أخطائى

 

 

 

بقلم :  د. إبراهيم عوض

ibrahim_awad9@yahoo.com

 

منذ فترة ليست بالقصيرة خطر لى أن أُخْرِج للقراء كتابا أتحدث فيه عن الأخطاء المختلفة التى وقعتْ فيما كتبتُ من كُتُب وتنبهتُ إليها، وذلك إبراء للذمة من جهة، واستباقا إلى ما يمكن أن يشغب به علىّ بعض الكتّاب من جهة أخرى، ولأعوّد نفسى ويتعود الناس معى على المسارعة إلى الإقرار بأخطائهم دون إحساس بأن فى الأمر ما يشين صاحبه، وأخيرا وليس آخرا لأننى عندما أكتشف أنى قد ارتكبت خطأ (علميا بالذات) فإنه لا يهدأ لى بال إلا إذا تطهرت منه بالاعتراف إذا كان مما يفيد الآخرين أن يعرفوه، إذ أظل أشعر أن على رأسى بطحة، فأنا دائم التحسس لها، ولا أستطيع أن أرتاح إلا إذا كاشفتهم بها رغم أنهم فى الغالب لا يلتفتون إلى شىء من ذلك، إما لأنهم لا يبالون به أو لأنهم لم يتنبهوا إليه أصلا. وكثيرا ما أشرت فى محاضراتى وعلى مرأى ومسمع من جميع الحاضرين من طلاب وطالبات أنى أخطأت فى الكتاب الفلانى أو فى المحاضرة الفلانية فى الموضوع العلانى، وأن الصواب هو كذا، وقد أذكر الأسباب التى أوقعتنى فى هذا الخطإ. وعندئذ، وعندئذ فحسب، أشعر بالراحة! ترى هل أنا من ذلك الصنف من الناس الذين يحبون أن يفضحوا أنفسهم؟ أم ياترى أنا من أولئك الأشخاص المتواضعين، أو على الأقل الذين يحبون أن يشتهروا بالتواضع؟ لا أظن شيئا من ذلك هو السبب فى وجود هذه النزعة لدىّ، بل ربما كان أقرب التعليلات إلى الحقيقة أننى أنظر إلى الأمر نظرة علمية محايدة، على أساس أن هذا خطأ حدث، ويجب من ثم تداركه حتى لا يقع فيه شخص آخر. وربما كان هذا راجعا إلى نزعة التدين عندى، إذ أشعر أن الله هو الحق المبين، وألا شىء يعلو فوق الحق، وأن علينا أن نساهم، حسب قدرة كل منا وظروفه، فى نصرة الحق وتجليته. ومما يسهل الأمر علىّ أننى، والحمد لله، لست من الجهل بدرجة مخزية، فأنا دائم القراءة والتنقير فى الكتب والمراجع، ومن هنا فإذا أخطأت فى شىء فإن عندى ما يعوّض عما أخطأت فيه، فضلا عن معرفتى بأن هذه هى الطبيعة البشرية، وأن الكمال لله وحده، وعلى هذا الأساس فإنى لا أخاف أن أُتَّهَم بالجهل. وحتى لو اتُّهِمْتُ به فهل هذه هى نهاية العالم؟ وهل فى ذلك ما ينقص من قدرى؟ إن البشر جميعا جُهّال بمعنى من المعانى، فعِلْمنا إنما هو مستمد من الله سبحانه، ولولا ذلك ما علم أحد منا شيئا. ثم إن الذكاء والغباء هما رزق إلهى، أما نحن فمجرد أدوات فى يد القدرة الإلهية. وأستطيع أن أمضى فى هذا التفلسف حتى الصباح دون أن يقف عقلى عن إيجاد التعليلات والمبررات التى من شأنها أن تخفف وقع الإقرار بالخطإ لدىّ. ولكن لا بد من الاعتراف رغم ذلك بأن من الصعب علينا أن يرمينا أحدهم بالجهل أو يخطِّئنا على رؤوس الأشهاد. ومع هذا فربما كان العبد لله الآن من أقل الناس حبا للجدل لمجرد الجدل، إذ إننى إذا ما استبان لى خطئى أسارع إلى الإقرار به والاعتذار عنه، وأجد أن هذا أكرم لى من المضىّ فى العناد وركوب الرأس خشية الفضيحة. بل كثيرا ما جاملتُ من يختلف معى وسكتُّ عن الرد عليه أو على الأقل أجبتُه بأن فى كلامه وجاهة رغم تأكدى أن الصواب فى صفى، وذلك رغبة فى وضع حد للمِراء الذى نهانا الرسول عن الانسياق وراءه. بيد أنه ينبغى أن أصارح القارئ بأنى لم أكن هكذا من قبل، إذ كنت فى شِرّة الشباب لا أطيق أن يغلبنى غالب ما دمت أعرف، أو على أقل تقدير: أتصور، أنى على الحق. ومن المؤكد أن لتقدم السن دخلا فى ذلك، كما أن لتحذير الأطباء من شدة الانفعال والتوتر مدخلا فى هذا أيضا.

