الانقلاب الثقافي الفلسطيني
بقلم:د. عبدالستار
قاسم
أشعرني أحد كبار المثقفين الفلسطينيين الذين
عانوا من المعتقلات الصهيونية والإقامة الجبرية والمنع من السفر بالصدمة عندما
جادلني بالدور البريطاني في فلسطين. قلت له إنني أشعر بالإحباط الشديد إزاء مؤتمر
لندن الأخير لأن فلسطينيين يذهبون بزيارة رسمية إلى بريطانيا وهي التي زرعت المآسي
والأحزان في كل بيت فلسطيني وفي قلوب الفلسطينيين. أجابني بأنني أعيش في الماضي
ومن المفروض ألا أتذكر التاريخ، والمرء الحديث يجب أن يبقى ابن الحاضر. قلت له إن
ما قامت به بريطانيا من دعم للصهيونية والكيان الصهيوني ليس من الماضي؛ أنا وأنت
وكل الفلسطينيين والعرب يعانون من المصائب التي صنعتها بريطانيا كل يوم. أجاب بأن
الأمس هو الماضي، بل إن الساعة الماضية هي الماضي. حاولت أن أسوق له الأعداء مثلاً
في كيفية ملاحقتهم للنازيين ولألمانيا، وفي كيف أن "إسرائيل" وقفت بجدية
من أجل تغيير الرئيس النمساوي كورت فالدهايم لأنها اشتمت رائحة علاقة قديمة له مع
النازية، ولكن عبثاً. سألته لماذا لم ينس اليهود الماضي الموغل في القدم، ولم
ينسوا الجرائم الأوروبية، الروسية منها والفرنسية والبلغارية، بينما علي أنا أن
أنسى الساعة البارحة لكي أكون تقدميا و"موديرن"، هز رأسه مستنكراً.
هذا المثقف الفلسطيني
ليس فريداً من نوعه. هناك آلاف المثقفين داخل فلسطين وخارجها يتحدثون ذات اللغة
ويدافعون عنها وعن الوجود "الإسرائيلي" وعن ضرورة ضرب المقاومة
الفلسطينية، إلخ. هناك آلاف آخرون يتخذون مواقف مغايرة تماماً ويصرون على استعادة
الحقوق الفلسطينية، لكن هذا الانقسام يعبر عن وجود ظاهرة في أوساط المثقفين
الفلسطينيين الذين يدافعون عن الحاضر بمعزل عن الماضي تمشياً مع السياسة الأمريكية
و"الإسرائيلية".
انتعشت الظاهرة مع
مرور الأيام وخاصة بعد تقارب عرفات مع مصر التي كانت قد وقعت اتفاقية كامب ديفيد. وقد
وجدت أمريكا وأوروبا لهما مرتعاً في الضفة الغربية وغزة مع بداية الثمانينات
لاستغلال المثقفين المنظرين للحاضر على حساب الماضي الممتد حاضراً وعلى حساب
الماضي التاريخي. بدأت الدول الغربية بإنشاء جمعيات أو منظمات غير حكومية بحجة دعم
البحث العلمي وتطوير البنية التحتية ومساعدة الفلسطينيين المساكين الذين يعانون من
الاحتلال. استقطبت هذه الدول عدداً كبيراً من المثقفين من خلال أموالها، وأخذت
قدرتها على الاستقطاب تتسارع هندسياً بعد اتفاقية أوسلو. عدد كبير من أساتذة
الجامعات والكتاب والمفكرين الفلسطينيين يعملون الآن في منظمات وجمعيات أمريكية
وفرنسية وبريطانية تحت أسماء فلسطينية. كل هؤلاء المثقفين والمفكرين والأدباء من
المؤيدين للسلطة الفلسطينية والاتفاقيات مع "إسرائيل"، ومن المسافرين
إلى لندن وواشنطن وروما وباريس، إلخ، ومن المدافعين عن الانقلاب الثقافي في فلسطين.
هؤلاء هم الذين يوجدون في المحافل الدولية وفي المؤتمرات وفي المطارات وعلى مختلف
وسائل الإعلام. هذا أمر منسجم مع طرح رعاة الساحة الدولية الآن والمهيمنين عليها. المعارضون
للانقلاب والتخلي عن الحقوق الفلسطينية لا نصيب لهم بالمشاركة، وعدد كبير منهم
ممنوعون من السفر أو غير مقبولين من الدول التي يرغبون بالسفر إليها؛ وأيضاً لا
يملكون المال للإنفاق على سفرياتهم.
لا ينحصر هذا
الانقلاب بالمثقفين وإنما أخذ يمتد إلى الشارع الفلسطيني. إنه انقلاب تحول إلى
تيار له مؤيدوه ومساندوه والمدافعون عنه. فمثلاً من السهل أن يلاقي شخص يدافع عن
حق اللاجئين في العودة من آخرين الزجر والاستهزاء والاتهام بأنه لا يريد السلام. هؤلاء
يتبنون وجهة النظر "الإسرائيلية" تماماً ويدافعون عنها فيقولون: "إن
كل من يصر على حق العودة لا يريد السلام لأن "إسرائيل" لن تقبل عودة
اللاجئين". المعنى هو أنه إذا رفضت "إسرائيل" موقفاً أو عملاً فعلى
الشعب الفلسطيني أن يرفضه أيضاً. وقد واجهت هذا الموقف من بعض طلابي داخل غرفة
الدرس. قال طالب بأنه لن يقبل أي مشروع للسلام ما لم ينص على حق اللاجئين بالعودة،
فثار في وجهه طلاب وطالبات متهمين إياه بالتطرف ورفض السلام وتأييد حزب الله
وسوريا وإيران. وقف معه آخرون وتحولت غرفة الدرس إلى سجال.
وما يبدو مهماً جداً
أن هؤلاء المثقفين الذين يتبنون الموقف الأمريكي و"الإسرائيلي" يدافعون
عن الشرعية الدولية وضرورة الالتزام بقرارات الأمم المتحدة. هذا التأييد يختفي
عندما يُواجهون بالقرار 194 الذي ينص على عودة اللاجئين أو باتفاقيات جنيف التي
تصر على حق اللاجئين بالعودة. هذا يشير على أنهم لا يؤيدون الشرعية الدولية وإنما
شرعية الولايات المتحدة و"إسرائيل". يعكس هذا الموقف الآن أبو مازن،
رئيس السلطة الفلسطينية الذي يردد دائماً بأنه يريد حل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً
وذلك وفق نص قرار مجلس الأمن 242.
يطلب الأوروبيون
والأمريكيون من الفلسطينيين المعلوفين أن ينسوا الماضي وأن يركزوا فقط على حل النزاعات
القائمة وفق الواقع القائم. إنهم يدربون صغارنا وشبابنا المجرورين إلى التطبيع
بوساطة مثقفين فلسطينيين بأن "إسرائيل" عبارة عن حقيقة قائمة وأن فلسطين
لم تعد تلك التي كانت، وأن عليهم إقامة علاقات اعتيادية مع الصهاينة اليهود
والتفاهم معهم وفق الأمر الواقع وذلك من أجل السلام الذي سيأتي على الجميع بأحوال
مادية واقتصادية حسنة.