لعبة الدمقرطة في مصر (6)
الأمل الباقي في الصرح
القضائي
هشام
الناصر
1 – دوبرمان الشعوب
<< نحن دوبرمان الشعوب - We’re The
Nation Doberman >>
مقولة جاءت في رواية أمريكية علي لسان جندي متقاعد أو عسكري
سابق. والدوبرمان هو نوع من الكلاب الألماني شديد الشراسة يستخدم للحماية
والحراسة. ورغم أن العبارة جاءت بالرواية في سياق شكوى واستياء إلا أننا نراها
مقولة فخر واعتزاز. فعندما يُنعت المرء بشيء (دني) قليل منسوبا لشيء (عظيم) جليل
تذهب دناءته ويأخذ من المنسوب إليه عظمته – مثل (عبد) الله و (خادم) المسجد ..
وغيره.
لذا فالفخر كل الفخر لمن يكونون دوبرمانا لشعوبهم، لهم لا
عليهم، يحمون أعراضهم وينهشون أعداءهم ويرهبون المنافقين الذين لا نعرفهم ولكن
الله عز وجل يعلمهم.
2 – جمهورية أفلاطون
لم يخطئ أفلاطون في بنائية جمهوريته حينما وضع (الحكماء)
علي قمتها و(العسكر) في مرتبتها الثانية و(التجار) في المرتبة الثالثة و(العموم
المنتجين) في المرتبة الرابعة.
وتتجلي حكمة هذا التوزيع في أن الدولة (كمنظومة) أساسها
التنظيم والإدارة (Control)، وحسن الإدارة لا يتأتي إلا من شيئين هما قواعد منظمة حاكمة
وسلامة التطبيق لها، والقواعد المنظمة لا تتأتي إلا من مفاهيم (Concepts) إنسانية أخلاقية، أما
سلامة التطبيق فتحتاج لقوة العدالة وعدالة القوة.
والمفاهيم لا تتأتي إلا من عقيدة راسخة واضحة مفهومة (Doctrine)، وقوة العدالة وعدالة القوة يحتاجان
لتحديد المهام والمسئوليات وضرورة الفصل بين السلطات ومن ثم تشييد آلية للمراجعة
والمحاسبة أي ضرورة الحساب حيث الثواب والعقاب.
والخلاصة إنه مهما كانت بنائية المنظومة
فلابد لها من توافر شرطان أساسيان هما العقيدة الراسخة الواضحة المفهومة التي تمثل
مرجعيتها ومشكاة قوانينها وقواعدها، وآلية المراجعة والمحاسبة للتنفيذ والتطبيق.
عدا ذلك .. تتحول المنظومة إلي فوضي ويتحول المواطنون إلي رعايا، وتتحول الحياة
إلي جحيم.
وعقيدة الماديين والعلمانيين يضعها
الإنسان وعقيدة المسلمين من عند الرحمن، أما آلية التشييد والتنفيذ وضمان حسن
الأدائية فهي (الخيار) الذي وضعت فيه البشرية، فهي أعمالنا المُسلطة علينا تحسن
نتائجها إن أحسنا وتسيء عواقبها إن أسأنا.
3 – صرح القضاء والمراجعة الذاتية
القضاء مؤسسة عظيمة وطنية من مؤسسات الدولة التي يحسب لها
مقاومة استشراء الفساد في المنظومة كلها وانتشار الخلل في أركانها، نعم أصابها
بالتبعية (بعض) أمراضها لكنها سارعت ببتر الفاسد من أعضاءها وعلا صوتها بجانب
شعبها.
وهي (أي المؤسسة القضائية) الأمل الوحيد الباقي لنا أو قل
حائط الصد الأخير الذي يقاوم التدجين والتهجين (!!) – فهي تعلم كما نعلم – إن زلت
وسقطت فسنؤول وإياها إلي سوء المصير.
4 – زمن القوة وزمن القانون - والأمل الباقي في الصرح القضائي
ذهب زمن القوة المتسلطة التي تعز من تشاء وتذل من تشاء،
وجاء زمن شرعية القانون.