 

ومن ذلك أن بعض من أعرف من مفتشى اللغة العربية قد خالفنى ذات مرة فى مجلس من المجالس حين رآنى أُدْخِلُ "اللام" على عبارة "أول مرة" فأقول: "لأول مرة". وكانت حجته أن القرآن لم يستعمل اللام مع هذا التعبير قط، فأجبته أن القرآن، وإن كان كل ما فيه صحيحا فصيحا، لا يستوعب كل ما هو صحيح فصيح، لأنه ليس معجما ولا بحثا فى الصواب والخطإ اللغويين. لكنه لم يشأ أن يسمع، فسكتّ. وهل كان أمامى شىء آخر، اللهم إلا أن أقول له: إنك لا تعرف الأمر كما ينبغى أن يُعْرَف يا صديقى؟ وعندئذ سوف يغضب، وهو ما لا أريده. ومع ذلك فإنى لم أكذِّب خبرا وذهبت فاستقصيت الأمر فوجدت القرآن يقول: "لأول الحشر" ووجدت فى "المعجم الوسيط" وغيره: "لأول وهلة"، ووجدت أن "اللام" كثيرا ما تأتى حتى فى الذكر الحكيم بمعنى "حين/ عند/ فى"، ووجدت أن القرآن عندما يقول : "لأول مرة" فإنه فى الغالب يعنى: "قبلا" ولا يقصد ترتيبا كما قصدت أنا حين استخدمت عبارة "لأول مرة"... إلخ. ومع هذا فإنى لم أجد فى نفسى نشاطا إلى إطلاع الأستاذ المذكور على نتيجة سعيى وتنقيبى وراء الصواب فى هذه المسألة لأنى أحسست أن مبعث الأمر عنده هو الرغبة فى التخطئة والانتصار، إذ عندما رددت على الفور بأن القرآن يقول هو أيضا: "لأول الحشر" بإدخال "اللام" على "أول كذا"، كان جوابه أنها صحيحة فى هذا الموضع فقط، أى أنه لا يرى أن اللغة قياس، بل أشياء تُحْفَظ كما هى دون تعليل. وعندما جاء ذكر بعض علماء اللغة الذين أَوْرَدَهم هو فى مجال تعضيد رأيه وقلت: "لكننى أرى غير ما يراه هؤلاء الأساتذة الأجلاء"، وجدته يلمح إلى أنه لا يحق لأحد أن يقارن نفسه بأولئك العلماء. فعندئذ تبين لى أن أبواب النقاش معه مسدودة، وبخاصة أنى لم أشأ أن أنزل إلى هذا المستوى من التفكير الضيق العنيد فى حضور الآخرين، وهو مستوى لا يصلح له فى رأى بعضهم إلا أن يقال لمن يحاورنا: "ألا تعرف من الذى تناقشه؟". ولو كنتُ فعلتُ لرددتُ على نفسى فى الحال: "طظ فيك يا أخى! ومن تكون بسلامتك؟". مرة أخرى هل كان هناك ما يمكننى أن أفعله غير الذى فعلت؟

 

