تعرض له قطاع غزة من بطش
وإفقار وموت لم تتعرض له منطقة محتلة في أي مكان آخر من العالم منذ بداية عصر
الاستعمار الحديث. وأمام التكاليف الباهظة لحماية المستوطنين،
لبشاعة نظام الاحتلال وتأثيره على الرأي العام العالمي؛ أمام الفشل في كسر إرادة
الفلسطينيين، كان لابد لاحتلال غزة أن ينتهي.
بيد أن هناك دلالة أبعد للخروج الإسرائيلي من
القطاع، دلالة تتعلق بالسياق التاريخي للصراع على فلسطين، والصراع باعتباره صراعاً
عربياً - إسرائيلياً، وليس فلسطينياً - إسرائيلياً فقط. كانت
الدولة العبرية من وجهة نظر المشروع الصهيوني دائماً دولة تجريبية، لا حدود ثابتة
لها، ولا سقفاً لسعيها إلى السيطرة على جوارها العربي. وقد
وظفت الدولة العبرية كل ما استطاعت من وسائل قوة وتسلح، من دعم عالمي ونفوذ دولي،
ومن استعداد لدى دوائر عربية محددة للتعاون، من أجل التوسع والمزيد من التوسع،
والسيطرة والمزيد من السيطرة. وربما يمكن القول إن الدولة العبرية وصلت ذروة
توسعها في الثمانينات من القرن العشرين، عندما كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على
مساحة عربية هائلة تمتد من الجانب الشرقي لقناة السويس إلى العاصمة اللبنانية
بيروت.
خلال ربع القرن التالي، انسحب الإسرائيليون من كل
شبه جزيرة سيناء، بعد توقيع معاهدة سلام مع مصر وفرت للدولة العبرية مكاسب
اقتصادية وسياسية وأخرجت مصر – إلى حين، ربما - من ساحة الصراع المباشر. ثم أجبروا
على سلسلة من الانسحابات من لبنان، إلى أن وقفوا للقتال في الشريط الحدودي لعقد
ونصف العقد من الزمان، أجبروا في النهاية على الخروج منه بدون تفاوض ولا اتفاقية
سلام ولا تعهدات مهما كانت من الجانب اللبناني. والآن يأتي الانسحاب من قطاع غزة
وسط ظروف أكثر تعقيداً، ظروف من التفاوض واللا تفاوض،
السلام والانتفاضة، والحرب والتطبيع. وليس هناك من شك أن هذا الانسحاب أبلغ دلالة،
فبالرغم من البعد التوراتي لكل من سيناء وجنوب لبنان، فهما ليسا فلسطين. قطاع غزة
هو جزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني. هذه الحلقات
المتتالية للصراع العربي ـ الإسرائيلي توحي بانقلاب جوهري، إذ مهما كان المترتب
على كل حالة من حالات الانسحاب الثلاث، فقد انتهى عهد التوسع الإسرائيلي، وبدأ عهد
الانحسار. ولكن أحداً لا ينبغي أن يغرق في أوهام التفاؤل
المتسرع، فالانحسار الإسرائيلي سيكون بطيئاً، طويلاً، وشاقاً.
ما يترتب على تحرير
قطاع غزة لا يتعلق فحسب بما يحاول الجانب الإسرائيلي أن يجنيه على المستوى العربي
والدولي، بل وأيضاً بالوعي الفلسطيني لمتطلبات ما بعد التحرير. على
الفلسطينيين أن يظهروا للعالم أنهم جديرون بالحرية كما كانوا أهلاً لتحمل أعباء
التحرير. قطاع غزة هو واحد من أكثر مناطق العالم
ازدحاماً بالبشر والسياسة، حيث تمثل وتنشط كل القوى السياسية الفلسطينية، بما في
ذلك أكبرها وأوسعها تأثيراً. والفلسطينيون، كما أغلب
الشعوب العربية والإسلامية، يعانون من فقدان الإجماع. ما يجعل فقدان الإجماع
الفلسطيني أشد حدة نسبياً كان، من ناحية، حجم التحديات التي واجهها الفلسطينيون
ويواجهونها منذ مطلع القرن العشرين، ومن ناحية أخرى، بيئة المقاومة المسلحة التي
يعيشها الفلسطينيون اليوم. الانسحاب الإسرائيلي من غزة سيزيح عن كاهل سكانها
كابوساً ثقيلاً بلا شك، ولكنه لن يقلل من حجم التحديات، لا تحديات إعادة بناء
الحياة في القطاع ولا تحديات تحرير الضفة الغربية، التي باتت أكثر تعقيداً. ولأن
الفلسطينيين تعلموا من تاريخهم المرير أن تجريدهم من السلاح كان دائماً مقدمة
لوقوع كارثة وطنية جديدة، فمن المستبعد أن تستجيب القوى الفلسطينية لدعوات التخلي
عن السلاح.