والصرح القضائي لا يملك طائرات أو مدرعات أو صاعقة ومظلات، لكنه
بضعفه (!!) وبسلاح علمه وشرعية العدل والقانون وأمل الجماهير – هو الوحيد القادر
علي إسقاط جبروت السلطة إن تمادت وحادت في ساعة واحدة من الزمان ... بمجرد أن
يرفض الإشراف القضائي علي أي محاولة لمسخ الديموقراطية وتحويل العملية الانتخابية
الرئاسية إلي مسرحية هزالية.
ولقد بدأ الصرح القضائي فعلا في تحمل مسئوليته التاريخية،
ورأينا وسمعنا عن نوادى القضاة في القاهرة والإسكندرية الني حددت مطالبها بموافقة
وإجماع أعضائها فى جمعياتهم العمومية بضرورة إقرار مشروع قانون إصلاح السلطة
القضائية قبل إجراء الانتخابات المقبلة سواء الرئاسية أو النيابية ورفضهم أن يكون
إشرافهم على الانتخابات مجرد ديكور وإجراء رمزى خال من المضمون. وهددوا وهم
يمثلون أحدى سلطات الدولة الثلاث بمقاطعة الإشراف على الانتخابات إن لم يتم
الاستجابة لمطالبهم.
وهذا وإن تم فسنقول كما قال الأخ السفير (أمين يسري): أن
التاريخ المصري سوف يذكر لهم هذا الموقف النبيل في هذا الزمن الوبيل وسيسجله بأحرف
من النور علي مر العصور.
والقضاء مثله كباقي المؤسسات السيادية والتي يمنعها قانونها
الصارم بعدم الخوض في الأمور السياسية، وهي التي تمثلت أخيرا في تعليمات المجلس
الأعلى للقضاء لأعضائه. ولذا ننقل جزءا من حديث السيد المستشار نائب رئيس محكمة
النقض في قوله: << أنا ملتزم بقرار المجلس الاعلى للقضاء، والقرار يتفق مع
صريح القانون، غير ان ما نقوله أنا وغيري من القضاة منصوص عليه فى المذكرة الإيضاحية
للقانون التي تكفل للقضاة حق الاهتمام بشئون الوطن كمواطنين، دون اتخاذ
موقف حزبي يمس حيدة القاضي>>.
نعم .. لا نريد مواقف حزبية – لكن نريد الحد الأدنى من
الاهتمام بالشأن العام، الاهتمام بضرورات المواطن في وطنه وأن يُسمع صرخات معاناته
وآلامه وهمسات التعبير عن آماله.
6 – حديث بطرس غالي
أطل علينا السيد (بطرس بطرس غالي) في أربعة
عشرة حلقة متتالية علي قناة الجزيرة الفضائية ليدلي بشهادته علي العصر. والتعليق
علي ما قاله يحتاج لكتاب أو عشرات المقالات، ولكن لفت انتباهنا تصريحاته (كمشارك
في الأحداث وشاهد علي العصر) الآتي من أقوال:
1 - لم يكن في الإمكان أحسن مما كان بالنسبة لمعاهدة السلام
لأننا (هُزمنا) في حرب رمضان – وبأن النجاحات المنشورة كانت فقط في الأيام الأولي،
وهي لحظات العبور.
والسؤال الآن .. إن كانت هزيمة (كما يقول) فكيف ولماذا
استمدت السلطة الحالية الشرعية منها ؟؟؟؟ ولماذا يحتفل بها الخواص والعوام في كل
عام ؟؟؟؟
2 – إن اتفاقية (كامب ديفيد) لم تنص علي نزع سلاح سيناء،
وأي مقولة غير ذلك هراء في هراء (!!).