 ومن هذا الوادى أيضا ما سمعته منذ عدة سنوات من زميل أصغر منى متخصص فى اللغة لا فى الأدب والنقد مثلى تعليقا على استعمالى الفعل "دان" فى تعليق لى بإحدى الندوات متعديا، وهو ما أخذه علىّ قائلا إن هذا الفعل لازم، وإننا إذا أردنا تعديته أدخلنا عليه الهمزة فقلنا: "أدان". ولم يحاول أن يصغى لما كنت أريد أو أوصله إليه من أن الهمزة لا تكون للتعدية ضربة لازب، إذ قد تدخل على الفعل فتقلبه من التعدى إلى اللزوم كما فى "عَرَضَ" و"أَعْرَضَ" مثلا. كما قلت له إننى كثيرا ما رجعت فى صغرى للتحقق من هذا الفعل بالذات، وإننى إذا كنت قد قلت: "دان" بمعنى "جَرَّم" مثلا فذلك راجع إلى الانطباع الذى ترسب فى ذهنى منذ وقت طويل أن هذا الاستعمال صحيح. لكنه لم يلتفت لما قلته هنا أيضا. وعلى أية حال فقد قمت بُعَيْد ذلك بالرجوع إلى المعاجم، فقرأت هذه المادة فى عشرة منها لأجد أن الصيغتين كلتيهما تستخدمان للتعدى واللزوم معا فى كل المعانى التى تدلان عليها تقريبا. وكنت قد أزمعت أن أطلعه هو وصديقه الذى عضده فى موقفه على النتائج التى وصلت إليها، لكنى عدت فقلت لنفسى: لا تشغل بالك، فمن الواضح أنه لا يريد أن يسمع ولا أن يفهم. ثم إننى، إذا حاولت أن أطلعه على ما وجدته فى رحلة البحث فى المعاجم، قد أبدو وكأننى أريد أن أنتصر عليه. ولهذا أمسكت بما وصلت إليه من نتائج فى جيبى، وإن كنت بين الحين والآخر أروى الحكاية لبعض محدثىّ إذا اقتضت الضرورة ذلك كى أدلل لهم على خطإ التسرع فى التخطئة اللغوية الذى كنت أقع فيه أنا أيضا بحسن نية مثل الزميل المذكور.

 

قلت إننى أريد منذ فترة أن أكتب كتابا أسجل فيه أخطائى التى اكتشفتها فى كتبى بعد أن خرجتْ للناس ولم يعد بمستطاعى أن أستدرك هذه الأخطاء إلا فى الطبعات اللاحقة، لكنى كنت أعود فأقول: ينبغى أن أتريث حتى أضمن أنى لن أصدر كتبا أخرى كى يكون الكتاب المزمع إصداره آخر ما أكتب، وإلا عدت مرة أخرى لإصدار كتاب آخر أذكر فيه ما اجترحته من أخطاء بعد ظهور الكتاب الأول. إلا أن هناك مشكلة عويصة هى أننى لا أعرف متى أكفّ عن التأليف، أو متى سأموت حتى يكون إخراج الكتاب المذكور قبل موتى مباشرة! وهو ما لا يستطيع معرفته أى إنسان، فإن الله سبحانه لا يأخذ رأى أحد فى ميعاد موته، أو يخبره بهذا الميعاد. وهكذا يرى القارئ الحيرة التى أنا فيها، وإن كنت فى ذات الوقت أنتهز صدور كتبى الجديدة فأنصّ فى المقدمة عادة على أننى متأكد من وجود أخطاء فى الكتاب الذى بين يدَىِ القارئ رغن تدقيقى الشديد بل المبالغ فيه فى تصحيح تجارب الطبع، وكل ما هنالك أنى أتمنى على الله ألا تكون أخطاء فادحة ولا فاضحة. وأنا، فى الواقع، أقصد كل كلمة بل كل حرف مما أقوله حينئذ، وليس الأمر مجرد شقشقة باللسان أو ترديد لما يقوله الناس فى مثل هذا الموقف. إنما هو كلام صادر من أعماق القلب. وأحسب أن الأمر واضح الآن للقارئ بحيث لا أحتاج أن أبرهن على صدق ما أقول. ولكن لأنه قد قيل: "ما لا يُدْرَك كله لا يُتْرَك كله" فقد رأيت أن أخرج من هذه الحيرة بكتابة المقال الذى يطالعه القراء الآن، طالبا منهم أن يبلِّغ الشاهدُ منهم الغائبَ بما أقوله هنا، وأن يأخذوا ما أقوله على أنه مجرد تمثيل لأخطاء أخرى لا أستطيع تذكرها الآن، ولأخطاء ثالثة سوف أرتكبها بالتأكيد فيما بعد إن قُدِّر لى أن أكتب شيئا آخر.

