بوش وشارون .. علاقات استراتيجية وسلام الأقوياء

 

 

 

بقلم: د.عصام سليم الشنطي

 

إن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهي العاشرة من نوعها تندرج ضمن المباحثات الاستراتيجية بين الطرفين، ولمناقشة عملية السلام في الشرق الأوسط لاسيما مسألة الاستيطان والأمن في الأراضي الفلسطينية. فهي من جهة هدفت إلى التأكيد على عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والدعم الأميركي المطلق لأمن وسلامة "إسرائيل".

ومن جهة أخرى فإن هذه الزيارة أريد منها التأكيد من قبل الرئيس بوش وشارون تمسكهما بخطة خارطة الطريق للوصول إلى سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

 

وقد أعلن الرئيس بوش بعد لقائه شارون موقف واشنطن الرافض لسياسة "إسرائيل" بتوسعة مستوطناتها في الضفة الغربية ودعى شارون إلى التقيد ببنود خارطة الطريق التي تنص على وقف النشاطات الاستيطانية، بما فيها توسعة المستوطنات. وأكد بوش على دعم خطة شارون للانسحاب من غزة كمرحلة أولى نحو تطبيق انسحابات أخرى من الضفة الغربية طبقاً لخارطة الطريق، على أن يتم الانسحاب بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية.

 

وهذا الموقف الأميركي يعكس رؤية الرئيس بوش في وجود دولتين مستقلتين على أرض فلسطين التاريخية وأن أمام المجتمع الدولي فرصة كبيرة للمساهمة في بناء دولة فلسطينية ديمقراطية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

فالرئيس بوش هو الرئيس الأميركي الأول الذي يعلن بشكل واضح وصريح تأييده لقيام دولة فلسطينية مستقلة. ولكن بالمقابل فإن الرئيس بوش هو الرئيس الأميركي الأول الذي أعلن في السابق ويؤكد الآن أنه ليس من المنطق أن تنسحب "إسرائيل" إلى حدود 4 يونيو 1967 أو أن يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم داخل الخط الأخضر.

 

وبموجب ذلك فإن "إسرائيل" ستمضي قدماً في ضم جميع المستوطنات الكبيرة في الأراضي الفلسطينية وسترفض أي محاولة فلسطينية للتفاوض في هذا الأمر أو في قضية اللاجئين الفلسطينيين. وهذا لا يعكس فقط الموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل ولكنه يعكس أيضاً ضعف الموقفين العربي والفلسطيني في هذا المضمار.

 

علاوة على ذلك أن الإدارة الأميركية الحالية، كسابقاتها، تطالب الفلسطينيين والإسرائيليين التفاوض في ملفات الحل النهائي مثل الحدود والقدس والمياه واللاجئين، علماً أن الحل لكل هذه الملفات يكمن في أن تطبق "إسرائيل" القرارات الدولية. ومن ثم يصبح التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول آليات التنفيذ والعلاقات الثنائية وغيرها من العموميات وليست التفصيليات.

 

فعندما تفشل الدول العربية والإسلامية ومعها الاتحاد الأوروبي وغيرها من دول العالم في فرض حل عادل ودائم ينهي الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يستند للشرعية الدولية والقرارات الأممية بسبب التعنت الإسرائيلي والدعم الأميركي المطلق لإسرائيل فكيف لنا أن نتصور أن الفلسطينيين سيتمكنون من فعل ذلك في ظل موازين مختلة تماماً محلياً وإقليمياً ودولياً.

 

وإذا افترضنا أن الطرف الفلسطيني قبل الموقف الأميركي الحالي المتعلق بضم المستوطنات الكبيرة لإسرائيل، وبعدم عودة كل اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر، فهل هذا سيقود الولايات المتحدة إلى مطالبة "إسرائيل" الانسحاب الكامل من جميع الأراضي الفلسطينية (مثلما جرى في لبنان مؤخراً) والتنفيذ الفوري للقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وإعلان القدس الشرقية (أو ما تبقى منها) عاصمة الدولة الفلسطينية؟

 

والسؤال الأهم هو هل تستطيع إدارة الرئيس بوش أو أي إدارة في المستقبل أن تفرض كل هذا وذاك على "إسرائيل" دونما الاكتراث بتداعيات هذا الأمر على الصعيد السياسي الأميركي الداخلي، لا سيما وأن المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة لا تواجه خطراً حقيقياً ؟

 

إن العلاقات الحيوية والاستراتيجية التي تربط الولايات المتحدة و"إسرائيل" والتي بدأت بعد حرب يونيو 1967 وتوجت في منتصف الثمانينيات تمأسست بشكل عضوي غير مسبوق في العلاقات الدولية بحيث أصبح من الصعب على أي إدارة أميركية أن تلعب دوراً نزيهاً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي وعملية السلام حتى ولو رغبت بذلك.

 

وأن واشنطن بالرغم من انهيار الإتحاد السوفيتي وانتهاء خطر انتشار الشيوعية وقيادتها المنفردة للسياسة الدولية لا تعتبر أن السلام العادل والشامل والدائم هو هدف أو مصلحة استراتيجية لأمنها القومي. فالأهداف الاستراتيجية المعلنة لإدارة بوش في منطقة الشرق الأوسط تتلخص بالآتي:

 

1 ـ ضمان أمن "إسرائيل" وتفوقها العسكري في منطقة الشرق الأوسط.

 

2 ـ منع انتشار التطرف الديني.

 

3 ـ حماية القوات الأميركية في العراق من خلال تحقيق الأمن.

 

4 ـ منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة النووية.

 

5 ـ دعم الإصلاحات والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.

 

6 ـ حماية تدفق النفط مع ضمان الاستقرار للأسواق النفطية.

 

7 ـ ضمان الدعم الأوروبي للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

 

وبناءً عليه لا تشمل الأهداف الاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط أي بند يشير إلى أهمية السلام في المنطقة أو أنه هدف استراتيجي للولايات المتحدة، ليبقى ملفاً مصيره تابع لمسيرة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية المتينة ولسقف التنازلات العربية والفلسطينية المقدمة في هذا الشأن.

 

إن شروط السلام الحقيقي بين الفلسطينيين والإسرائيليين غير متوافرة لأن الموقف الأميركي مازال يتبنى الرؤية الإسرائيلية للسلام، ويرفض أي دور حقيقي للأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي في عملية السلام ويدعم مفاوضات فلسطينية - إسرائيلية حول قضايا الحل النهائي في ظل موازين قوى مختلة تماماً. وأن ما يصرح به الآن حول قيام دولة فلسطينية سيرتطم بعقبات كبيرة متمثلة بالقدس واللاجئين والحدود في وقت لاحق.

 

إن ما تسعى إليه واشنطن في هذه المرحلة هو التهدئة في فلسطين ومفاوضات سياسية تمتد لسنوات طويلة حتى يتسنى لها حسم الملفات الأخرى العالقة كالعراق والإرهاب والملف النووي الإيراني ولبنان. أما المطلب الأميركي بوقف النشاطات الإسرائيلية فأنه يأتي في هذا السياق وفي سياق فرض سلام الأقوياء.