وللتعليق نقول: الحمد لله أننا نعيش في عصر الانفتاح
المعلوماتي حيث لا حاجز و لا جدار لأي سر من الأسرار. ووثائق معاهدة السلام منشورة
في عشرات المواقع وأذاعتها العديد من الصحف الورقية والإلكترونية، العربية منها
والأجنبية، منها المصحوب بتعليقات لكاتبها ومنها المتروك لحصافة قارئها، وهي تظهر
تقسيم سيناء إلي ثلاث مناطق (أ ، ب ، ج) كالآتي:
أ – الأولي في الثلث الأول الطولي بالقرب من الحدود المصرية
وبها قوات عسكرية بحد أقصي كالآتي: (22 ألف فرد – 126 قطعة مدفعية – 7 كتائب
مدفعية مضادة للطائرات بحد أقصي 126 مدفع، وتشمل أيضا صواريخ أفراد محمولة علي
الكتف - 230 دبابة و 480 مركبة أفراد مدرعة).
ب – الثانية في الثلث الطولي المتوسط بسيناء وبها وحدات
حدود من أربع كتائب مجهزة بأسلحة خفيفة وبمركبات عجل – حتى 4000 فرد).
ج – والثالثة في الثلث الخير بجانب الحدود الكيان
الإسرائيلي وبها قوات الأمم المتحدة وقوات الأمن (الشرطة) المصرية.
وبذلك يتضح سلامة وصحة حديث السيد بطرس غالي من أن
الاتفاقية لم تنص علي (نزع سلاح سيناء) وإنما نصت علي (تنظيم وترشيد سلاح سيناء)
... !!!
7 – البساريا والحيتان ..
نشر منذ أيام تقرير الرقابة الإدارية وبه
الكثير والكثير من المخالفات المالية لإنفاق حكومتنا السنية خارج نطاق الميزانية –
والطريف أن هذا التقرير يخص حكومة (عبيد) !! أي أن النواب لن يجدوا من يحاسبوه،
وإن وجدوا خلف من سلف فالحكمة تقول (عفا الله عما سلف).
ومما ورد بالتقرير أيضا هو الإسراف الحكومي في
المزايا والمرتبات والمكافآت لبعض السادة رؤساء الهيئات، والتي وصلت حسب التقرير
إلي (400 ألف جنية مصري شهريا) عدا السيارة في التنقلات وتذاكر الطيارة في
السفريات. وهو الأمر الذي جعل أحد السادة النواب (الأشراف) يصرخ محتجا قائلا: إن هذا
الراتب الذي يحصل عليه شخص واحد يمكنه حل أزمة (ألف) خريج عاطل – أي أن تعيين ألف
خريج براتب شهري مقدار 400 جنية يساوي راتب موظف واحد كبير.
ومن عندنا نقول أنه يساوي أيضا مكافأة (عشرة
آلاف) من المعينين المؤقتين بأربعين جنيها شهريا – وهم الفئة التي صرح السيد ممثل
الحكومة في البرلمان (بصوت جهوري) بأنها من مفاخر وإنجازات الحكومة التي عينتهم في
الوزارات – (ثم أخفض صوته) بمكافأة أربعين جنية – أي نصف ثمن المواصلات.
وهؤلاء الكبار المحظوظين ليسوا إلا (بساريا) في
بحر السياسة – فإن كان هذا حال الصغار فما البال بالحيتان الكبار ؟؟؟.
8 – لماذا يتمسكون بالسلطة ؟؟؟
في مقولة طريفة لأحد السادة الوزراء السابقين:
(إن من يدخل الوزارة يفقد نصف عقله، ومن يخرج منها يفقد نصفه الثاني). لماذا ؟؟ هل
هي السلطة والجاه أم المال وتيسير الأعمال ؟؟. وماذا عن الفئة التي أخذت وأخذت حتى
أتخمت - هل تريد المزيد؟؟ - نقول ولما لا.. فشعار معظمهم الوحيد أن البحر يحب
المزيد – ولكن الأهم هو (الخوف من الفضيحة والعقاب في يوم المساءلة والحساب) !! –
والسلطة تعطيهم الوقاية والحماية .. ولكن إلي حين – وهذا الحين له نهاية كما كان
له بداية. والغريب والأمر العجيب أنهم لا يخافون من (يوم حساب ربهم) ويرتجفون رعبا
كلما تخيلوا قرب (يوم حساب شعوبهم) ..... وإنه ليوم لقريب نسمع خطاه وإن كان دبيبا
خافتا ونستشرف محياه وإن كان شبحا باهتا.
وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية