المشروع الامبراطوري الامريكي والمقاومة العراقــــية

 

 

 

بقلم : وجدي أنور مردان

wamardan@hotmail.com

 

( إنّ للولايات المتحدة الامريكية مشروع إمبراطورية كوني. لها الإمكانيات العسكرية لتدمير خصومها. لكنها لا تستطيع السيطرة المباشرة على الدول إلاّ بمقدار ما تسمح لها الدول بذلك. إنّ ما يحصل الآن على أرض العراق هو بمثابة هزيمة إستراتيجية لمشروعها الكوني، وذلك بفضل المقاومة الباسلة الرافضة للاحتلال بكافة أشكاله، والتي شاء لها القدر أن تتحمل وزر الدفاع ليس عن العراق فحسب؛ بل عن كرامة الأمة العربية، وربما عن مصالح الشعوب الحرّة في العالم ). من محاضرة الدكتور زياد محمود الحافظ، الباحث في مركز "عالم الجنوب" بالجامعة الأمريكية بواشنطن،ألقاها في النادي الثقافي العربي ببيروت، في الثالث عشر من آب (أغسطس) 2004. خصصها لاستعراض قضية احتلال العراق وتداعياتها الأميركية.

 المشروع الامبراطوري الامريكي ليس بجديد، انه يعود لبنية النظام الاقتصادي والسياسي التوسعي منذ نشأة الولايات المتحدة الامريكية. وأن دورها الاول والاخير، حسب توماس بارنيت، أبرز محلل استراتيجي في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، ، ليس المبادئ ولا القيم، بل نشر العولمة الرأسمالية وفرضها بقوة السلاح في كل انحاء  العالم”. 

وتكشف جون بيلامي فوستر، استاذة علم الاجتماع في جامعة اروجون، في كتابها  “بوكس امريكانا، عن الوجه القبيه لهذه الامبراطورية قائلة: مع تزايد عدد الضحايا في صفوف العراقيين، والجنود الامريكيين ، ومع الجرائم الفظيعة والتعذيب، التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سجن ابوغريب، وفي غيره، ما أدى الى احتجاجات كثيرة في انحاء العالم، ومع بربرية ووحشية التدخل الامريكي في العراق بكل جوانبه الآخذة في الانكشاف والوضوح شيئا فشيئا، اصبح صعبا اكثر من اي وقت مضى الاحتفاظ بوهم “الامبريالية السخية التي تمارس من خلال الباكس امريكانا”. الذي يعني سيادة السلام والاستقرار في ظل امبراطورية امريكية. لقد اصبحت الامبراطورية الامريكية في نظر العالم ، بوكس امريكانا، - أي وباءً امريكياً، لا سلاماً أمريكياً - وأصبح فضح دواخلها للعالم ضرورة ملحة.

يستنتج الكاتب "عما نويل تود" في كتابه ( بعد الإمبراطورية، محاولة حول تصدأ النظام الأمريكي) الصادر في باريس عام 2002، أن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش في هوس الشر ، ليس فقط القادم من خارج حدودها الجغرافية وإنما في داخلها وفي قلبها.

 أنها أصبحت دولة مرعوبة!! تعيش تحت كابوس وهاجس الخوف الدائم. فقدت على اثرها توازنها وحصافة سياستها، مما سببت قلقا بالغا لأوربا، لأن أمريكا ، حسب تقييم الزعماء  الاوروبيين، لو تركت منفردة في هذا الوقت العصيب التي تمر بها فانها ستتهور في اتخاذ قرارات سياسية غير حكيمة، قد يجر العالم الى مخاطر وويلات لاتحمد عقباه، فالثقة الأوروبية والعالمية في حكمة صانعي السياسة في أمريكا لم تعد كما كانت قبل غزو العراق واحتلاله.

أوروبا، ايضا، تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب، ولكنها لا تريد أن تفرض قيمها ومعتقداتها على شعوب العالم بالقوة والقفز فوق القوانين الدولية، بينما الرئيس بوش يرى أن أمريكا تحمل تكليفا الهيا، بصفتها أعظم قوة في العالم، لنشر رسالة الخير للعالم والانسانية، ولأجل ذلك فانها يجب ان تنشر الديمقراطية والحرية والقيم الامريكية في العالم، لأن قيمها صادقة وقوية وحقيقية وضرورية لكل إنسان في أي مجتمع. الغرور الاعمى بعينه!

