الاحتواء

 

 

 

بقلم :مجدى هلال

Helal_ie@yahoo.co.uk

 

تمكن نظام الرئيس مبارك من تحقيق إصابة نالت شيئا من الحراك القائم في مصر ، الساعي من أجل التغيير ، فإن عدم تعرض الأمن لبعض من المظاهرات في الشهر الماضي ، كان تصرفا تكتيكيا ، و قد أدى الغرض منه ، و بشكل غير متوقع ظهر الفتور بين جماعات التغيير الكثير الناشطة ، و لا غرابة أن يفقد البعض حماسته و اندفاعه عندما يفقد فجاءة الطرف الآخر الذي هو متحمس ضده ، أو تنتهي إحدى المعارك ، كمعركة الاستفتاء تلك.

 

عندما كانت المظاهرات تواجهها قوات الأمن المركزي ، بأساليبها المعروفة ، كان الحماس و العزيمة يملكان الثائرين في هذه المظاهرات ، لأنه يوجد خصم مرئي رأي العين ، يمكن الاشتباك معه ، فلما فقد الخصم ، هدأت الثورة في نفوس كثيرة ، و حلت حلها بعض الحيرة و التردد ، و هي أزمة خطيرة تستطيع أن تقصم ظهر الحركة النابضة في الجسد المصري.

 

و هناك تفسير يسير ، و هو أن كثيرين ممن قاموا و شاركوا في الحراك ، لم يكن معهم من سلاح إلا الحماس ، و الأماني في المستقبل الأفضل ، في حين كان المفتقد هو الطريق ، نحو هذا المستقبل ، قد سمعنا البيانات و الهجوم الشديد على نظام الحكم ، و وصل البعض إلى التلويح بالعصيان المدني ، و توالدت الجماعات و الحركات و الجبهات ، كلها من أجل التغيير ، و في خضام كل هذا ، لم نسمع إلا كلمات كبيرة ، عن محاربة الفساد و الاستبداد ، و عن الحرية بكل صورها ، و عن حق الشعب ، و لكن هل تستطيع الكلمات الكبيرة أن تصف الطريق نحو الهدف ؟ و هل يغني التلويح بالعصيان ، عن العصيان؟  ...  كلا ... إنما هي الخطوات الصغيرة تفعل ذلك ، هي الخطوات التي تصف لنا ما يجب عمله اليوم و ما يجب عمله غدا ، و بعد غد ، و حتى تحقيق الأمل ، و تصف أيضا شكل هذا الأمل ... إنه لابد من طريق إذا كنا نريد الوصول ، و لابد من أفعال إذا كنا نريد أن نحقق منجزا.

 

هو الاحتواء ، سياسة تنبه النظام الحاكم إلى فاعليتها في مواجهة رفض معلن لم يعتد على علو صوته من قبل ، و هي سياسة ليست جديدة ، بل عاملة منذ زمن طويل ، و في اتجاهين ، الأول هو التظاهر بالديمقراطية ، بالسماح بالنقد و المعارضة الكلامية ، و هو ما أطلق عليه واحد ممن لا يلتزمون كثيرا بأدب الكلام: حرية النباح ، و أما الاتجاه الثاني فهو إضعاف حماسة المواطنين و عزائمهم ، و مثال ذلك هو تلك الأحزاب القائمة ، المحتواة احتواءا تاما ، فهى لا جدوى لها ، في حين أن حزبا مثل حزب العمل لم يمكن احتواؤه قد تم حظره و التنكيل بالعاملين فيه ، و جماعة كجماعة الإخوان لا تتوقف الحرب ضدها أبدا ، و هناك شخص أيمن نور ، فأيا يكن توجهه و تكن أغراضه ، فلا شك أنه استعصى على الاحتواء ، و ها نحن نشهد فصول الحرب بينه و بين نظام الحكم.

 

لا يكاد المرء يصدق أن رجال القضاء قد تحركوا بعد طول صبر ، بل و أساتذة الجامعات ، و يزيد من الأمل وجود محاولات إنشاء تجمعات أكبر لحركات التغيير ، و لكن من المخيف هو هذا التعدد ، فلماذا جبهة هنا و جبهة هناك إن كان الهدف واحدا ؟ أم أن الحال هو أن الهدف ليس واحدا ، و أن كلا يعمل من أجل هدف ما ، يعلمه علام ما في الصدور؟!!!

 

فهل سيمكن أن تستعصي مصر الثائرة على الاحتواء ؟ .. إنها مسئولية من قد نصّبوا أنفسهم قادة للحركات و الجماعات ، مسؤوليتهم أن يكونوا قادة لا مجرد الأعلى صوتا و الأحسن حديثا ، مسؤوليتهم أن يرسموا الطريق ، و يعلّموه بخطى محددة الملامح ، و مراحل معينة الأهداف و البدايات و النهايات ، يشارك فيها كل الثائرين الذين يحلمون بالمستقبل ، و مسؤوليتهم أن لا يعملوا من أجل أنفسهم و أفرادهم ، بل من أجل جموع المصريين كلهم ، و حرية و بقاء استقلال هذا البلد...