الاحتواء
بقلم :مجدى هلال
تمكن
نظام الرئيس مبارك من تحقيق إصابة نالت شيئا من الحراك القائم في مصر ، الساعي من
أجل التغيير ، فإن عدم تعرض الأمن لبعض من المظاهرات في الشهر الماضي ، كان تصرفا
تكتيكيا ، و قد أدى الغرض منه ، و بشكل غير متوقع ظهر الفتور بين جماعات التغيير
الكثير الناشطة ، و لا غرابة أن يفقد البعض حماسته و اندفاعه عندما يفقد فجاءة
الطرف الآخر الذي هو متحمس ضده ، أو تنتهي إحدى المعارك
، كمعركة الاستفتاء تلك.
عندما
كانت المظاهرات تواجهها قوات الأمن المركزي ، بأساليبها المعروفة ، كان الحماس و
العزيمة يملكان الثائرين في هذه المظاهرات ، لأنه يوجد خصم مرئي رأي العين ، يمكن
الاشتباك معه ، فلما فقد الخصم ، هدأت الثورة في نفوس كثيرة ، و حلت حلها بعض
الحيرة و التردد ، و هي أزمة خطيرة تستطيع أن تقصم ظهر الحركة النابضة في الجسد
المصري.
و
هناك تفسير يسير ، و هو أن كثيرين ممن قاموا و شاركوا في الحراك ، لم يكن معهم من
سلاح إلا الحماس ، و الأماني في المستقبل الأفضل ، في حين كان المفتقد هو الطريق ،
نحو هذا المستقبل ، قد سمعنا البيانات و الهجوم الشديد على نظام الحكم ، و وصل
البعض إلى التلويح بالعصيان المدني ، و توالدت الجماعات و الحركات و الجبهات ،
كلها من أجل التغيير ، و في خضام كل هذا ، لم نسمع إلا كلمات كبيرة ، عن محاربة
الفساد و الاستبداد ، و عن الحرية بكل صورها ، و عن حق الشعب ، و لكن هل تستطيع
الكلمات الكبيرة أن تصف الطريق نحو الهدف ؟ و هل يغني التلويح بالعصيان ، عن
العصيان؟ ... كلا ... إنما هي الخطوات الصغيرة تفعل ذلك ، هي الخطوات التي تصف لنا ما يجب عمله اليوم و ما يجب
عمله غدا ، و بعد غد ، و حتى تحقيق الأمل ، و تصف أيضا شكل هذا الأمل ... إنه لابد
من طريق إذا كنا نريد الوصول ، و لابد من أفعال إذا كنا
نريد أن نحقق منجزا.
هو
الاحتواء ، سياسة تنبه النظام الحاكم إلى فاعليتها في مواجهة رفض معلن لم يعتد على
علو صوته من قبل ، و هي سياسة ليست جديدة ، بل عاملة منذ زمن طويل ، و في اتجاهين
، الأول هو التظاهر بالديمقراطية ، بالسماح بالنقد و المعارضة الكلامية ، و هو ما
أطلق عليه واحد ممن لا يلتزمون كثيرا بأدب الكلام: حرية النباح ، و أما الاتجاه
الثاني فهو إضعاف حماسة المواطنين و عزائمهم ، و مثال ذلك هو تلك الأحزاب القائمة ،
المحتواة احتواءا تاما ، فهى لا جدوى لها ، في حين أن حزبا مثل حزب العمل لم يمكن
احتواؤه قد تم حظره و التنكيل بالعاملين فيه ، و جماعة كجماعة الإخوان لا تتوقف
الحرب ضدها أبدا ، و هناك شخص أيمن نور ، فأيا يكن توجهه و تكن أغراضه ، فلا شك
أنه استعصى على الاحتواء ، و ها نحن نشهد فصول الحرب بينه و بين نظام الحكم.
لا
يكاد المرء يصدق أن رجال القضاء قد تحركوا بعد طول صبر ،
بل و أساتذة الجامعات ، و يزيد من الأمل وجود محاولات إنشاء تجمعات أكبر لحركات
التغيير ، و لكن من المخيف هو هذا التعدد ، فلماذا جبهة هنا و جبهة هناك إن كان
الهدف واحدا ؟ أم أن الحال هو أن الهدف ليس واحدا ، و أن
كلا يعمل من أجل هدف ما ، يعلمه علام ما في الصدور؟!!!
فهل
سيمكن أن تستعصي مصر الثائرة على الاحتواء ؟ .. إنها
مسئولية من قد نصّبوا أنفسهم قادة للحركات و الجماعات ، مسؤوليتهم أن يكونوا قادة
لا مجرد الأعلى صوتا و الأحسن حديثا ، مسؤوليتهم أن يرسموا الطريق ، و يعلّموه
بخطى محددة الملامح ، و مراحل معينة الأهداف و البدايات و النهايات ، يشارك فيها
كل الثائرين الذين يحلمون بالمستقبل ، و مسؤوليتهم أن لا يعملوا من أجل أنفسهم و
أفرادهم ، بل من أجل جموع المصريين كلهم ، و حرية و بقاء استقلال هذا البلد...