تكثيف الاستيطان حول القدس لتهويدها

 

 

 

بقلم : توفيق المديني

 

تحتل القدس أهمية عالية في الأيديولوجية الصهيونية، وهذا ما قاله تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية العالمية: "إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل ما ليس مقدساً منها". (ويعني كل ما ليس مقدساً لدى اليهود أي المقدسات الإسلامية والمسيحية). وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون.

وجاء في قول بن جوريون مؤسس الدولة الصهيونية 1948: "لا معنى لفلسطين من دون القدس، ولا معنى للقدس من دون الهيكل".

وقال إسحق رابين رئيس الحكومة الصهيونية الأسبق بعد توقيع اتفاق أوسلو بين عرفات والكيان الصهيوني، إن السيادة على القدس غير قابلة للتفاوض لا الآن ولا غداً "لأنها تمثل القلب والروح للشعب اليهودي".

 

ولا يشذ رئيس الحكومة الصهيونية الحالي آرييل شارون عن هذا النهج، بل إنه منسجم مع قناعاته الأيديولوجية التوراتية العنصرية، إذ أكد مراراً عزمه على تعزيز تجمعات المستوطنات في الضفة الغربية مع قراره إخلاء المستعمرات في قطاع غزة وأربع مستعمرات معزولة في شمال الضفة الغربية خلال الصيف المقبل. وفي الثالث من مارس/ آذار أعلن شارون أمام اللجنة المركزية لحزب الليكود: "سنتمكن بفضل الاستيطان من الاحتفاظ إلى الأبد بمواقع مهمة وأساسية لوجودنا في القدس عاصمتنا الأبدية الموحدة وبمجموعة المستعمرات التي توجد في أكثر الأماكن قدسية في تاريخنا وبمناطق أمنية مهمة لدفاعنا". وأوضح: "أن معاليه أدوميم ستتيح لنا خلفية استراتيجية للجانب الشرقي من القدس لمنع تسلل المقاومين الأمر الذي لن يمنع التواصل الجغرافي لدولتهم المستقبلية بفضل طريق يربط بيت لحم برام الله حول أدوميم".

 

وها هو أحد الشروط المتضمنة في "خريطة الطريق"، التي أطلقتها الولايات المتحدة ومعها دول اللجنة الرباعية في أبريل/ نيسان 2002، والتي تسعى لإيجاد حل دائم للصراع العربي  الصهيوني، وعلى أساس إقامة دولة فلسطينية مع حلول عام 2005، يتم إعدامها علناً. فعلى النقيض الفاضح من تجميد بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة المنصوص عليها في "خريطة الطريق"، صادقت حكومة شارون في 21 مارس الماضي، على خطة "فك الارتباط" التي تقضي بإخلاء مستوطنات قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، وعلى سماحها "بأعمال البناء المستقبلية (في مستوطنات الضفة الغربية) مفصلة في برنامج عمل الكيرن كييمت ليسرائيل لسنة 2005".

 

ويشمل هذا المخطط بناء 6391 وحدة سكنية جديدة. وبموجب هذا المخطط، ينوي الكيان الصهيوني توسيع مستوطنة معاليه أدوميم التي تبعد ستة كيلومترات إلى الشرق من مدينة أبوديس في القدس الشرقية ببناء 3500 وحدة سكنية جديدة. ولا شك أن بناء الوحدات السكنية الجديدة في معاليه أدوميم معناه مصادرة المزيد من الأراضي العربية والاستيلاء عليها بالقوة وتوسيع حدود المستوطنة التي أقيمت في الأصل على أراضٍ صادرها الكيان الصهيوني من قرى أبوديس والعيزرية وعناتا وسلوان وجبل الطور وغيرها.

 

ويكمن الهدف المعلن لهذا المشروع المعد منذ خمس سنوات، في ضم هذه المستوطنة إلى الأحياء اليهودية الموجودة في القسم الشرقي لمدينة القدس، من أجل إتمام مفهوم "القدس الكبرى" وجعل التقسيم المستقبلي للقدس الذي يطالب به الفلسطينيون أمراً مستحيلاً. ثم إن توسعة مستعمرة (معاليه أدوميم) الواقعة على هضبة بين مدينة القدس وأريحا والتي يقطنها 28000 ساكن، ستقسم الضفة الغربية إلى قسمين، موجهاً بذلك ضربة قاصمة إلى استمرارية التواصل الديموغرافي للسكان الفلسطينيين، والتواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية المقرة على الورق في "خريطة الطريق". ومن أجل بناء 1500 وحدة سكنية أخرى بين القدس ومعاليه أدوميم، تنوي السلطات الصهيونية إجلاء عشيرة الجهالين عن المكان الذي تقطنه في موعد أقصاه نهاية سنة 2005.

 

إن الكيان الصهيوني الذي اتخذ القدس الجديدة عاصمة له بعد العام 1948، وبعد أن أعلن ضم القدس الشرقية إلى القدس الغربية بعيد احتلاله للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، وإعلانه الضم الصهيوني للقدس بتاريخ 30/7/1980، ها هو في ظل قيادة شارون يستمر في تكثيف الاستيطان من جديد من أجل تهويد القدس الشرقية وفرض حقائق على الأرض من شأنها قطع الطريق أمام قيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي.

 

ويكمن الخطر في هذا الموضوع أن الولايات المتحدة التي طرحت "خريطة الطريق"، تبارك هذا الزحف الاستيطاني في المدينة المقدسة لجهة تهويد معالمها العربية والإسلامية، وعبر ضم الكتل الاستيطانية في المستقبل إلى أذونات بناء في الحاضر وذلك كثمن لإخلاء المستوطنين من قطاع غزة وشمال الضفة. فأين هي صدقية احترام الولايات المتحدة التزاماتها مع الفلسطينيين والأطراف العربية عندما يكون موضوع الخلاف يتصل بالكيان الصهيوني وبمسألة حساسة مثل الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، في الوقت الذي سيحتفل شارون بانتصاره الجديد اليوم الحادي عشر من أبريل الجاري عندما سيلتقي مع الرئيس جورج بوش في مزرعته بتكساس؟