استحقاق نصر الله

 

 

 

بقلم : د. مجدى هلال

Helal_ie@yahoo.co.uk

 

هزت التظاهرات المتتابعة في مصر ، في الشهور الأخيرة ، حالة الجمود المتسلطة علينا منذ سنوات طويلة ، و لكن كم منا يساوره الأمل في أن الحلم يقترب من بدء التحقق؟ ، لا أدري ، و لكن ما يبدو هو أننا موزعون ما بين قليل عامل آمل في نصر الله ، من أجل عبور هذا الجسر ما بين بين اليأس و الرجاء ، و بين من لا يظن أن هناك ما يمكنه عمله ، و من لا يظن أن هناك ما يمكن عمله ابتداء ..

 

و متابعة ما يقال و ينشر ، تُظهر أننا مازلنا ، في مجملنا ، نملك القدرة على الأمل في نصر الله تعالى ، و نحن نرفع الأكف دائما داعين بالنصر للإسلام و المسلمين ،  بيد أن الثقة في أن الله سينصرنا ، قد أنْسَتْ الكثير منا كيفية استحقاق النصر ، فصار منا من ينتظرون النصر و حسب ، و هم واثقون في أن الله ناصرنا ، و الله سبحانه و تعالى أهل الثقة ، و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ، و لكننا يجب أن نسأل أنفسنا: لما سيمنحنا الله نصره؟ ، و هو السؤال المُوحَى به منذ الأبد في كتاب الله: "أحسب الناس الناس أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون" و قال أيضا "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ، ألا إن نصر الله قريب" ، فإذا كان هذا هو حال المؤمنين و معهم رسول الله ، فكيف يكون حالنا ، فهل نحن نستحق نصر الله ؟ .. فلنراجع أنفسنا بحثا عن الجواب لهذا السؤال ، فلابد من استحقاق النصر قبل نواله ، و لقد حرّم الله تعالى نصره على أصحاب موسى عليه السلام ، و هو فيهم ، و جعله للجيل التالي من بعده و بعدهم ، لأنهم لم يستحقوه ، قال تعالى " فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض" ، لقد كان عليهم أن يحاربوا ، و هم الذين لا عهد لهم بالحرب ، و هي فتنة و امتحان وُضِعُوا فيه ، فأبوا فحرمهم الله ، لا لإبائهم ، و لكن لعدم ثقتهم بالله ، فالثقة بالله تعني الفعل ، لا القول و القعود انتطارا ....

 

و لقد تسائل البعض: من متى نصر الله ؟ و قال من قال إن من المسلمين من تسرب شك إلى قلوبهم ، فهم يرون الشر قد تمكن من العالم من حولنا ، بينما الإسلام يفقد مكانته ، و لقد قال الله تعالى " كتب الله لأغلبن أنا و رسلي" ، فأين هذا ، أين نصر الله ...

 

و هي الفتنة ، قد أحكم فيها الشيطان و أتباعه استغلال أوضاع العالم من حولهم و من حولنا ، فداخلت البعض الأفكار عن شيئ من التناقض بين كلام الله تعالى ، و بين ما نشهده من حولنا ، فنحن لا نشهد من حولنا إلا علامات عن المزيد من تمكن الكفر و الشر في هذا العالم ، و المزيد من التدهور في أحوال المسلمين ، و المزيد من استهانة العالم بهم ، و الردود على هذه الشكوك كثيرة ، و تحمل في طياتها تداعيات كبيرة ، لو أننا نعي حقا معنى الإيمان بالله تعالى.

 

بداية ، إن أعمارنا قصيرة ، فمن يدرينا أنه سبحانه و تعالى قد وقـّتَ النصر لوقت معلوم ، و لم يكتب لنا أن نشهده ، و لكن من سيأتون بعدنا سيشهدونه ، و بالتالي فلا محل للشك في كلام الله ، و لا داعي لأن نظن أننا مركز الكون ، و أن ما لم يحدث أمام أعيننا لن يحدث ، إن الله تعالى أكبر من أن نحد إرادته بحدود أعمارنا ...

