الفتوى الإفرنجية في الحادثة اللندنية
1\2
بقلم :د : يحيى
هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
http://www.yehia-hashem.netfirms.com
بعد وقوع حوادث لندن
المحزنة صباح يوم 7\7\2005 والتي أسفرت عن ضحايا بشرية مؤلمة ومؤسفة بلغت أكثر من
خمسين قتيلا وسبعمائة جريح …تناثرت الفتاوى يمينا ويسارا ، يبكي بعضها أو يتباكى على المدنيين الأبرياء من
النساء والأطفال والرجال و المواطنين من سكان لندن ، بغير إشارة إلى الضحايا المدنيين الأبرياء في الحرب الدائرة في
جنين والفلوجة وتورا بورا
وأخواتها علىاتساع الرقعة في بلاد المسلمين
بينما أشارت بعض
الفتاوى إلى أثرها الخطير على وضع المسلمين في الغرب كأنما على المسلمين في الشرق
أن يؤثروا أولئك على أنفسهم ويقدموا في الاعتبار أوضاعهم على أوضاعهم ، وإن تضاربت
المصالح قهرا في منحنى من منحنيات الأحداث وأصبح بعضهم عبئا على بعض لا رديفا له مع
الأسف الشديد .
واشارت فتاوى أخرى إلى الأثر السلبي لهذه الحوادث
على أهداف أصحابها في التحرير
ورأي بعضها الآخر أن القائمين بهذه الحوادث محض
قتلة أو محض جهلة دون محاولة الدخول معهم في حوار جاد
وصرحت فتاوى أخرى بأن
على المسلمين أن يلتزموا في معاركهم بالأخلاق والقواعد الإنسانية وإن لم يلتزم بها العدو حرصا على تقديم النموذج ،
باعتبارهم أصحاب دعوة ، وعليه أن يديروا
خدهم الأيسر عند ما يضربهم العدو على خدهم الأيمن ..وإن
وصل بهم الأمر في النهاية إلى انسحاق لا دعوة فيه ولا يحزنون
وفي وسط هذه الحيرة
وقع في يدي مقال الكاتب السياسي الإنجليزي الشهير
باتريك سيل بعنوان " لندن تدفع ضريبة غزوها للعراق " تمنيت لو
أصدره باعتباره الكلمة المفقودة أو الفتوى المنشودة ، أو لو أن المسلمين أفرغوا
لها مكانا في سفر الفتاوى الصادرة ، ولذا فإنني أستسمح
القارئ الكريم كما أستسمح سكرتير تحرير الشعب وكما أستسمح الكاتب
والمصدر الذي نشر المقال في أن أضع مقاله كاملا فيما يلي فيما يشبه فتوى لم أجد
أدق منها في تصوير وجهة النظر الإنسانية
والسياسية والمتكاملة في هذه الأحداث ،
إذ وجدتني متفقا حرفيا مع ما جاء فيها وعاجزا عن كتابة مثلها أو ما هو أدق
منها لتقديمه في موازاة الفتاوى الأخرى
أما تقديري للكاتب
فربما يتضح من وصفي لمقاله بكونه الكلمة المنشودة موضوعيا الجديرة بأن تلحق بسفر "الفتاوى"
المعاصرة وإن تباينت في الشكل بطبيعة الحال ، ليمهرها
شيخ المسلمين بالموافقة مع اطمئنان البال
والضمير ، وإن كنت أحسب أنه ليس بحاجة
إلى هذه الشهادة أو إلى تداعياتها
عليه !
يقول باتريك سيل تحت عنوان " لندن تدفع ضريبة غزوها للعراق
" :
( لا مناص من إدانة أعمال الإرهاب، لكونها تستهدف الأبرياء عادة. ويكاد يكون هؤلاء الضحايا في كافة الظروف والأحوال، من النساء
والرجال والأطفال العاديين، الجالسين في الحافلات أو المقاهي، أو المتجمعين في
مراكز ومحال التسوق الكبيرة، ممن توافق وجودهم في تلك الأماكن وانفجار القنبلة في
ذاك المكان.
وفي كل الأحوال تقريباً، عادة ما يدفع هؤلاء
الضحايا الأبرياء، الثمن الباهظ للقرارات والسياسات التي يصنعها قادتهم السياسيون.
