العنف والحرية... المتلكئة!
بقلم: صلاح
الدين حافظ
salahhafez22hotmail.com
أخيرا، وبعد ولادة
تعثرت طويلا، صدر قبل ايام التقرير الثالث للتنمية الانسانية العربية بعنوان حاكم
هو »نحو الحرية في الوطن العربي«، دائرا في فلك سياسي اجتماعي فكري واحد، مع
التقريرين السابقين، قاصدا البحث عن طريق نحو النهضة العربية الحديثة، وهادفا ايضا
للاجابة على استفسار ملح هو لماذا لم تهب علينا رياح الحرية والديموقراطية التي
تلف العالم حتى الآن، وبدلا منها اندلع العنف!
وتتالت محاولات
الاجابة على اسئلة واستفسارات عديدة من نوع، لماذا نحن فقط اصحاب الحكم الشمولي
والاستبدادي، لماذا فشلت تجارب الاصلاح من قبل، لماذا لم نعرف »الحكم الصالح
الرشيد« القائم على آليات ديموقراطية، لماذا تخصصنا في الاصلاح بالقطعة »الجزئي
المبتور«، لماذا نظم حكمنا تفتقد الى الشرعية الشعبية القائمة على الانتخاب الحر،
لماذا الحريات العامة، خصوصا حرية الصحافة والرأي والتعبير منتهكة، أليس كل هذا
دوافع للعنف والتطرف؟!
حسنا.. صدر التقرير
الذي تشرف عليه الامم المتحدة »البرنامج الانمائي« وشارك في اعداده، كما في اعداد
التقريرين السابقين، مئات من خيرة العقول والرؤى والمثقفين والمتخصصين العرب،
ليرسم خريطة طريق طويل نحو النهضة العربية، وليحاول سد فجوات عديدة، مثل النواقص
الثلاث الشهيرة، نقص الحرية، ونقص المعرفة، ونقص دور المرأة في المجتمع!
وأحسب ان ضجيجا وصخبا
عاليا، سوف يلف الآفاق حول التقرير الثالث هذا، لأنه الاكثر حساسية والاكثر جدلا
واثارة، ولأنه يتناول بالدراسة والفحص والنقد المنهجي والصراحة الجارحة، القضية
الاساس والمطروحة بشدة هذه الايام، قضية الحرية والديموقراطية واقامة الحكم الرشيد
في بلادنا، الموصومة تاريخيا بالاستبداد!
فقد عودتنا التربية
السياسية المغلقة في ظل النظم الحاكمة، على عدم مصارحة أنفسنا بنواقصنا، من أجل
تصحيحها، مقابل تقبل نقد نواقصنا وتشريح فسادنا واستبدادنا، ان جاء من الخارج،
وهذه عقدة أخرى!!
في هذه المرة، الامر
مختلف، بحكم ما ورد في التقرير موضع كلامنا، لأنه يدرس ويتعمق، يشرح ويفسر، ينقد
ويهاجم باسلوب علمي وموضوعي الى حد لافت للنظر، نظرنا ونظر الآخرين..
وهو بحكم هذه
الموضوعية والاسلوب والمنهج النقدي، تقرير خلافي بالضرورة، وحمّال أوجه، نؤكد
مسبقا ان حكوماتنا »الرشيدة!!« سوف تنظر اليه على انه منشور مضاد ومعاد، هدفه
التشهير بها في الخارج، والتحريض عليها في الداخل، وربما سوف تضع كاتبيه في خانة »العملاء
المضللين«!