ارادت امريكا ان تعلن للعالم عن مولد امبراطوريتها الحقيقي ( بتحرير العراق)! ورسمت لجعل العراق جوهرة تاج الامبراطورية الامريكية، كما كانت الهند جوهرة التاج البريطاني. ولكن حسابات الحقل ليست كحسابات البيدر كما يقولون. زمجرت المقاومة العراقية الباسلة ليلة أسر بغداد الحبيبة، بوجه الامبراطور الذي نشر ريشه كالطاووس، وأذا بأبناء العراق الشرفاء يتحولون الى سيوف بتارة وخناجرة خارقة تنهال على رؤوس جنوده ومرتزقته وتنهش اجسادهم، وأثخنوهم جراحا على مدى عامين كاملين.. وسحنت المقاومة أمريكا وجيشها الامبراطوري الى المستنقع العراقي الذي لاقرار له، ومن يومها تغوص فيه رويدا رويدا ولاتفيدها صراخها وطلب النجدة من الامم المتحدة واوربا التي تنكرت لها. ويما بعد يوم يتعقد الوضع الامني والسياسي والاقتصادي في العراق، فان جميع الكرنفالات والانتخابات ومسرحيات الجمعية الوطنية وتعيين الرؤساء والوزراء، ما هي الا، عرس واوية، كما يقول المثل العراقي الشعبي.

يعترف بروس هوفمان، الخبير في مكافحة المقاومة قائلا: ان الوضع أكثر تعقيداً وتحدياً من أي حركة مقاومة أخرى واجهها الجيش الأميركي، لا سيما وأن المقاومة العراقية تسعى لزعزعة الحكومة العراقية  المدعومة من قبل الولايات المتحدة، كما تسعى لتوجيه الضربة تلو الضربة لها ولجميع حلفائها من العراقيين والأجانب. وأضاف:  أن  المقاومة العراقية تحرز نجاحاً ملحوظاً تعكسه أرقام القتلى والجرحى المتزايد. وأن مناخ الرعب الذي خلقته تسبب في وأد جهود إعادة البناء التي تقودها الولايات المتحدة في العراق.

عقدة فيتنام كانت نائمة، ايقظتها المقاومة العراقية، وأرسلتها ملفوفة بالعلم الامريكي لتدق من جديد ابواب العوائل الامريكية، كذلك أجبرت المئات من الجنود الامريكان على رفض الخدمة العسكرية والهروب من أرفه جيش في العالم واقواها واغلاها تجهيزاً. فضلا عن الهروب فقد زاد معدلات الانتحار وأيذاء النفس واللجوء الى  القضاء لوقف قرار البنتاجون بارسالهم الى العراق على غير ما تعاقدوا عليه .

فالجندي الأمريكي جيريمي هينزمان الذي رفض الخدمة في الجيش الأمريكي ، طلب اللجوء السياسي الى كندا، كشف النقاب عن وقوع عمليات إجرامية مشينة ضد مدنيين عراقيين، و ان وحدته قتلت أكثر من ثلاثين مدنيا عراقيا خلال يومين فقط، وبأنه فر من الجيش كي لا يقتل أبرياء ، كما كشف عن تعرضه لحالة انهيار عصبي وأن عدد كبير من رفاقه مصابون بأمراض نفسية يصعب شفاءه .

 أنها عقدة فيتنام ، تطل برأسها من جديد، بعد ان عملت أمريكا لأكثر من ثلاثة عقود لكي تظل نائمة اوتنمحي من الذاكرة الجمعية الامريكية، ايقظتها المقاومة العراقية الباسلة وباتت تؤرق الجيش والمسؤولين الامريكان، ترافقها عقدة جديدة تسمى بلعنة العراق.

فكلما ازداد عدد القتلى والجرحى وتسارع الهروب من الخدمة في أقوى جيش في العالم، واكثرها تسليحا وعدة وتكنولوجيةً، كلما أزداد، اولاد الملحة الابطال، صلابة وقوة وبأسا وشكيمة وايمانا، وهم يفطرون ويتغذون ويتعشون الخبز اليابس الحافي. أنهم يلبون نداء الوطن المحتل، فعندما يلبى الانسان نداء الوطن، ويقول لبيك، فلايتعب بعده  ولايجوع ولا يظمىْ.