وعلى غرار هذه الأفعال وتكرار الصور المأساوية، كانت تلفزيونات العالم وشبكاته
الإخبارية، قد بثت في السابع من يوليو الجاري، صوراً بشعة مثيرة للصدمة والأسى،
لأشلاء جثث تبعثرت وتناثرت في الشارع العام، ولركاب حافلات ومترو أنفاق، ملطخين
بدمائهم وهم يهرعون إلى المحطات هرباً من جحيم الانفجار، قبل أن تختطفهم النقالات
وسيارات الإسعاف حيث أخذوا للإنقاذ والعلاج.
فهل كان ما رأيناه مشهداً من مشاهد المذابح
اليومية، التي تشهدها المدن والعاصمة العراقية بغداد؟ كلا،
فنحن في قلب العاصمة البريطانية لندن حسبما تقول تلك الصور! وحتى
اللحظة التي كتب فيها هذا المقال، تفيد الأخبار بأن عدد القتلى غير معروف حتى الآن
وقد بلغ الستين، بينما تجاوز عدد المصابين جراء تلك الهجمات 700 شخص. هذا وتشير كافة البيانات الظرفية، إلى أن تنظيم القاعدة أو إحدى
الجهات ذات الصلة به، هو المدبر والمنفذ لهذه الهجمات.
ولما كان الأمر كذلك، فلمَ فعل تنظيم القاعدة ما
فعل بلندن؟ هل هي رغبة من التنظيم، في مهاجمة "القيم البريطانية" كما
جاء في تصريحات رئيس الوزراء توني بلير؟
أم أن لهذه الهجمات صلة باستجابة مضادة للسياسات البريطانية؟ والإجابة البديهية
على هذا السؤال، هي أن القنابل الأربع التي هزت لندن وفجرتها، إنما هي بمثابة
استجابة محسوبة ومخططة ومدروسة، للقرار الذي اتخذه توني
بلير بالانضمام إلى حليفه الرئيس الأميركي جورج بوش، في
حربهما الثنائية ضد العراق. وبعبارة أخرى، فإن أولئك القتلى والجرحى والمصابين،
والشلل التام الذي أصاب تلك المدينة الكبيرة كلها يوم الهجمات، وعودة مئات الآلاف
من مواطنيها مشياً على الأقدام في ذلك اليوم، إلى جانب ما أحدثته الهجمات
والتفجيرات من خسائر مادية واقتصادية فادحة، كل ذلك قد قصد منه أن يكون ثمناً تعين
على بريطانيا دفعه، رداً على الحرب العراقية التي شنها بلير.
وكدأبهم دائماً، فقد استقبل البريطانيون تلك
الهجمات، بكثير من الهدوء والحكمة والجلد والثبات. غير
أن السؤال الذي لا مناص منه هو: هل كان واجباً عليهم أن يدفعوا ذاك الثمن الباهظ
الذي دفعوه... هل كان دفعه مبرراً؟
إنه السؤال الذي
يتعين على بلير وحكومته، مواجهته والتصدي للإجابة عليه،
بما يقنع الرأي العام البريطاني. فقد ثبت أن العراق لم
يكن يمثل تهديداً لأمن بريطانيا أو أي دولة أخرى من الدول. والشاهد
أن العقوبات الدولية التي تواصل فرضها عليه، على مدى ثلاثة عشر عاماً، قد تركته
كسيحاً وجاثياً على ركبتيه تماماً. أما المسوغات والمبررات التي ساقها كل من جورج
بوش وحليفه توني بلير، لغزو
العراق وإسقاط نظام رئيسه صدام حسين، فقد ثبت أنها كانت مجرد أكاذيب ومزاعم مختلقة.
فلم تكن بحوزة العراق أي من أسلحة الدمار الشامل، كما لم يثبت وجود أي صلة له
بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي استهدفت الولايات المتحدة الأميركية عام 2001.