 

والآن إلى التمثيل على الأخطاء التى يجدها القراء فى كتبى: بعض هذه الأخطاء لا دخل لى فيه، إذ هو راجع إلى ما يعرف بالأخطاء المطبعية. ومعظم هذه الأغلاط يتعرف إليه القارئ بسهولة ويعرف وجه الصواب فيه، ويدرك عادة أنه راجع إلى الطباعة لا إلى المؤلف, ومع ذلك فإن بعض هذه الأغاليط مما يصعب التنبه إلى أنها أغاليط مطبعية، وبخاصة إذا ترتب عليها غلط فى اللغة. ومن ذلك مثلا ما اكتشفته فى كتاب لى من أن الطباع قد استبدل بكلمة "المسلمين" كلمة "المسلمون"، وهو غلط نحوى لا يغتفر، إذ إن الكلمة الأولى منصوبة ، على حين أن الثانية مرفوعة، وهذا غير ذاك. وأغلب الظن أنه، غفر الله له، حسب أن الأخيرة هى الفصيحة، بطريق المغايرة للأولى التى لا نستعمل غيرها فى كلامنا العامى. ومن هذا الوادى ما عثرت عليه فى كتاب آخر، إذ كتب الطابع عبارة "لم يستطع" بـ"ياء" بعد "الطاء" هكذا: "لم يستطيع"، وهو عيب فاحش، وبخاصة بالنسبة لواحد مثلى ينبغى ألا يقع فى مثل هذه الأخطاء. والمضحك أنى قد أخذت هذا الخطأ ذاته على مترجم الرواية التى كنت أتكلم عنها حينذاك، فبدا الأمر وكأنى المعنىّ بقول الشاعر:

 

                         لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتىَ مثله ** عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

 

لكن ما العمل؟ هذا ألله، وهذه حكمته! ومن هذا أيضا أننى فى الدراسة المقارنة بين الآجُرّوميّة العربية والإنجليزية فى مقدمة كتابى: "الترجمة من الإنجليزيةـ منهج جديد" قد مثَّلْتُ لكل صورة من صور الشرط فى الإنجليزية بمثال. لكن الطابع قد وضع الأمثلة كلها فى غير أماكنها الصحيحة، إذ كان الكتاب يُطْبَع بطريقة التيبو، حيث يُكْتَب السطر كله كتلة واحدة. لكن لما كان فى السطور التى أتحدث عنها كلام بالعربية، وآخر بالإنجليزية، فقد عمد الطابع إلى ترك فراغ للكلمات الإنجليزية كى يصُفّها على حِدَة ويُسَقِّطها فيه فيما بعد، وهو ما لم يفلح فيه رغم تصويبى إياه فى تجارب الطبع الثلاث مما ما اضطرنى إلى تصحيحه بيدى (على كرهى لذلك) فى الطبعة الثانية المصورة من الطبعة الأولى. وأحيانا ما ينسى الطبَّاع كلمة واحدة فينقلب المعنى رأسا على عقب كما هو الحال فى ترك كلمة "لا" مثلا.

