تفجيرات لندن

 

 

 

 

بقلم :علي حتر

 

إمبراطورية الظلم التي لم تكن الشمس تغيب عن الأراضي التي كانت تحتلها وتسرقها من أهلها. الإمبراطورية التي قادت الاستعمار القديم في العالم، ولم تترك فقيرا من أذاها يوما ما، فقتلت العرب والهنود وأهل أستراليا المساكين والأفارقة وأهل فوكلاند وشرق آسيا وعدن ومصر والسودان وصحراء العلمين ودويلات الخليج، وقادت إرهابا رسميا استعماريا فأبادت الملايين من شعوب الأرض.

 

الإمبراطورية التي أنتجت للإنسانية، أسوأ ما حصل في تاريخها، وتمخضت وولدت لنا أمريكا الظلم والقهر والعدوان، إنها بريطانيا سايكس - بيكو وبلفور وتقديم فلسطين على طبق مصنوع من جماجم أطفال فلسطين للصهاينة، بل إنها الدولة التي سنت حتى ضد أهلها قوانين تمنعهم من مجرد التفكير أو البحث في مثالب وأكاذيب بني صهيون.

 

تلك هي بريطانيا التي هزمت أمام تطور التاريخ، وتقوقعت في جزر تكاد لا ترى الشمس حتى في فصل الصيف المشمس، بعد أن كانت تخوض كل المعارك على أرض الشعوب الفقيرة المتفرقة في أنحاء العالم الذي لا تغيب عنه الشمس، تماما مثل ما تفعله اليوم الإمبراطورية الأمريكية التي ورثتها.

 

بعد أن غابت بريطانيا عن العدوان العسكري عدة عقود فقط، لم تتعظ من التاريخ، رغم أنها ذاقت من النازي هتلر من الضربات على أرضها، ما يجب أن يكون كافيا لنهيها عن ضرب البشر على أراضيهم. ولكن بلير عاد بها إلى ممارسة تاريخها الاستعماري من جديد، وأصر على أن تعود إلى جانب وريثتها أمريكا فذهب إلى العراق بعسكرها الحاقدين على الشعوب وعلى أمتنا العربية. وعادت بريطانيا تصر على أن من حقها أن تضرب الضعاف دون أن يكون لهم الحق في رفع رؤوسهم ورفض ما تفعله بهم،لها أن تضرب وعليهم أن ينحنوا أمام سياط جلاديها.

 

المسألة ليست في تقييم انفجارات لندن بحد ذاتها، أو الرعب الذي دب بعدها في برمنجهام، ولكنها في النظرة الشمولية إلى طبيعة الصراع الذي يدور في العالم بقيادة أمريكا وتحالف لندن معها، وفي معرفة أن كل ما يدور هو رد فعل على حصة لندن من الظلم والعدوان على الآخرين، بغض النظر عن أي تقييم لصحة أو خطأ تفجيرات لندن الأخيرة، التي يجب ألا يمنعنا الخوض في حيثياتها من فهم الصراع الرئيسي مع الإمبريالية وقوى الظلام التي تحكم لندن.

 

لماذا لم يضرب «الإرهابيون» السويد وفنلندا والدانمارك ومنغوليا ولتوانيا وبكين مثلا، وهي كلها ليست دولا إسلامية؟؟ لماذا يتهم الإسلاميون بالإرهاب، ولا يتهمون بالرد على العدوان ومقاومة الإرهاب الأصلي اللندني بالرد عليه بصور مختلفة؟

 

بعض زعمائنا العرب مثل الكثيرين من زعماء العالم، يعبرون عن قناعتهم «إن الإحباط الذي يؤدي إلى ما يسمونه (الإرهاب)، ناتج عن العدوان والاحتلال وممارسات الاحتلال وعن فعل آلة صناعة الفقر في العالم، وهو استنتاج صحيح. ولكن هؤلاء يعودون بعد أن يقروا بذلك، للبحث عن ضحايا «الإحباط» الذي صنعته أمريكا وحليفتها بريطانيا ومعهما الصهاينة، وكيل شتى التهم لهم بالإرهاب، وملاحقتهم ضربهم ومكافحتهم، رغن معرفتهم أنهم يمارسون رد الفعل لا الفعل نفسه؟؟

 

نحن نقدر الكثيرين من أبناء الجزر البريطانية، ونحترم غالاوي والجموع الغفيرة التي تحركت في أدنبرة قبل أيام للوقوف في وجه مجموعة الثمانية الظلمة، وغيرهم من البريطانيين الذين يدافعون عن حقوق المستضعفين في الأرض. ولن أدخل في نقاش حول تفاصيل التفجيرات الأخيرة في لندن، أو في الرعب الذي دب في برمنجهام.

 

لكنني أقول أوقفوا الظلم وانسحبوا من جنوب العراق، وأوقفوا الدعم لانتهاك حقوق الإنسان العربي في فلسطين، وبغير ذلك، لا يستطيع أحد أن يوقف المحبطين من الانتقام ومن نقل المعارك إلى أراضيكم، مثلما انتقلت قبل ذلك إلى الأراضي الأمريكية. إن معرفتنا بأن احتلالكم للعراق ودعمكم للظلم الصهيوني هو سبب ردود الأفعال في الساحة العالمية، يقودنا إلى إدانتكم أولا، قبل إدانة من يقوم بتلك العمليات.

 

أوقفوا إرهابكم وعدوانكم على الشعوب أولا، وارحموا الإنسانية من الدوامة التي وضعتموها فيها، ثم تكلموا في إرهاب الآخرين ضدكم، يا لصوص النفط، وتجار السلاح، ومنتهكي حقوق الإنسان، وإنني متأكد أنكم لن تجدوا هذا «الإرهاب» بعد ذلك.