وإن لم تكن تلك هي الأسباب، فما هي الدوافع
الحقيقية وراء ذلك الغزو يا ترى؟ على الرغم من أن هذه الأسباب لم يتم التصريح أو
الاعتراف بها مطلقاً، إلا أن الاعتقاد الشائع والواسع
النطاق بين المراقبين والمحللين، هو أن لتلك الحرب علاقة ما، بطموح واشنطن إلى وضع
يدها على احتياطيات النفط العراقي، وبذلك تكون لها اليد العليا على إمدادات النفط
العالمي وأسعاره معاً. إلى ذلك فقد مارس أصدقاء وحلفاء إسرائيل النافذون داخل الإدارة الأميركية وأروقتها، من الضغوط على
الإدارة، بما يضمن الإسراع بشن الحرب على العراق، أملاً منهم في تدمير دولة عربية
كبيرة، يحسب لها ألف حساب، ومن ثم إجراء تحسين جذري على البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
أما النتيجة العملية
التي أسفرت عنها الحرب فتتمثل في تدمير العراق، ومصرع عشرات الآلاف من مواطنيه،
بينما تحولت حياة الملايين الذين نجوا من نيران الحرب منهم إلى قطعة لا تطاق من
جحيم المعاناة اليومية. ومما لا شك فيه أن التاريخ الإنساني المعاصر، سوف يدرج
أحداثاً مثل تدمير العراق، وتسوية مدن بكاملها مثل الفلوجة،
إلى جانب ممارسات التعذيب المؤسفة التي وقعت في كل من سجني أبوغريب
وخليج جوانتانامو، وغيرها من أحداث لازمت الحرب
وصاحبتها، بين كبريات الجرائم التي شهدها قرننا الحادي والعشرون.
ومما لا شك فيه
أيضاً، أن رئيس الوزراء البريطاني الحالي توني بلير، يعد سياسياً بارعاً من وجوه عديدة. فقد
تمكن من إعادة بناء حزب العمال، وحقق في الخامس من شهر مايو المنصرم، فوزاً
تاريخياً بجولة ثالثة في منصبه الحالي. وفي الأسبوع الماضي، استضاف في بلاده،
اجتماع قمة للدول الصناعية الكبرى الثماني، وبذل كل ما في وسعه، لإقناعها بضرورة
المساهمة في تخليص إفريقيا من دوامة الفقر، وحماية كوكبنا من خطر الإحماء والتغير
المناخي.
وخلال الست أشهر
المقبلة، ستتولى بريطانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي. وهكذا يعلو نجم بلير على منافسيه الأوروبيين الرئيسيين، الفرنسي جاك شيراك،
والألماني جيرهارد شرويدر،
اللذين يمضيان حثيثاً إلى نهايات مجدهما السياسي. لكن وعلى رغم هذه الإنجازات
السياسية الضخمة، إلا أن الأرجح أن يقسو التاريخ في حكمه على توني
بلير. ذلك أنه جرَّ بلاده
وشعبه، إلى حرب لم تملها الضرورة، ولم تكن شرعية لكونها بنيت على ذرائع ومبررات
مختلقة وكاذبة. والأكثر من ذلك، ها هي الحرب وقد جاءته
إلى عقر داره، وفي عاصمة بلاده لندن!
أما الدول العربية،
فإما أن تكون قد تمنعت أو عجزت من ناحيتها، عن تحريك إصبع واحد لحماية العراق، أو
وقف المطامح الاستعمارية الأميركية- البريطانية الجديدة عند حدها، قبل شن الحرب. بل إن الذي حدث من بعض الدول العربية، هو أنها وفرت القواعد
العسكرية التي شنت منها الحرب على العراق. لذا وفي ظل هذا الفراغ الناشئ عن العجز
أو الشراكة العربية في غزو العراق، فقد علا دور اللاعبين الجدد -غير الحكوميين- من
أمثال تنظيم القاعدة، وطفح كيلهم ورغبتهم في الثأر من ذلك التدخل الأجنبي السافر
في تقرير مصير بلدانهم وشعوبهم. وفيما يبدو فإن الهدف
الرئيسي لهذه التنظيمات، هو ابتكار رادع عسكري ما. أما الرسالة الموجهة إلى الغرب
عموماً، فهي في غاية البساطة والمباشرة: "إن قتلتمونا فسوف نقتلكم بالمثل".
ولما كان بلير قد تعهد بإلحاق هزيمة شاملة ونهائية بالإرهاب، فكيف له
أن يفي بالتزامه هذا؟ الواضح أن الأساليب العسكرية والبوليسية لم تجْدِ فتيلاً،
وأن السبيل الوحيد هو حل النزاعات، على أسس العدل ومواجهة الذات والآخرين بالخطأ. ويتطلب
هذا أن تعترف كل من لندن وواشنطن، بأن شن الحرب على العراق كان خطأً كارثياً، وأن تسحبا قواتهما منه بأسرع ما يمكن، على أن تتولى
الأمم المتحدة مهمة إعادة بناء العراق وإعماره.)