ولا تقف التعددية
الفلسطينية المسلحة في فراغ، فهناك سلطة فلسطينية حاكمة ولدت من اتفاق غير متكافئ
بين الدولة العبرية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، تربطها بالقوى الدولية
النافذة، لاسيما الولايات المتحدة، التزامات متعددة. تواجه السلطة في قطاع غزة
أعباء جمة، كما تواجه انتخابات برلمانية قد تضع نهاية لتفرد حركة فتح في قيادة
الحركة الوطنية الفلسطينية منذ أربعة عقود. وهناك الدولة
العبرية ذاتها التي تنظر بقلق بالغ إلى فشلها في هزيمة الفلسطينيين في القطاع،
وإلى رفض قوى المقاومة التخلي عن سلاحها، وهو ما قد يغري على تبني سياسة تفجير
الوضع الفلسطيني الداخلي وشغل القوى الفلسطينية ببعضها
البعض، فصائل وسلطة. وهناك إضافة إلى ذلك مصر، جار فلسطين العربي الأكبر، الذي
تربطه بالصراع على فلسطين روابط مصيرية مهما كان عبء اتفاقية السلام المصري - الإسرائيلي،
وتربطه بقطاع غزة، الذي كان حتى 1967 تحت إدارة مصرية، مسؤولية معنوية وأخلاقية
خاصة؛ وتقلقه في الآن نفسه حالة التسلح الفلسطيني التي تتصل اتصالاً تقليدياً بشبه
جزيرة سيناء.
يجعل هذا كله من قطاع غزة المحرر بؤرة توتر بالغ،
يمكن أن تنفجر لهذا السبب أو ذاك. وقد أظهرت حادثة اغتيال موسى عرفات، المسؤول السابق للاستخبارات العسكرية في قطاع غزة، في الأسبوع
الماضي حجم الخطر الذي يحيط بمصير قطاع غزة، أمنياً وسياسياً. المشكلة في حادثة
الاغتيال ليست شخصية موسى عرفات والاتهامات الموجهة له، بل حق قوة ما أو مجموعة ما
إعطاء نفسها حق تنفيذ القانون. والمشكلة كذلك هو عجز السلطة الفلسطينية عن تحمل
مسؤولياتها في الحفاظ على مصالح الشعب وأمنه ومحاسبة الكثير من رجالاتها السابقين
واللاحقين. والمشكلة الأكثر إثارة للقلق أن حفنة من رجال
السلطة تنظر إلى قطاع غزة المحرر باعتباره غنيمة ما، غنيمة من الأرض والثروة
والنفوذ. وخلال يومين فقط من اغتيال عرفات، كانت مجموعات
من كتائب شهداء الأقصى تحتل عدة مكاتب للسلطة الفلسطينية، في حلقة أخرى من ازدواج
المطالب بالسياسة والسلاح.
ثمة طريق سهل وقصير لإغراق القطاع المحرر في الفوضى والصراع
الداخليين، وإثارة مخاوف الجيران العرب والعالم. وطريق آخر لإعادة بناء الحياة
وقوى الصمود والحرية، قد يكون أكثر صعوبة وحاجة لنكران الذات والانضباط. أمام هذه الفرصة التاريخية، ليس أمام الفلسطينيين من خيار.