وهذا ما يؤكده، الخبير العسكري الامريكي، هينزمان قائلا: أن المقاومة، بعد معارك الفلوجة الثانية، ازدادت شدة وقوة وإتساعاً وهو ما اضطر المتحدث العسكري الأميركي الى الأقرار بصعوبة القضاء عليها . وأن نتائج معارك الفلوجة كانت كارثية على القوات الامريكية وقد أدت الى إتساع دائرة السخط والرفض للاحتلال والمتعاونين معه حيث أد المجازر الوحشية التي  كشف، جزء يسير، عنها في الفلوجة الى زيادة منسوب العداء للقوات الأميركية مما يصب في صالح تعزيز المقاومة عبر دفع فئات جديدة من الشعب العراقي، إما الى الانخراط فيها أو تقديم التسهيلات والدعم لها. كم أد الى إزدياد القوى العراقية الداعية الى رفض الاحتلال والمطالبة باعلان عن جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من العراق، وهكذا سقطت أهداف الهجوم على الفلوجة، فالمقاومة ازدادت قوة وشعبية وانتشارا، والولايات المتحدة أصبحت أكثر غرقاً وتورطاً وعرضة للاستنزاف. وما اللجوء الى التعتيم الاعلامي واخراج مسرحية الاعترافات عبر قنوات الفضائيات، التي هي لعبة قديمة سمجة خبرها الشعب العراقي فيما سبق، ما هي الا دليل على عمق مأزق المحتلين ومرتزقته.

فأزاء اتساع المأزق الامريكي، يطرح السؤال نفسه، كيف ستخرج واشنطن من هذا المأزق؟

يجيب على هذا السؤال، ايفان ايلاند، مدير مركز السلام والحرية في اوكلاند، كاليفورينيا:-

أن تحقيق الانتصارات في المعارك، وخسارة الحرب النهائية هي السمة الغالبة في الحروب التي تُخاض ضد التمرد ( المقاومة). لقد انتصر الفرنسيون في معركة الجزائر (العاصمة) لكن قوتهم أنهكت في آخر الأمر على يد الثوار الوطنيين الجزائريين. ففي حرب فيتنام، وتحديدا في هجوم تيت عام 1968 ـ وهو الهجوم الذي تم فيه اكتساح فيتنام الجنوبية من قبل الفيتناميين الشماليين والفييت كونج ـ انتهى الهجوم بانتصار عسكري للولايات المتحدة ونهاية الفييت كونج كقوة قتالية فعّالة. لكن من الناحية السياسية، نجح الهجوم الشيوعي القوي والجريء في تكذيب تأكيدات إدارة الرئيس جونسون بأن الولايات المتحدة كانت تكسب الحرب، وأدى هذا في آخر الأمر إلى هزيمة الولايات المتحدة عندما بدأ دعم الرأي العام الأمريكي للحرب بالانحسار. 

ويضيف ايلاند قائلا: فيما يبدو، أننا فقدنا بوصلتنا ووجهتنا تماما، مع هذا الفشل الذي نحصده في العراق.  وأن تراب الخيبة يكيل أفواهنا هناك ، فنحن لا نزال عاجزين عن تأمين الطريق المؤدية إلى مطار بغداد، بل وحتى عن تأمين جنودنا داخل ثكناتهم العسكرية، ضد هجمـات ( المتمردين) العراقيين، ناهيك عن تأمين بلد بكامله في حجم العراق!

في دراسة، اشار اليها الدكتور محمد العبيدي في مقاله، الدعم الشعبي للفعل المقاوم، قدمها ستيفن ميتز، مدير قسم البحوث في معهد الدراسات الاستارتيجة لكلية الحربية الامريكية،  قال فيها (( إن الرهان على العراق هو رهان خطر وجسيم، فإن لم ننجح هناك فسيعني ذلك أن العالم سيعود إلى نظام جديد ذو قطبين. وإذا نجحنا في العراق فإننا سننجح في كل مكان. إن العراق بالنسبة لنا هو ساحل الأمان وحالة الإختبار والمختبر في نفس الوقت. وإن لم ننجح في العراق فإن ذلك سيعني بأن إعادة إستخدام القوة في بلدان أخرى سوف لن ينجح، لذلك فنحن بحاجة إلى ستراتيجية مصممة بعناية ومنفذة بدقة من أجل القضاء على "التمرد" في العراق)). أن الفشل الأمريكي في العراق، برأي قادة اليمين المتطرف ومخططي  الاستراتيجيات الامريكية، سينهي وإلى الأبد أسس الستراتيجية الدولية لأمريكا، وبمعنى آخر ينهي مشروع الامبراطورية الامريكية. انه فشل غير مسموح به، وفي حالة حدوثه، انشاء الله، سيكون كارثة رهيبة على الحضارة الغربية على حد تعبير كيسنجر. ولهذا السبب فإن العراق أصبح بالنسبة لأمريكا أسوأ من فيتنام ،لأنها إذا إنسحبت من العراق الآن بفعل المقاومة الباسلة، ستفقد هيبتها عالمياً وتتضرر بشكل لا يمكن معه إصلاحه.

