( 2 ) الشعوب بين الإحباط والغضب والثورة

 

 

 

بقلم :  د.صلاح عبد المتعال

samotal50@hotmail.com  

 

ما زال السؤال مطروحا ، هل تصيب الشخصية القومية لشعب من الشعوب أمراض وعلل نفسية  ؟ شأن المريض النفسى. وإذا كانت للأمراض النفسية لهاعوارض يستدل بها عليها وأساليب لعلاجها تعارف عليها الأطباء وعلماء النفس، فإن الأمراض الأحتماعية والنفسية اذا ما ظهرت بين الجمع من الأقوام من الناس  بأن تأخذ شكل وبائى كما اخبرتنا الأنباء عن انتشار الإكتئاب بين مائة مليون صينى كما ذكرنا فى صدر المقال السابق ،لن نسير على نفس منوال العلاج كما يحدث للمرضى النفسيين من الأفراد . فالعوامل والمسببات قد تكون مشتركة ازاء الأفراد والجماعات  .

 

فالقهرمن الأب أو الدولة اذا أدى الى الإحباط فالكبت وارد الحدوث على الفرد أو الشعب ولكن قد تختلف ردود الأفعال فالمرض النفسى محتمل الحدوث لأنه قد يكون رد فعل عدوانى الى داخل نفس المريض الفرد باعتباره غير قادر على مواجهة الموقف .وفى كلا الحالتين فقد بصاب فى حالة العدوان على النفس من الداخل بأمراض عصابية وهذا نوع من الإنحراف عن السواء والنوازن النفسى : وقد يوجّه عدوانه الى الخارج وذلك نوع من الإنحراف الإجتماعى قد يتخذ أشكالا من التمرد ضد القهر الأبوى كالمروق عن سلطته أو ارتكاب بعض أفعال التمرد و الإتحراف بالعدوان اللفظى أو البدنى على الغير فى الأسرة أو خارجها ( فى الشارع أو المدرسة أو المواصلات أو بين الحشود فى الملاعب الرياضية ) .

 

أما التسلط السياسى الاستبدادى فهو القهر العام الذى يجرد جموع الشعب من أهم حقوق الإنسان الأساسية فحق العمل ضائع بين ظاهرة البطالة التى صنعتها عشوائية السياسة الإقتصادية وسوء استغلال السلطة . ووحقوق الحرية التفكيروالتعبيروالتنظيم قد سحقتها أنظمة التسلط والإستبداد تحت أقدام القوانين سيئة السمعة وعلى رأسها قانون الطوارئ التى يحتمى تحت ظلة المنتفعون والمتسلقون ، أى سدنة هذه النظم والذين يتفننون فى تبرير الإجراءات القهرية بأقلام مهزومة أو مأجورة أوبمهارة ترزية القوانين ، الذين أبّدوا مدد رئاسة البلاد واستبعاد تحديد لفترة واحدة أو فترتين . وعادة ما تؤدى هذه الضغوط السياسية القهرية ، كما تدل الشواهد التاريخية فى الشعوب التى ذاقت من ظلم ليل سياسى طويل ، أن مرت بعدة مراحل من المحن والإبتلاءات خلال جهود  التخلص والتحرر من براثن الظلم السياسي والإقتصادى سواء كان من الخارج  لاستعمار جاثم على الصدور أو من الداخل بنظم ديكتاتورية فردية أوشمولية .

 

لا شك أن ضغوط الظلم الإقتصادى والسياسى التى تستمر عقودا متتابعة من شأنها أن تؤثر على الوجدان الإجتماعى العام فاذا تسرب اليأس الى نفوس الأفراد والجماعات ورسخ الإحباط فى صدورهم دون قدرة على مجابهة تلك الضغوط ؛ فإما أن تتوجه ردود أفعالهم الى داخل مجتمعهم مثلهم - مثل المريض النفسى الذى يوجّه عدوانه الى ذاته – وذلك   فى صور  الشعور باللامبالاة والإغتراب وربما الوقوع فى مهالك تعاطى المخدرات أو إدمانها أو النزوع الى الغلو الدينى والإتجاه نحو التطرف باسم شعارات دينية مغلوطة لا تنتمى الى الدين الصحيح بصلة ، وأيضا هجر قيم التسامح الذى إشتهر بها الشعب المصرى على مدار السنين وبذلك تتفاقم نماذج التعصب المرضى سياسيا كان أم دينيا . ويجد المحرضون من العدو الخارجى تربة خصبة لزرع بذور فتن طائفية .

 

وتدل الشواهد التاريخية أيضا أن إستمراء المحتكرين للسلطة المستبدة ، مستعمرا كان أم حاكما متسلطا ، تؤدى بالضرورة الى تراكم مشاعر الإحباط والكبت السياسى التى تجد طريقها بشكل تلقائى ، مهما طال الزمن ، الى إعتمال الغضب فى الصدور ، وبفضل النخب المخلصة الصالحة لقيادة الجماهير ، تنعقد إرادة الأمة على طرح أمراضاها النفسية والإحتماعية جانبا والشفاء منها وتتوجه من منطلق الثورة على الظلم الإستعمارى والسياسى الى تحويل غضبها وطاقاتها المخزونة ، هكذا حدث فى الثورات العربية كثورة  مصر1919 وإنتفاضة القسام الأولى بفلسطين الثلاثينات وما بعدها فى إنتفاضات تلاث ، وكذلك فى ربوع الشام والمغرب العربى ، وقد تحولت إرهاصات الأربيعينيات بعد الحرب العالمية الثانية الى التعبير عن غضب الشعب المصرى ورفضه الإستيئاس فى شكل مظاهرات طلابية وشعبية عارمة هزّت عروش الملوك وحدث التغييرإانقلابيا ثم ثوريا ولولا مرض التمركز حول الذات وإحتكار السلطة اللعين وسوء استغلالها لكان لمصر والعالم العربى شأن آخر فى عالم اليوم والغد .