هل يسقط المبدأ إذا تساقطت رموزه؟

 

 

 

بقلم : د. ابراهيم علوش

 

يحلو للمعسكر الآخر، وهو معسكر آخر، وليس مجرد «الآخر»، أن يسرد على مسامع الناس قصص مناضلين ومجاهدين وقادة وشعراء ومثقفي مقاومة كان لهم يوماً باعٌ طويلٌ في العمل الوطني أو العسكري فتساقطوا كالحجر الأصم كما علا شأنهم بعد ردحٍ من الزمن قد يكون طويلاً أو قصيراً.

 

هذه النماذج موجودة بالفعل، بعضها قدم للأمة وقضاياها ما يعجز عنه الوصف قبل أن تبتلعه الثقوب السود في جدار الزمن، وبعضها الآخر ركب طامحاً موجةً صاعدة ليجد نفسه بعدما انحسرت حيث لا يشتهي. والأمثلة كثيرة بين القادة والمثقفين الكبار والصغار، وبين من أقنعونا بإخلاصهم كثيراً ومن لم يقنعونا، وبين من حاولوا وفشلوا أو حاولوا ونجحوا، فالقذافي صاحب الدعوات الوحدوية تراجع عن القومية العربية علناً، وفلان أحد قادة حماس سابقاً نال منصباً وزارياً في السلطة الفلسطينية وهي تذبح إخوانه، ونصرالله قائد المقاومة اللبنانية ارتكب خطاً مميتاً بالتجاوز على المقاومة العراقية، وجبريل الرجوب قضى سنوات في سجون الاحتلال قبل أن يعمل منسقاً أمنياً مع العدو الصهيوني، ومحمود درويش سجل أنه عربي قبل أن يدعو للتعايش والتطبيع، ومظفر النواب كان معلماً لشباب العرب قبل أن يدعو للانتخابات في ظل الاحتلال، الخ... هذا غير الكوادر القيادية التي تتساقط في السجون أو تحت وطأة الحاجة أو الطمع بمنصب أو مال، وغير أسماء كثيرة نعرفها وتعرفونها.

 

ويهدف ترداد هذه القصص بالطبع لنشر الإحباط وإقناع المستهدف بالسم أن الكل منافق أو متساقط لا ترجى منه فائدة، وأن الأفضل أن يعزف المرء، بالتالي، عن العمل الوطني أو الجهاد أو حتى مجرد الاهتمام بالقضايا العامة، وأن يتساقط بدوره لكي «يحسن وضعه» كما فعل أهلها من قبله.

 

من الطبيعي إذن أن تسمع كثرةً من هذه القصص في الصالونات السياسية على لسان المتساقطين أنفسهم أو المتراجعين، أو في جلسات التحقيق، أو أن ترى وسائل الإعلام الصفر متلهفة على تضخيمها، أو على اختلاق إشاعات بنفس الغرض من نوع: «حماس مستعدة للاعتراف بالكيان الصهيوني» أو «القيادة العراقية سلمت بغداد» أو «طارق عزيز سيشهد ضد صدام» أو «اختراق أمني عالي المستوى في قيادة حركة الجهاد الإسلامي سهل اغتيال كوادرها» أو «ضابط بوليفي متقاعد يكشف: المناضل الأممي أرنستو تشي غيفارا بوّل على نفسه عند اعتقاله» الخ... ولكن إن أتاكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا... ودلالة الحاجة للتبيان دوماً كم ينقبض القلب عندما يلامسه ذاك الهواء الآسن.

 

ليس مستغرباً بالتأكيد على المعسكر الآخر أن ينشر إشاعات التساقط والتراجع السياسي أو أن يضخمها أو أن يستثمر قصص السقوط سياسياً للحد الأقصى، وأن يروج للمثقفين المبتعدين عن تبني قضايا الأمة بعدما علمونا أبجديتها. ولكن علينا أن ندرك أيضاً أن التساقط والتراجع يحدثان بالفعل أحياناً، لأن البشر ليسوا معصومين بل يخطئون ويصيبون ويتقدمون ويتراجعون ويتماسكون ويتراخون إلا من رحم ربي، فالأصح أن نتبع المبدأ وأن ننذر أنفسنا للقضايا وأن نتفانى في سبيل الوطن وأن نعلي من مصلحة الأمة لا شأن الأشخاص.

 

وإن أضاء لنا مثقف أو مجاهدٌ أو عنصرٌ قياديٌ عتمة الطريق، وإن قدم أمثولة في الوعي أو التضحية والفداء جديرةً باتباعها سنة، فذلك لا يعفيه من النقد والتمحيص، ولا يسوغ له الانحراف بعدها بقليل أو كثيرٍ عن مصلحة الأمة، ولا يجعله فوق المبدأ، بل نقدره ما برح ريادياً في تحقيق المصلحة العامة، وننهره إذا بدأ يسير عكسها، ومن واجبنا أن نقول له أخطأت كثيراً يا سيد بتهجمك على المقاومة العراقية، وجنحت إلى الانتهازية بتبني الخطاب الطائفي المغلق، والحق أن النقد المخلص، ولو كان شديداً، يحمي المجاهد والمثقف ولا يضره، فالأولى هو إعمال العقل، والنقد والتحليل، وقياس الأشخاص والقادة بمسطرة الوطن وليس العكس.

 

وفي النهاية، ما الرمز إن ارتد عن قضيته؟! .