 

هل معنى ذلك أنى لا أخطئ فى اللغة؟ حاشاى أن أقول هذا، فالخطأ وارد فى كل الظروف. ألستُ بشرا؟ ألم يقل سيد المرسلين: "كل بنى آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون"؟ ومن الأمثلة على ذلك ما وقع منى فى كتابى عن تسليمة نسرين وروايتها "العار"، إذ قلت عن أمر من الأمور إنه "يُؤْتِى بثمرته". والمفروض أن أقول: "يَأتى بثمرته"، أو "يُؤْتِى ثمرته" من غير باء. أما "يؤتى بـ..." فلا أعرفها. وأذكر أننى حين كتبتها كنت مرهقا ومريضا، وكأن ذهنى قد غاب عنى. كما أذكر أننى كنت أشعر أن هناك شيئا غير سليم، لكنى لم أتبين وقتها كنه ذلك الشىء. ومع هذا فما إن ظهر الكتاب، ولم يعد ثمة سبيل للرجوع، حتى تنبهتُ لما وقعتُ فيه، ولكن بعد خراب بصرة! وفى كتابى: "لكنّ محمدا لا بواكىَ له" وقعتُ فى خطإ أشد، إذ أعربت الفعل المضارع المجزوم بحذف حرف العلة فى آخره بـ"لا" الناهية، على أنه فعل أمرٍ مبنىّ، مع أننى دائم التحذير للطلاب من هذا الإعراب الذى لا أنسى فوق البيعة أن أنبههم إلى تأثرنا فيه بما يقوله الأوربيون عن الأمر المُثْبَت (وهو الأمر عندنا) والأمر المنفىّ (وهو عندنا المضارع المجزوم بـ"لا" الناهية). أى أننى قد وقعت هنا أيضا فى الحفرة التى دائما ما أحذّر منها الطلاب، برغم أننى قد راجعت الكتاب عدة مرات، وراجعه ابنى معى، وكذلك زوجتى، وكلاهما ممن لا تفوته عادةً هذه الغلطة. أليس ذلك أمرا مضحكا؟ بلى والله إنه لكذلك!

 