مع الاستسماح مرة أخرى ، ومع الاعتذار للسيد باتريك سيل عن هذا
الاقتحام
***
ومهما يصدر من لغط بعض الحكماء التجميليين
الذين يدينون العمليات الاستشهادية ضد الاحتلال الأجنبي والذين يظهرون كأنهم
يجملون الإسلام وفقا لمقاييس الجمال الغربي ، وما دروا أن جمال الإسلام في ذاته ،
فعلينا أن نترك هذا
اللغط وراء ظهورنا وأن نستذكر شرط القبول في أن يكون القتال في سياق الجهاد
والطاعة لله سبحانه وتعالى طبقا لما جاء من قوله
تعالى في آيات كثيرة
نشير إلى مواضعها
اختصارا بغير حاجة إلى شرح أو تفسير ،
وليرجع من يشاء إلى : الآيات 69 – 70 النساء ، ، و 95-96
النساء و 69 – 70 الزمر ، و 18- 19 الحديد ، و142 آل عمران في سياق متصل إلى
الآية 180
و 19-22 التوبة ، في سياق متصل عن القتال من 12-29 التوبة ،
و44 التوبة في سياق
آيات عن القتال من 38- 53 التوبة ، 81
و التوبة في سياق عن
القتال إلى آية 96 التوبة
و 1- 9 الممتحنة في
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم
بالمودة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم
إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي
، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم
فقد ضل سواء السبيل . )
وبإجمال فإنه يستنتج
من هذه الآيات شروط ينظر في توافرها قبل
الإقدام على هذه العمليات :
أن يبتغى بهذه
العمليات وجه الله تعالى ، وأن يتأكد أن هناك مصلحة عامة
من ذلك الفعل، ويعرف هذا بمشورة القيادة العامة إن رأت أن هذا من المصلحة ، و أنه
سبيل لدفع العدوان .. وأن يكون القتال ضد أعداء الإسلام المعتدين قصدا على حرماته ، ولا يقصد به مسالم
معاهد أو ذمي - أخذ عهده أو ذمته من سلطة
شرعية - وأن يكون قرار القتال خاضعا
لحسابات دقيقة ، محسوبا بالفائدة للمسلمين وفقا لأصول الفقه وقواعده : من دفع
الضرر ، وسد الذرائع ، وجلب المصلحة ، وغيرها من الأصول ، وليس اندفاعا إلى
الشهادة بغير حساب . وأن يكون مفتوحا
لتقبل السلام بشروطه المعروفة شرعا ، وأن يخضع ذلك لقيادة مسئولة شرعا ، مع
التنسيق اللازم مع القيادات المعنية لكي نتجنب
ضرر الفتنة الأشد .
ولا قيمة بعد ذلك لما
قد يدور من لغط اللاغطين من " الحكماء التجميليين
" حول " العمليات التي يقوم بها الاستشهاديون فهي النموذج للتطابق الكامل مع قوله تعالى ( إن
الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة : يقاتلون في سبيل الله
فيقتلون ويقتلون )
وهي نموذج القدوة
المعتبرة التي نراها في
مثال الصحابي الذي أقدم على المعركة وهو على يقين من عدم النجاة
فقد أخرج مسلم بسنده
عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل وفيه ( فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم :
" قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض قال : يقول عُمير
بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال : نعم ، قال بخ بخ . فقال رسول الله : ما يحملك على قولك بخ
بخ . قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها ، قال فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من
قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة
طويلة . قال فرمى بما كان معه من التمر ثم
قاتلهم حتى قتل)
ولا يصح إيراد
الاعتراض الساذج على هذه العمليات بالحكم الشرعي بأن قتل النفس من بين المحرمات ،
وذلك لأن قتال العدو وما يترتب عليه من
قتل النفس يأتي استثناء من تحريمها ، وإذا
كان الاستثناء قد جاء في عملية القتال مع العدو فهو يصدق على الجهتين- قتل النفس
أو قتل الآخر - بشروطهما ونخص بالذكر
والتأكيد الشروط الآتية :
اشتراط الضرورة
واشتراط
: حصول غلبة الظن في
تحقيق المصلحة والنكاية بالعدو ، على
المستوى البعيد إن لم يكن على المستوى القريب
واشتراط
: أن تقررها قيادة شرعية
خبيرة
واشتراط النية
كذلك لا يصح الاعتراض
على هذه العمليات بأنها من المحرمات بقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إى التهلكة ) فقد جاءت هذه الآية في سياق الحض على القتال
والإنفاق في سبيله وبما لا يفيد ما قصد
إليه الاستسلاميون ، وأصحاب السلام الاستراتيجي
*****
وإذا كان صحيحا – وهو
صحيح - أن الحدث أي حدث لا يكون له معنى
بغير وضعه في سياقه العام فإن الأكثر صحة عندنا أن هذا السياق إنما يتم انتقاؤه في
ضوء مرجعية فكرية شاملة ، وهو لا يكون له معنى بالتالي ما لم يوصل بمرجعيته
الشاملة التي تناسبه وفقا لفكر وعقيدة الباحث بالضرورة .