فخلال العامين الماضيين ، بدأ العالم يدرك أن أحد الأسباب الرئيسية لنجاح المقاومة العراقية هي أنها مقاومة ذات خصال فريدة  لا تشابهها أي من حروب المقاومة الشعبية الأخرى في التاريخ، في سرعة اندلاعها وأساليب عملياتها الخاصة ، الامر الذي خلق ارباكا واضحا في صفوف قادة  ومخططي العدو المحتل، لعدم معرفة حجم وخواص وطبيعة التشكيلات القيادية الميدانية للمقاومة. ففي بداية انطلاقتها الميمونة، وصفها  وزير الدفاع رامسفيلد، بانها تتكون من حفنة من اليائسين و فلول النظام السابق ثم تراجع وقال بانهم عدة الاف من المقاتلين العرب والاجانب وازلام صدام، الى أن مرغت المقاومة انف أقوى جيش في العالم بالتراب، عندها اعترفوا بانهم أكثر عددا من قوات الاحتلال ومرتزقتها  وانهم بحدود 200 ألف مقاتل وأن المقاتلين العرب لايشكلون سوى 2% من المقاتلين العراقيين.

لقد تطورت المقاومة العراقية، خلال العامين الماضيين تطورا كبيرا ، سواءً من جانب  العمليات النوعية  التي نفذتها أو في حجم الخسائر التي الحقتها بالعدو الغاشم أو حالة الارباك والفوضى التي بثتها بين قوات العدو المحتل، وبهذا الصدد، يقول ستيوارت نوسباومر، عضو  المنظمة الأمريكية لمناهضي الحرب على العراق وأحد المحاربين القدماء: أن المقاومة الوطنية العراقية تقوم بعمل متين وفعال، حيث أن الأمن في العراق يسير من سئ إلى أسوأ، وأن مناهضة الإحتلال تزداد يوماً بعد آخر وأن ذلك يشجع ويزيد الفعل المقاوم ويعطي المقاومة الدعم المستمر الذي تحتاجه لتطورها وزيادة فعالياتها القتالية، وهذا يشبه ما حدث في فيتنام كما أراه على الأرض العراقية.

حتى الان نجحت المقاومة العراقية الباسلة في افشال المشروع الامريكي في العراق، لتغيير خارطة الشرق الاوسط و الهيمنة على العالم ، وأوقفت عجلته عن الدوران. وعليه تقع على جميع القوى الخيرة في العالم واجب دعم ومساندة حركة التحرر الوطني في العراق والتي تقودها المقاومة العراقية الباسلة. أن من شأن انتصارها على الغزاة  وتحريرها العراق من دنس الاحتلال، هو انتصار لقيم الخير والانسانية والحرية والعدالة والحق. أن مستقبل منطقة الشرق الأوسط، والعالم، بات مرتبطا بإنتصار هذه المقاومة الوطنية التي تناضل وتكافح وتجاهد نيابة عن شعوب العالم اجمع، لكي تسود العدالة والحرية ودحر الامبريالية ومشروعها الامبراطوري ومخططات المحافظين الجدد للهيمنةعلى العالم واستعباده.

أن الخبراء في شؤون حرب العصابات ( المقاومة) مقتنعون بأن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها، وأنها مسألة وقت لا أكثر إلى أن تعلن القوات المحتلة إنسحابها من العراق".

أن إندحار أمريكا عند بوابات بغداد بات وشيكا، وهروبها من بلاد الرافدين، قاب قوسين أو أدنى. وبداية فجر التاريخ الانساني الجديد يلوح في أفق مهد الحضارات من جديد.

 

اللهم احفظ العراق وأهل العراق