وفي المقابل تأخذ منه
امريكا ومعها اوروبا، الضاغطة من اجل الاصلاح الديموقراطي في بلادنا، »شهادة شاهد
من أهلها«، وتستغله بالتالي سلاحا للضغظ والابتزاز ضد النظم العربية الحاكمة،
المتهمة بالفساد والاستبداد، ومبررا جاهزا للتدخل في الشؤون الداخلية، كما فعلت من
قبل بالتقريرين الأوليين، وصولا لاستشهاد الرئيس بوش ووزير الخارجية السابق »كولن
باول« والوزيرة الحالية »كوندوليزا رايس« بفقرات من هذين التقريرين، بل أقاموا أو
برروا بمعنى أصح، مشروع الشرق الأوسط الكبير والموسع، بكثير من جوانب النقص التي
جاءت في التقريرين.. فما بالك بالثالث؟!
ومن كل الأحوال قلبي
على واضعي التقرير والمشتركين فيه، لأنهم سيصابون بالرصاص الطائش في ساحة الصدام
حول الاصلاح الديموقراطي، سيصابون بالنيران الصديقة والعدوة على السواء، ومعهم
للأسف كل دعاة الاصلاح الحقيقي!
وبصرف النظر عن هذا
وذاك، فالحقيقة انه في رأينا الشخص، »تقرير حال ونقد أوضاع ودعوة اصلاح ونداء
مستقبل وبرنامج عمل ومشورة تطوعية ونصيحة خالصة« لمن شاء ان يستجيب من حكامنا،
لنداء الشعوب وصحوتها الظاهرة ومطالبتها القوية بالتغيير واطلاق الحريات وبناء
الحكم الصالح، قبل الخضوع والانصياع للضغوط الامريكية المدعومة اوروبيا، التي تفرض
كما يعرف الكافة، وصفتها وقيمها وأهدافها من الاصلاح الديموقراطي الذي تعنيه،
والذي قد يوافق اوضاعها وقد لا يوافقها او يوافقنا!
ولا أدري على وجه
الدقة، أيهما يسند الاخر اكثر ويدعمه، هل صدور التقرير في هذا التوقيت اللاهب بما
فيه من نقد صارخ لغياب الديموقراطية وانتهاك الحريات وشيوع الفساد والاستبداد في
بلادنا، وبما يحمل من اقتراحات عملية وبرامج عمل موضوعية، يساند ويدعم هبة الشارع
وصرخة المظلومين المتهورين، ومسيرات الاصلاح، التي تعبر عن حراك سياسي اجتماعي
يكتسب قوة وعنفوانا كل يوم، استباقا للتدخل الاجنبي..
ام ان هذا الحراك
المتسع الذي يستقطب الناس ويعبىء المجتمع المدني، هو الذي يدعم الافكار الحاكمة
والمطالبة المشروعة التي جاءت في ثنايا التقرير، نحو الحرية، ورفضا لتلكؤ الحكومات
وتهربها من الاصلاح الوطني الحقيقي، حتى فاجأتها الضغوط الخارجية والمتغيرات
الدولية، وهي من اشد الأوضاع حرجا، حيث غضب وتمرد من الداخل، وعنف مدمر يهدد
الجميع، وجيوش اجنبية تستبيح السيادة الوطنية للدول، واصلاحات مستوردة يجري فرضها،
وعلى العاصي غرور الدوائر!!
ولأن هذا المقال في
هذه المساحة المحدودة، لا يتسع للإلمام بكل القضايا والافكار الحاكمة في التقرير،
فانني التقط بعضها، وخصوصا قضية »شرعية نظم الحكم« في بلادنا، وكم نعلم أنها بالغة
الحساسية ليس من ناحيتنا، ولكن من ناحية اصحاب الحكم، لانها من البداية ولأنهم في
النهاية، جاؤوا الى السلطة بطرق تفتقد الشرعية الشعبية، أي تلك القائمة على الاختيار
الحر والانتخاب النظيف من جانب المواطنين الاحرار..