ومن الأخطاء التى يجدها القارئ فى كتبى أخطاء الاستشهاد بالآيات القرآنية اعتمادا على الذاكرة الخئون. وهذا واضح فى الطبعة الأولى من كتابى "الجهاد فى الإسلام" الذى ترجمته عن الإنجليزية للكاتب الهندى سراج على. وكانت هذه أول تجربة لى فى الترجمة، فضلا عن أننى لا أراجع عادة ما أترجمه بعد أن أفرغ منه اعتمادا على أننى قد راجعته أثناء الترجمة، وبخاصة أن عملية المراجعة فى مثل هذه الحالة مرهقة إرهاقا لا يحتمل. وكان التنبيه إلى الخطإ هذه المرة من قِبَل الطلاب الذين يحفظون القرآن أفضل منى. وقد علمتنى هذه التجربة أن أراجع المصحف فى أية آية أكتبها، إذ تبين لى أننى لم أعد أحفظ كتاب الله كما كنت أحفظه فى صغرى منذ أن أتممته وأنا فى الثامنة أو دونها. وقد اختفت هذه الأخطاء كلها تقريبا من الطبعة الثانية للكتاب المذكور. ومع هذا فقد خفف عنى الأمر ما قرأته بعد ذلك للعلامة المدقق محمد عبد الغنى حسن من أن كبار كتاب العرب القدماء كالجاحظ والشريف الرضى كانوا لا يسلمون من الخطإ فى الاستشهادات القرآنية، وأورد أمثلة على ذلك. ويجد القارئ كلامه هذا فى مقدمة كتاب "مجازات القرآن" للشريف الرَّضِىّ، إذا لم تَخُنِّى الذاكرة. وفى كتابى المذكور أيضا يقابل القارئ بضع أغلاط أخرى فى الترجمة نفسها تنبهت إليها من تلقاء نفسى وصوّبتها فى الطبعة الثانية كذلك. وهناك نوع آخر من الأخطاء يتعلق بالفكرة لا بالأسلوب، ومنه الخطأ الذى يجده القارئ فى الرسالة التى وجتها للدكتور جابر قميحة أشكره فيها على الكلمة النبيلة التى قالها فى حق العبد لله، إذ جاء فى كلامى أننى لا يهمنى أن أثاب رغم أنفى أو برضاى. المهم أن أثاب، والسلام. وكنت أريد أن أقول: "رغم أنفى، أو بقصدٍ منى"، لأن كلمة "برضاى" تعنى أننى يمكن ألا أرضى بدخول الجنة، وهو معنى لا يمكن أن يدور فى ذهنى بحال، علاوة على أن فيه شيئا من إساءة الذوق فى مسألة الثواب الإلهى، وإن كان غير مقصود البتة! وعلى كل حال فقد أصلحتها بعد ذلك. ومثله قولى عن القرآن فى كتابى: "القرآن والحديث ـ مقارنة أسلوبية": إننى أستبعد الأمر الفلانى، وهو ما لم يره أحد الزملاء كافيا، لأن المقصود أن ذلك الأمر مستحيل لا مستبعد فقط. ولا أذكر الآن بم أجبت الزميل الفاضل وقتها، إلا أننى بعد أن انصرف الرجل تنبهت إلى ما قصدته حين كتبتُ ما كتبت. ألا وهو أننى أستبعده من دائرة الاحتمالات لا أننى أراه بعيدا (أى ممكنا)، وإن كان احتمال وقوعه ضعيفا. أى أنه كان فى ذهنى، وأنا أكتب، الفعلُ الإنجليزى: "to rule out"، وهو ما ذكَّرنى بما كان يقوله العقاد من أنه قد يكتب أحيانا وفى ذهنه التركيب الإنجليزى لا العربى. وهناك أخطاء التناقض التى لا يسلم منها أى إنسان مهما تحرز واحتاط فى كلامه، وبالذات إذا كان مثلى يكثر من قول: "يبدو لى" أو "غالبا" أو "فيما يخيل لى" أو "إذا لم تخنّى الذكرة" أو "فى حدود علمى"...إلخ. ومن الأمثلة على ذلك أننى فى كتابى: "المتنبى ـ دراسة جديدة لحياته وشخصيته" قد وصفت المتنبى بأنه بدوى، بينما نفيت عنه البداوة فى كتابى الآخر: "لغة المتنبى". صحيح أنه يمكن أن أقول إننى قد قصدت أنه بدوى بمعنى، ومتحضر بمعنى آخر. لكن كان لا بد أن أوضح الأمر بما يزيل هذا التناقض، وهو ما لم أفعله. والسبب؟ السبب هو أننى حين كتبت ما كتبت عن المتنبى فى المرة الثانية لم أكن أتذكر ما كنت كتبته عنه من قبل. إلا أنه تناقض على أية حال! وهنك خطأ آخر لم أنبّه إليه فى الطبعة الأولى من هذا المقال، وهو أننى حين كتبت مقالى: "فضيحة بجلاجل للعلمانييين فى برنامج الاتجاه المعاكس" قد خلطتُ بين الشاعر العراقى أحمد مطر ود. أحمد أبو مطر الكاتب الفلسطينى الذى يبدو فى مقالاته وكأنه يجرى مع الاتجاه الأمريكى فى المنطقة، فهاجمتُ الشاعر وأنا أقصد الكاتب. وكنت قد احترت أثناء كتابة المقال أمام وجود اسمين: أحمد أبو مطر، وأحمد مطر، وظننت أن ذلك راجع إلى عدم دقة البعض وأنهم يحذفون كلمة "أبو" تسرعا منهم. ثم نبهنى أحد الأصدقاء إلى أن التسرع إنما هو من جانبى أنا، وأفهمنى أن هناك شخصين مختلفين فى هذا الصدد: أحدهما "مطر"، والثانى "أبو مطر"، فحذفت الفقرة كلها التى كنت هاجمت فيها أحمد مطر ظنا منى أنه هو نفسه د. أحمد أبو مطر. ثم تصادف بعد ذلك أن قرأت فى أسفل مقالى المذكور تعليقا لأحد القراء ينبه فيها إلى هذا اللبس. 

 

وبعد، فإن الكلام يطول فى هذا الموضوع، فأكتفى بهذا القدر، وبإمكان القراء أن يجدوا أخطاء أخرى كثيرة إذا أحبوا.