أي ديموقراطية فلسطينية؟

 

 

 

بقلم : محمد إبرهيم

 

في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على إعادة تأكيد أميركية لحق "إسرائيل" في ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، في مفاوضات الحل النهائي، وسمع انتقاداً لتوسيع الاستيطان بما يتناقض مع ما تنص عليه "خريطة الطريق".

 

وفيما رحّب شارون بالشق الأول من الموقف الأميركي، اعتبر شقّه الثاني تقليدياً، فالولايات المتحدة كانت دائماً ضد الاستيطان، و"إسرائيل" كانت دائماً تتصرف وفق مصالحها، أي أن الاستيطان استمر بقدر استمرار الرفض الأميركي.

 

ما يرسمه شارون بات واضحاً: انسحاب أحادي من غزة، يتبعه استكمال لجدار الفصل الذي سيضم عملياً معظم مستوطنات الضفة الغربية إلى "إسرائيل". وانطلاقاً من هذه الحدود الجديدة يستطيع الإسرائيليون مواكبة مفاوضات الوضع النهائي إلى ما لا نهاية.

 

ليس هناك بالتأكيد تطابق بين ما يرسمه شارون من حدود وبين التصور الأميركي للحل النهائي للقضية الفلسطينية، هذا إذا افترضنا وجود مثل هذا التصور. لكن التقارب الواقعي بين الرؤيتين يطرح مشكلة العلاقة بين بندين في جدول الأعمال الأميركي تجاه فلسطين والمنطقة العربية عموماً.

 

البند الأول هو الخاص بالكيانات وحدودها، والبند الثاني هو المتعلق بالشغف الديموقراطي المستجد لدى هذه الإدارة الأميركية كنتيجة لظروف احداث 11 أيلول وما تبعها من احتلال لأفغانستان والعراق.

 

في كل بلد يُدخل إلى جدول الأعمال الديموقراطي الأميركي نجد تناقضاً بين الدعوة الأميركية إلى زرع الديموقراطية والمشكلة الوطنية التي يثيرها التدخل الأميركي نفسه، على اختلاف في الدرجة، والأمثلة كثيرة...

 

لكننا في فلسطين نجد أكثر أشكال هذا التناقض كثافة. ففيما تُدفع السلطة الفلسطينية إلى بناء مؤسسات دولة، وفق المعايير الأوروبية، وبناء أجهزة أمن وفق المعايير الأميركية، يتم دعم التصور الإسرائيلي للحل النهائي للقضية الفلسطينية.

 

ولا نتحدث هنا عن العرض الذي قدمه باراك لعرفات برعاية من بيل كلينتون، ولا عن العرض نفسه كما تطور في محادثات طابا، وطبعاً لا نتحدث عن اتفاق جنيف بين عبد ربه وبيلين، ما يتم التحضير له هو في أجواء الحصول على كل ما هو مطلوب في الضفة الغربية مقابل "التنازل" عن قطاع غزة.

 

وليس بعيداً أن يتم تصوير معركة الانسحاب من مستوطنات غزة الصيف المقبل باعتبارها تنازلاً ضخماً هزّ أركان المجتمع الإسرائيلي.

 

في هذا الوقت تبدو السلطة الفلسطينية مطالبةً، انسجاماً مع معايير بناء الدولة الأمثل، لا بمكافحة الفساد فقط، وإنما بتجريد المنظمات الفلسطينية من سلاحها، الذي يتناقض مع متطلبات وجود بندقية شرعية واحدة، إذا لم نتحدث عن ضرورة "تفكيك القاعدة التحتية للإرهاب".

 

هذه المهمة المستحيلة يُكلّف بها أبو مازن في مواجهة تنظيمات تطرح معادلة بسيطة: كيف يمكن الاستغناء عن السلاح فيما مشاريع الحل الأميركية الإسرائيلية توحي بأننا أمام عقود مقبلة من الصراع؟

 

مطلوب اذاً أن تزدهر الديموقراطية الفلسطينية، فيما طرفا المواجهة: "إسرائيل" من جهة وتنظيمات المقاومة الفلسطينية من جهة أخرى يستعدان للمنازلات المتوقعة بعد الانسحاب من غزة واتضاح أن مفاوضات الوضع النهائي "طبخة البحص" إياها.

 

ربما يوجد في الإدارة الأميركية الحالية من يراهن على أن بناء المؤسسات الفلسطينية يمكن أن يكتسب زخماً خاصاً به يبتلع في طريقه البندقية الفلسطينية، وربما تراهن السلطة نفسها على الاعجوبة الديموقراطية، لكن الرؤية الواقعية تدفع للقول إن "إسرائيل" من ناحية وتنظيمات المقاومة الفلسطينية من ناحية أخرى هم "موجه المستقبل" في الصراع المستمر.

 

يبقى تحفظ وحيد، هو أن تتجاوز السلطة الفلسطينية موجة التبشير الأميركية بالديموقراطية إلى فتح صراع سياسي حقيقي داخل المؤسسات الفلسطينية وفي الشارع الفلسطيني حول تحديد الأهداف الممكنة والوسائل النضالية الممكنة للوصول اليها.

هذه هي الديموقراطية الفلسطينية، وغيرها وهم جديد لن يعيش طويلاً.