وهي في معظمها، كما
يصنفها التقرير، نظم فردية شمولية مطلقة السلطات، تفتقد الشرعية الشعبية
والدستورية، تعلو على المحاسبة وترفض المساءلة، وتحتقر الشفافية وتصادر المشاركة،
وتنكر بالتالي تداول السلطة، وتكبت حرية الصحافة والرأي والتعبير، مثل كل الحريات،
وتنتهك حقوق الانسان، فماذا بقي لها من غطاء يمكن ان يضفى عليها أي شرعية؟!
ولا يكتفي التقرير
بشرح الحال وتفسير المقال، لكنه ينصح هذه النظم بقلب الاسطوانة، اي بالقيام بعكس
ما تقوم به الان، حتى تستقر الاوضاع وتتقدم الامة وتنهض الاوطان... فهل يمكن ان
يحدث هذا في حياتنا؟!
وبالمقابل.. ماذا
سيحدث ان لم تبادر نظم حكمنا بالاصلاح المجتمعي المطلوب... هنا يضعنا التقرير امام
القضية الحاكمة الثانية، التي أريد ان أتوقف أمامها، وهي قضية »التحذير من اندلاع
العنف«، إن ظلت الاصلاحات تتلكأ في الطرقات..
لا أظن أن هناك من
ينكر تنامي مظاهر العنف الدامي على امتداد الخريطة العربية، من المغرب الى العراق،
ومن الجزائر الى السعودية، ومن مصر الى السودان، ومن اليمن الى فلسطين ولبنان، لم
تعد دولة واحدة بمنجاة من هذا الخطر الأسود، لا الدول الغنية ولا الفقيرة، لا
الدول الكبيرة ولا الصغيرة، لكن الداء تسلل الى الشرايين.. فلماذا؟!
لا ننكر ان اسرائيل
جزء رئيس من مكونات ومشعلات العنف، ولا ننكر ان الحروب الامريكية الهاجمة باسم
مكافحة الارهاب، محرض آخر وقوي للعنف ومثير جديد للمقاومة، وربما التطرف ايضا،
لكننا في المقابل لا يجب ان ننكر ان تربتنا وبيئتنا الداخلية هي الارض التي يشتعل
فيها وعليها العنف الآن، وهذه هي القضية الحاكمة التي عالجها التقرير المثير...
ان تحالف الفقر
والقهر »غياب التنمية والديموقراطية« من الداخل، وهجوم التدخل الاستعماري الجديد
والهيمنة الامريكية من الخارج، يؤدي حتما الى انفجار العنف والرفض والتمرد في
الشارع، ويطلق العنان للمسيرات والمظاهرات المطالبة بالاصلاح الحقيقي، واطلاق
الحريات والعودة لحق المواطن في انتخاب حاكمه، والتعبير عن رأيه بكل الطرق
الشرعية، التي قد تنقلب الى طرق غير شرعية، ان ظلت القنوات مسدودة والطرق مغلقة في
طريق الامل والمستقبل..
بقيت ملاحظتان نختتم
بهما اليوم، الأولى تحذيرنا العالي من اعتبار البعض ان هذا التقرير هو »مانفستو
الثورة الجديدة«، واعتبار البعض الآخر انه مجرد »منشور تحريضي« معاد يستحق العقاب...
هو في الحقيقة تقرير حال ومشورة تطوعية ونصيحة خالصة..
والملاحظة الثانية هي
هذه الازدواجية الامريكية الفجة، واشنطن ترحب بالنقد الوارد في التقرير للأوضاع
العربية المتخلفة، وخصوصا للاستبداد الحاكم، لكنها تغضب وترفض مجرد ذكر كلمات عن
الاستبداد العدواني الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وتحتج على قول التقرير ان
الممارسات الدامية لقوات الاحتلال الامريكي في العراق قد ساعدت على اندلاع العنف
في المنطقة!!
وبسبب ضغوط هذه
الازدواجية، تعدلت صياغات عدة في التقرير..
خير الكلام: قال تميم
بن مقبل
همُ المانعونَ الحقَ
من عندِ اصلِهِ
بأحلامهم حتى تصابَ
مفاصله