وإذا طبقنا هذه
القواعد على أحداث قتل المدنيين لنستخلص حكم الشرع في
النهاية فإننا نحاول ذلك بوضع هذا الحدث في سياقه العام وهو في رأينا يقع في
مقدمتين : سياق الحرب الشاملة المعلنة من الغرب على الإسلام والمسلمين في ديارهم
أصلا ، ثم في مقدمته الثانية وهو سياق توجه حروب الغرب الحديث عموما إلى إسقاط
حرمة المدنيين بالكلية مهما تشدق بعد ذلك بمثله المزوقة ، والمخترقة بحكم فلسفته
الأعلى في التطورية والبراجماتية
أما المرجعية التي نربط بها هذا
السياق فهي بطبيعة الحال : المرجعية الإسلامية الشاملة وهي مرجعية يحق لمن التزم بها من المقاتلين إسقاط الاعتبار عن كل ما يخالفها مما يساق
إليهم من أصحاب القيم والمراكز والمنافع الخاصة
وابتداء – ومع الرجوع
بالتلخيص إلى بعض ما كتبناه سابقا - فإنه ليظهر حرص الإسلام على سلامة " المدنيين
الأبرياء أثناء الحروب
من شروطه الأخلاقية والتشريعية التي وضعها للسلام والقتال
وليس السلام في الإسلام حالة سلبية
تتمثل في إلقاء السلاح ، ولكنه – إسلاميا- صفة إيجابية تتمثل في إنجاز السلام
بمعناه الإسلامي . فإذا وقع القتال فمن
شروطه تطبيق الشريعة والعدل ، والإحسان ،
ومن هنا جاءت جدلية النهي عن التدمير والتحريق والتغريق ، وخطف أو أسر أفراد من العدو في حال الجهاد ،
وقتل الأسير ، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، والتمثيل بالجثث ، وقطع الأشجار .
ولكي نحسن النظر في
الموضوع نرى حتمية النظر أولا في السياق الذي يتمثل في المقدمتين الضروريتين
المذكورتين أعلاه
وعند الاقتراب من
النتيجة سنجد بين يدينا
خلافا واسعا وقع بين الفقهاء في المسألة يدل على سعة الأفق الذي
يتحركون فيه بما له من دلالة على صلاحيته لكل زمان ومكان .. ، ثم تتقرر النتيجة بحكم أصولهم وقواعدهم نفسها ، وهي الأصول والقواعد المستمدة أصلا من الكتاب المنزل
والسنة المطهرة .
أما عن المقدمة
الأولى : فالمسلمون يجدون أنفسهم
حاليا بإزاء حرب شاملة تقع أهدافها أصلا
على أرضهم ، أعلنها الغرب ضدهم على مستوى
خريطة العالم - تتخللها هدنة هنا أوهدنة هناك - قامت
بالفعل منذ بداية الاستعمار الحديث
أعلنها الغرب من جهته عليهم في جميع الجبهات ، واشتدت وتيرتها
في العقدين الأخيرين ، وهي حرب معلنة – أو خفية - مستمرة ولن تزال حتى تحقق
أهدافها من وجهة نظر الذين أعلنوها ، أو تفشل كما يتمنى الذين وقعت ولا تزال تقع
عليهم .
ويرجع اصل ذلك إلى العداء التاريخي الذي يكنه الغرب للإسلام
والمسلمين ونحن لن نغوص هنا في التاريخ ولكن نكتفي بلفتة وراءنا لسنوات قليلة نشير فيها إلى بعض ما ذكرناه سابقا
بتوسع :
(1) تظهر صورة هذا
العداء في مبادرة من طرف الأمين العام
لحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ويلي كلايس ، عند ما
اعتبر ( أن الأصولية الإسلامية باتت العدو رقم واحد للحلف ، بعد انهيار المعسكر
الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة ولذلك يتوجب محاربتها ) وقد كشف كلايس عن مبادرته في حديثين صحافيين قبل أن يطرحها في صورة
رسمية أمام مجلس سفراء الحلف ، وانتقلت مبادرة كلايس
إلى قرار سياسي أصدره الحلف بفتح حوار حول الموضوع مع دول مثل مصر وإسرائيل ) مجلة
الشروق الصادرة في إمارة الشارقة عدد 152 \6
بتاريخ 12\ 3 \1995
وفي التحقيق الذي
كتبه الأستاذ بشير في العدد المشار إليه جاء في حديث للسيد ماريانو
آغوري أحد أبرز الخبراء الأوربيين ومدير مركز الدراسات
والبحوث الاستراتيجية الأسباني قوله : ( نرى أن الفضاء
الإسلامي هو المكان الذي تنطلق منه المخاطر والتهديدات والكوارث في أواخر هذا
القرن . إن حالة الارتياب من الإسلام ليست جديدة ، وهي ناتجة اليوم عن عداء خفي
يشير إلى أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي يهدد الغرب بصفة غير مباشرة … وأخيرا
والآن بعد ما اختفى الاتحاد السوفيتي يتساءل الاستراتيجيون
والمختصون في الشئون الجيوسياسية عن المخاطر التي يمكن أن
تنتج عن إسلام يمتلك القنبلة الذرية حيال أوربا خلال القرن الحادي والعشرين ، من
هنا جاءت موجة الإعداد لمواجهة هذا العدو
الجديد )
وفي تقرير أصدرته "
الأكاديمية الملكية للشئون الدولية " في لندن ، جاء ما يلي ( " بالنسبة إلى الأوربيين كان الإسلام
مسألة تشغل بالهم دائما ، غير أن هذه المشكلة ليست ظاهرة بعيدة ، والآن أصبحت جزءا
من الواقع الثقافي في الأحياء الأكثر فقرا في بعض المدن الأوربية ، إن العدو
القديم تسلل من الباب الخلفي حاملا لافتات
غرائبية وغير منطقية تكونت عبر العصور : " جهاد
ضد الكافرين ، وتقبل سلبي للمصير ،
وللعقيدة المتزمتة " )
وهنا يشير بعضهم إلى (
أن التهديدات النووية يمكنها أن تكون صادرة من بلدان العالم الثالث حيث رؤساء
الدول لا يتمتعون بقدر كاف من العقلانية ، وليسوا واعين للعواقب التي ستترتب على
عدم الانصياع للمنطق المفروض من قبل الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة )
وهنا تبدو عنصرية هذا
الطرح الذي ينطلق من عقيدة الغرب في تفوق
الرجل الأبيض عنصريا ، كما يبدو منطقه
متهافتا إذ يعني أن الجنون حالة إسلامية ، تعني تجريد المسلمين من القدرة على الدفاع
عن أنفسهم ضد " الحالة الصهيوينة " المسلحة
نوويا .
وبما أننا نحن
المسلمين نواجه في الواقع عدوا عاقلا جدا ، فإنه لابد من وجود تفسير أكثر عمقا
وشمولا وعقلانية من مجرد الإشارة إلى أسلحة الدمار الشامل التي افتضح كذبهم فيها :
إنها فكرة الصراع في الغرب ، نجدها جزءا من بنيتهم الثقافية قديما وحديثا ، فهناك "
صراع الآلهة " فوق جبال الأولمب ، كما نجده في
أساطير الإلياذة والأوذيسة وما جره هذا الصراع من صراع
بين أسبرطة وأثينا ، ثم هناك صراع الدولة الرومانية مع
الدولة الفارسية ، وصراعها مع الإسلام ، وصراع المسيحية مع الإسلام ، وزحف هذا
الصراع إلى أمريكا في عملية إبادة الهنود الحمر ، وزحف الاستعمار الحديث على الشرق
، وصراع الغرب لإبادة المسلمين في حروب القرم والقوقاز
، والبلقان ، وتحتل فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للإنسان الغربي
المعاصر ، فهو - أي هذا الإنسان - قد يشك في عقيدته المسيحية ، وقد يشك في عقيدته
الرأسمالية ، أو غيرها ولكن تبقى لديه فكرة الصراع راسخة لا تمس ، بدءا بالصراع
البيولوجي الذي أسسه دارون ، ومرورا بالصراع الاجتماعي عند هربرت
سبنسر ، وانتهاء بصراع القوميات عند نيتشة ، وهو - أي
هذا الإنسان - في ذلك كله ينظر إلى الصراع
لا باعتباره شرا لابد منه ، ولكن باعتباره
آلية التقدم في الطبيعة والإنسانية والحضارة .
إنه الصراع الذي لا
يكتفي بمقتضى ثقافتهم بغير إبادة الآخر ، مهما ارتفعت لديهم شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار والاعتراف بالآخر ، فهي
شعارات سطحية " مضروبة " لا يشتريها أحد ، يسمح بها طالما
كانت الأمور " تحت السيطرة " لحساب التفوق العنصري الأبيض ، أما إذا
اهتز هذا التفوق أو تحركت ضده نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون فإن
الإبادة للآخر تنكشف لتكون هي الأساس
إبادة الآخر في
الأندلس ، إبادة الآخر في القارة الأمريكية الجديدة ( الهنود
الحمر ) ، إبادة الآخر المسلم في أوربا الشرقية والبلقان وآسيا الصغرى
والقوقاز ، إبادة الآخر في الشرق الأوسط ،
في الجزائر وفلسطين والعراق وإيران ، إبادة الآخر في مبدأ الحرب الاستباقية وفي مبدأ من ليس معنا فهو علينا ، وفي تصنيفهم
للعالم أخيرا إلى محورين : أحدهما للخير ، والآخر للشر . تلك هي مشكلتهم المستعصية
التي يعالجونها بلا هوادة منذ ظهور
الإسلام إلى اليوم ، وليس من بعد أحداث
حالية .
هذه هي القيم التي
تختفي وراء تصريحات توني بلير
في سياق أحداث لندن 7\7\2005الذي أطلق الرصاصة الأولى على مسلمي أوربا عندما استبق
التحقيقات وأعلن أن الأحداث ذلت طابع إسلامي ، ثم ثناه بإعلان الحرص على سلامة
المسلمين في بلاده .
ومن
قبل صرح وزير السياحة
الإسرائيلي - سابقا - المدعو بني آلون لصحيفة هأرتس في
مطلع شهر ( مايو 2003 م ) قائلا : " من الواضح أن الإسلام في طريقه إلى
الزوال ، فما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ليس انتفاضة إيمان قوية ، بل انطفاء
جذوة الإسلام ، أما كيف سيزول فبكل بساطة بقيام حرب مسيحية صليبية ضد الإسلام في
غضون بضع سنوات ، ستكون الحدث الأهم في هذه الألفية ، وطبعا سنواجه مشكلة كبرى حين
لا يبقى في الساحة سوى الديانتين الكبيرتين : اليهودية !! والمسيحية ، غير أن ذلك
ما زال متروكا للمستقبل البعيد " .
وفي هذا السياق نضع
الكتاب الذي صدر مؤخرا لريتشارد بيرل وديفيد فروم ( نهاية
شر: كيف نكسب الحرب على الإرهاب) يمثل (إنجيل) المحافظين الجدد، ويبسط رؤيتهم
للعالم العربي والإسلامي. يتحدث الكتاب عن الإسلام بوصفه خطرا يجب التصدي له، ويرى
أن الحرب عليه حتمية وأبدية ومقدسة، ويعيد إنتاج القوالب الاستشراقية
حول العرب والمسلمين، فهم متوحشون، وخطيرون، وغير جديرين بالديموقراطية،
وأعداء للحضارة، ويجب أن يكونوا تحت التحكم… يشير جوشوا
ميكا مارشال في قراءته للكتاب إلى أنه يدعو إلى الصمود
في " معركة مطردة"، موحيا" أن أميركا في حرب مع الإسلام نفسه في أي
مكان ، و في كل مكان: يبدو العالم الإسلامي المعاصر مرجل كراهية وقتل وظلامية وخداع . إذا لم يقم خصومنا المسلمون بتدمير الحضارة
الغربية، فيجب أن نتأهب لمزيد من المعارك" (موقع ليديو
دي فيلاج، 22 شباط / فبراير 2004).
(2) إنه من المزايدة
الفارغة على الإسلام - في باب الدعوة
للسلام – أن ينكر أعداؤه عليه فريضة الجهاد ، لأنهم إذ ينكرونها فإنما يدعون إلى
حالة من الفوضى والضعف يصبح السلام معها أمرا مستحيلا
إذ من المؤكد تاريخيا
أن الضعف يمثل الإغراء الأقوى بالاعتداء وتدمير السلام ، ومن المؤكد استراتيجيا
كما هو معروف أن نفوذ الأقوياء ليس حصيلة قوتهم فحسب ولكنه معادلة من طرفين : قوتهم
الذاتية + ضعف العدو وحرص رجاله على
الحياة
وهم إذ ينكرون الجهاد
على الإسلام لا ينكرون عليه فريضة دينية فحسب ، ولكنهم يرتكبون نفاقا مكشوفا : حيث
يحرصون على أن يغرق الكيان الصهيوني فلسطين بالدماء والدمار بأحدث الأسلحة
الأمريكية ، تاركا للدول العربية أن تحصي الشهداء ، الذين يسقطون والمنازل التي
تدمر والأراضي التي تجرف أو تصادر
وحيث يحرصون على أن تمتلئ ترساناتهم الحربية بما
يكفي لتدمير الحياة الإنسانية على الأرض مرات ومرات بينما هم يعملون على تجريد
المسلمين من كل سلاح بدعوى السلام ، في
الوقت نفسه .
ويأتي التحريض الصريح
– إلى حد الوقاحة - ضد الإسلام في مقال الصحفي
الشهير توماس فريدمان وهو يؤكد في افتتاحية النيويورك
تايمز والذي قدمته جريدة الأسبوع بتاريخ 9 \ 6\ 2003 بقوله : ( إن السبب الحقيقي لهذه الحرب – يقصد على العراق - وغير المعلن هو أحداث 11 سبتمبر ، فأمريكا كانت
بحاجة لضرب هدف أي هدف في العالم العربي والإسلامي.. ضرب
أفغانستان لم يكن كافيا لأن فقاعة الإرهاب تعدت حدود أفغانستان وأصبحت تشكل خطرا
حقيقيا علي المجتمعات الغربية المفتوحة وكان لابد من ثقب وخرق هذه الفقاعة.… لقد تساهلنا كثيرا
وسمحنا أن يمارس المسلمون مثل هذه الأنشطة. كانت الطريقة الوحيدة أمام الجنود
الأمريكيين رجالا ونساء هي ضرب 'قلب' العالم العربي
والإسلامي !! وقتال المسلمين والعرب من منزل إلي منزل ، ..)
ولم يستثن هذا
العدوان الغربي المعاصر على الإسلام … لم يستثن
العمل الخيري الإسلامي والإغاثي - سواء علي
المستوي الفردي أو الجمعي – وكان أكثر الجوانب التي تأثرت بتداعيات 11 سبتمبر،
ويفسر الباحث عمرو عبد الكريم في دراسته «العمل الخيري والإسلامي: استحكام سياسة
تجفيف المنابع» التي جاءت ضمن العدد
الجديد من حولية «أمتي في العالم» الذي يرصد عام 2001 و2002 ويصدره مركز دراسات
الحضارة ، وتديره الدكتورة نادية مصطفي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
ويرصد الباحث مرحلتين
للحرب الأمريكية ضد العمل الخيري الإسلامي، تمثلت الأولي في التسمية العلنية
للأشخاص والمؤسسات وتجميد الأموال في البنوك ، والثانية في التركيز علي شبكات
تحويل الأموال في الجميعات الخيرية. بل وفرضت الولايات
المتحدة علي الدول العربية والإسلامية الاستجابة لحملتها وحربها علي العمل الخيري الإسلامي ، سواء بتجميد أرصدة تلك الجمعيات ، أو بإعادة تنظيم
ومراقبة العمل الخيري الإسلامي .
هذه هي المقدمة
الأولى التي يتضح منها أن المعركة إنما هي مع الإسلام بكل أشكاله وألوانه ومع أهله
جميعا معتدلين ومتطرفين ، والغرب على يقين
(!!) بأن المتطرفين إنما يخرجون من عباءة
المعتدلين ، ومن ثم فإن المعتدلين – في نظرهم - هم الأكثر خطرا ، واسألوا رجال المخابرات
الحاذقين ، إنها إذن المعركة المعلنة من جانب الغرب على الإسلام على مستوى خريطة
العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا .
يتبع بإذن الله