وداعا أيها الإنسان!

اخرج أيها الدجال!

 

 

بقلم :حسن السرات

 

نقف اليوم نحن بنو آدم على مشارف منعطف خطير من حياتنا في هذه الأرض. منعطف يتميز بثلاث ثورات كبرى عشناها ونعيشها كلها في وقت واحد، وتقدم إلينا كل واحدة منها على حدة، في حين أنها شيء واحد حاليا، يشتغل بجوانبه الثلاث في انسجام وتوافق، وميدان اشتغاله هو الإنسان بطبيعة الحال سواء كان فردا أو مجتمعا في أي بقعة من العالم الحالي. فهناك الثورة الاقتصادية التي أطلق عليها اسم العولمة التي ابتدأت في القرن التاسع عشر، ثم ازدادت وتيرتها سرعة وتأثيرا مع انهيار المعسكر الشيوعي. أهم انتصار حققته هذه العولمة الاقتصادية هو تحطيم سيادة الدول والتحكم في القرار الاقتصادي لها، ومن تحكم في القرار الاقتصادي تحكم حتما في القرار السياسي. يكفي أن نعلم أن الخمس مئة الأولى من الشركات الضخمة العابرة للقارات حاليا تتحكم في اثنين وخمسين بالمئة (52%) من الناتج الداخلي الخام لكوكبنا هذا، وثمانية وخمسون بالمئة منها (58%) من الولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك لا تشغل هذه الشركات كلها سوى أقل من اثنين بالمئة من اليد العاملة عالميا (1.8%)، وهذه الشركات تتحكم في الثروات الكبرى لمجموع مئة وثلاثة وثلاثين (133) دولة الأكثر فقرا في العالم، حتى أطلق الكاتب السويسري المعروف جان زيغلير على رؤسائها لقب "الفيوداليات الرأسمالية الجديدة" (انظر كتابه الأخير إمبراطورية الهوان- الطبعة الأولى-دار فايارد- ص241-258). أي أنهذه الديناصورات الاقتصادية الجديدة أخرجت المارد (وهو السوق) من الزجاجة (وهي الديمقراطية) بتعبير الكاتب الفرنسي جان كلود غيبو، وبذلك تكون قد وضعت حدا للديمقراطية وشنقتها شنقا بعبارة الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه "الديمقراطية ضد نفسها".

الثورة الثانية هي الثورة المعلوماتية أو الرقمية التي غيرت علاقاتنا بالزمن والفضاء لتخرج لنا الراهنية الافتراضية في "قارة خامسة" لا أرض لها والسرعة حاكمة فيها. لكن هذه الثورة استولى عليها هي الأخرى الإقطاعيون الجدد في تواطؤ مع السياسيين لشراء سكوتهم وإقفال أفواههم. مثلا NBC التي تمتلكها شركة "جينرال إلكتريك" المقاولة العسكرية الأضخم بالولايات المتحدة الأمريكية وCBS التي تمتلكها "ويستينغ هاوس إلكتريك كومباني" ولها هي كذلك علاقات مع المؤسسة العسكرية الأمريكية، هاتان الشركتان القريبتان من الصناعة النووية و(يا عجبا) من صناعة البترول، يوجد في مجلس إدارتهما سام نون سيناتور سابق ومدير شركة تيكساكو.  كولن باول سكرتير الدولة في الدفاع في الحكومة السابقة لجورج بوش الابن عضو في مجلس إدارة AOL قبل أن تدمج في شركة "تايم وورنر". دونالد رامسفيلد هو الآخر له مقاعد في "إيكسون موبايل و"تريبون كومباني" التي تمتلك "شيكاغو تريبون" و"لوس أنجليس تايم" وعدة قنوات تلفزيونية... هذا دون أن ننسى إمبراطور الشبكة العنكبوتية وصناعاتها وتجاراتها الإلكترونية بيل غيتس ملك شركة "ميكروسوفت"، والعضو البارز في نادي الأغنياء العالميين.

والثورة الثالثة جينية يتحكم فيها جماعات الضغط المنتشرة في عالم التكنولوجيا البيولوجية التي تفرض قوانين السوق لا مبادئ القيم والأخلاق. وتكفي متابعة تطورات الاستنساخ والتوليد التلقيحي والاصطناعي لنتأكد فعلا أننا دخلنا مرحلة ما بعد الإنسان، وودعنا مرحلة الإنسان. وفي هذا المجال توجد علاقة وثيقة بين طائفة الرائيليين الجدد، الذين يزعمون أنهم استنسخوا أول طفل ليكون له شأن في قادم الأيام، وبين الباحثين العلميين في تقنيات التوليد والتخصيب والاستنساخ بمختبرات خفية.

 هذه الثورات الثلاث ليست ثورات للمستضعفين ضد المستكبرين، ولا للفقراء ضد الأغنياء، ولا للعبيد ضد الإقطاعيين، ولكنها ثورة واحدة للمستبدين الجدد المختفين وراء الحجب والستائر، الحريصين على أن نبقى بلداء وأغبياء، وعلى أن يبقوا هم فوق كل قانون وانتخاب وديمقراطية. ولذلك أصبحت بعض الدول من العالم الثالث تدرك أي خطر يهددها، وأنه لم تعد موادها الأولية محل طمع من الاستبداد الاستعماري الجديد، ولكن التهديد يقترب من مخزونها اللامادي الموجود في جيناتها وصبغياتها.

وإذا كان بالإمكان اليوم وغدا أن يكون للولد "أبوان ذكران" و"أم" حامل، أو "أمان أنثييان" و"أب" معطي، فبأي رصيد نفسي وعاطفي وعقلي سوف يستقبل الحياة هذا المخلوق؟

وإذ كان الباحثان البريطانيان بهروز أفلاطونيان وهاري مور من جامعة شيفيلد قد أكدا أنه من الممكن خلال عشر سنوات إنتاج حيامن (حيوانات منوية) وبويضات بشرية اصطناعية من خلايا جذعية تناسلية، فإن هذا الأمر قد يؤدي على المدى البعيد إلى تغيير جذري في مفهوم الأبوة والأمومة.

 وإذا كان من المحتمل أن يولد هذا المخلوق من غير حمل ولا إرضاع كما تشير إلى ذلك آخر الأبحاث حول التبييض والتخصيب الذاتي، وإذا كان بالإمكان أن تباع أجزاؤه الجسمية كما تباع قطع غيار السيارات والحافلات والدراجات والطائرات وغيرها من الدواب الصناعية، وإذا أصبح مشروعا أن الشاذين للشاذات والشاذات للشاذين وفق القانون وبحماية منه، ولا يحق للأسوياء أن يعترضوا ويستنكروا، وإذا لم يعد لنا نحن في الجنوب من يحمينا من الدكتاتوريات الجديدة القادمة من الشمال، فإنه يحق لنا أن نقول إذن: وداعا أيها الإنسان، واخرج أيها الدجال، فهذا زمان الخروج!