 

و هناك المزيد من التساؤلات: فما هو نصر الله ؟ .. كيف سيكون نصر الله ؟ .. لماذا حددنا شكل النصر بأنه أن يسود المسلمون العالم ، و يحكموه ؟ .. لماذا يجب أن يكون هذا هو النصر ... لماذا مرة أخرى نريد أن نحد إرادته سبحانه و تعالى بحدود عقولنا ... ألا يكمن أن نتصور أشكالا أخرى لنصر الله لدينه؟ .. أليس ممكنا أن يبدأ النصر نصرا على مستوى الفرد ، فإن أحيا المسلم دينه ، و نصر الله في نفسه ، فإنه تعالى سيهيئ له من أمره رشدا ، و يحقق له في حياته الدنيا ما يحبه و يتمناه ، و يكون هذا شكلا من أشكال النصر ... إن كل مسلم يمكن أن يعيش منتصرا مهما كانت ظروف العالم من حوله ، و لو حقق الله لى نصره ، و لمن بجانبي من إخواني  ، صرنا جماعة من المنتصرين ، و لو حقق الله تعالى النصر لغيرنا من المسلمين ، حتى يمتلأ العالم بجماعات المسلمين التى رضى الله عنها ، فلسوف تصبح الأمة كلها منتصرة ... قد يجعل الله النصر بلا حرب !

 

أليس هذا شكلا من أشكال نصر الله ، فلما ننتظر أن يأتي النصر دون أن نسعى له ، لماذا نريد أن تتحق وحدة المسلمين من حيث لا ندري ، حتى يهزموا الأعداء ، و حتى نصبح الفائزين ... لا مبرر لهذا الانتظار ، بل إن علينا الآن أن ننتصر لله أفرادا ، و سينصرنا الله جميعا ، يكاد يكون هذا الانتظار ذنبا في حق أنفسنا ، و ظلما سيحاسبنا الله عليه ... نبدو به و كأننا نشترط شرطا ، فيجب أن تتحد الأمة و تنهض لكي ننهض نحن ، بيما الأمة هي نحن ، و ستنهض إن نهضنا ..

 

و ها هو شكل آخر من أشكال النصر: ألم يرو لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، من علامات يوم القيامة ، ألم يحدثنا عن الدجال يطوف بالعالم ، و يصل إلى كل مكان ، و يفعل بالناس ما يفعل ، مكافئا من يتبعه و معاقبا من يقاومه؟ ... بلى ... فلننظر إذن في هذه الرواية ، ألا تستدعي تفاصيلها أن العالم سيكون غير ما نعرفه الآن ، ربما يكون العالم قد خرب وقتها ، و انتهت تلك الدول و النظم منه ، لكي يحكم فيه الدجال كما يريد ... إذن عندما نرى الشر و الكفر قد استفحلا من حولنا و لا نرى علامات على عودة البشر إلى ربهم ، فلماذا لا نفهم ذلك على أن العالم ماض إلى تحقيق ما رواه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و هو الذي لا ينطق عن الهوى ، و بالتالي لا يكون عجيبا أن يحدث ما يحدث حولنا ، فهكذا قدّر الله للعالم ، أن يظهر فيه الشر و يسود ، حتى يأتي الله بأمره ، و يبعث بعيسى عليه السلام ، ليرد الناس إلى إسلامهم.

 

إننا قد ننتصر غدا أو بعد مائة سنة ، أو فقط قبل أن تأتينا الساعة ... إن الله لا يخلف وعده ، و لكن الله تعالى أكبر من أن نحيط به ، أو أن نقرر في ملكه بأنفسنا ... و أيا يكن نصر الله ، فإن الشرط واحد: "إن تنصروا الله ينصركم " .. فقط نحتاج في هذا الزمن الذي كاد الكفر فيه أن يغلب ألا ننخدع ، ألا نفقد الثقة بالله تعالى ، و لا بإيماننا به ، و لا بنصره الذي كتب لعباده المؤمنين ، و لعله ابتلاء ليتميز به المؤمنون حقا ، ممن سواهم  .. و نحتاج أيضا سعة الأفق في تأمل و تدبر أحداث الكون من حولنا ، و تأمل و تدبر آيات الله تعالى في خلقه ، منذ أن بدأ الخلق إلى أن تقوم الساعة.

 

إن نكن نوقن بأن النصر من عند الله ، فليس لنا إذن أن نصنع النصر ، أو أن نشكله أو أن نصوره ، و نحدد له موعدا ليكون ، و لكن علينا فقط أن نستحقه ، بأن نكون من هؤلاء الذين يصفهم القرآن في سورة الحج ، و هم: "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ"

 

 

مجدى هلال