دين حق.. لا دين إرهاب

 

 

 

بقلم : الدكتور جابر قميحة

  komeha@menanet.net

 

    في الماضي القريب جدا كنا نسمع صراخ بعضهم - ومنهم «دكتور» - يدعون بضراوة إلي «تنقية» البخاري ومسلم بحذف كثير من الأحاديث!! لماذا يا سادة?!! قالوا: لأنها لم تعد تتفق مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه, ومعطياته الحضارية والعلمية.

وقلنا ضمن ما قلنا: لو أننا حكمنا أذواق العصر ومعاييره في كل تراثنا الديني والأدبي والفلسفي والعلمي, وكذلك لو فعل أهل العصور القادمة لما بقي من هذا التراث شيء.

قال «دكتورهم» - في استفهام استنكاري - كيف نعلم أبناءنا حديثا نبويا ينتهي بعبارة «.. وآخر الدواء الكيّ» !!!! مع أننا في عصر الاستنساخ و الجينات والتقدم الطبي المذهل?!!

وقلت: إن الحديث لا يمثل ركنا من أركان الإسلام , ولا أصلا من أصوله, ولكنه حديث من أحاديث «العادة» و«الخبرة» والممارسة البيئية. ومع ذلك فقد رأيت بنفسي «حالة» تدل علي صدق هذا الحديث: لي ابن عم - مازال حيا يرزق - أصيب فجأة - من عدة سنوات - بصداع حرمه النوم أسابيع ذات عدد, وعجز الطب أمام هذه الحالة الغريبة, ولم يفده كم الأدوية الهائل, ولم ينقذه من محنته إلا «كي» جزء محدد من رأسه علي يد «معالج», ورث خبرة العلاج بالكي عن آبائه, قاصدا بعمله وجه الله.

                                  **********

      وبعد أن سقطت هذه الادعاءات والأكاذيب سقوطا ذريعا عاد الدكتور (والصحيح «أنه متدكتر» لا دكتور)- مسايرة منه للقصف الإعلامي الأمريكي الغربي - يدعو إلي «حجب» آيات العنف والقتال عن أبنائنا وطلابنا, وخصوصا «آية الإرهاب». ويعني بآية الإرهاب قوله تعالي: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ...) [الأنفال: 60], وذلك حتي لا ينشأ أبناؤنا علي حب العنف والعدوان - كما يقول المتدكتر.

       وإن من أتاه الله الحد الأدني من البصر والبصيرة يدرك - في سهولة - أن الآية لا تحمل أمرا - صريحا أو ضمنيا - بالعدوان, واستعمال العنف غير المشروع في التعامل مع الآخرين, ولكنه مجرد أمر لهم بأن يكونوا علي أهبة الاستعداد دائما بكل ما يستطيعون من قوة وسلاح . وهي دعوة متجددة للمسلمين في كل زمان ومكان, حتي يكون لهم هيبتهم, ومكانتهم, فيخشاهم أعداؤهم, ويعملون لهم ألف حساب, سواء أكان هؤلاء الأعداء ظاهرين أم كانوا يعملون في الخفاء, ولا يعلنون صراحة عداوتهم للمسلمين.

  وهذا «الإعداد المتكامل» يحقق هدفين:

الأول: حماية الدولة الإسلامية, وكسر العدو إذا ما هاجمها.

الثاني: إيجاد ما يسمي حديثا «بقوة الردع», ويترتب علي وجودها تحقيق السلام المشروع الدائم, إذ أن شعور الأعداء والمتربصين بوجود «قوة رادعة» سيجعلهم لا يفكرون في العدوان خشية ورهبة.

         ولما كان إعداد العدة يقتضي أموالا, وكان النظام الإسلامي يقوم علي أساس التعاون والتكامل, اقترنت الدعوة إلي الجهاد بالدعوة إلي إنفاق المال في سبيل الله { ..وما تنفقوا من شيء يوف إليكم وأنتم لا تظلمون .} [الأنفال: 60] . ويقول الشهيد سيد قطب: «وبهذا النهج يجرد الإسلام الجهاد, والنفقة في سبيله من كل غاية أرضية, ومن كل دافع شخصي, ومن كل شعور قومي أو طبقي ليتمخض خالصا لله, في سبيل الله, لتحقيق كلمة الله, ابتغاء رضوان الله».

       أما الإرهاب النفسي الذي يتمثل في إرهاب الشعوب وإفزاعها, وجعلها في اضطراب وخوف دائمين, فهذا لا يعرفه الإسلام, ورحم الله عمر بن الخطاب الذي قال "لوددت أن بيننا وبين الفرس والروم جبلا من نار, فلا يصلون إلينا, ولا نصل إليهم ".

وقد جعل الله سبحانه وتعالي إشعار الآخرين بالأمن والطمأنينة - حتي لو كانوا مشركين - فرضا علي المسلمين ما لم يتعرضوا لهم بحرب أو إيذاء. يقول تعالي " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون "

  [التوبة: 6].

      والنبي صلي الله عليه وسلم حرّم علي المسلم أن يروّع أي يفزع الآخر ولو علي سبيل الهزل, كما نهي المسلم أن يستشعر الخوف والرهبة في حضرة من هو أعظم منه وأقوي. وحينما رأي رجلاً استشعر الرهبة والخوف في حضرته قال له  " هوًّن عليك, فإني لست بجبار ولا ملك , إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد " .

       ويتسع هذا المفهوم العملي الكريم للتعامل مع الحيوان الأعجم, ومن أعجب ما يروي في هذا الباب أنه وهو في طريقه لفتح مكة رأي كلبة ترضع أولادها, فأمر «جُعيل بن سراقة» أن يقوم إزاءها, حتي لا يفزعها الجيش الزاحف عن صغارها, أو يفزع صغارها عنها.

ومن خلق المسلم ألا يروع البهيمة قبل الذبح, وذلك بحدّ الشفرة (أي شحذ السكين المعدة للذبح), وأن تواري عن البهيمة حتي لا تفزع, وللسبب نفسه يجب ألا تذبح بهيمة أمام أخري.

وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ قال  " إن الله كتب الرحمة علي كلًّ شيء, فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة, وليحد أحدكم شفرته , وليرح ذبيحته " .

                             ************

        والشعور بالطمأنينة والأمان والسلام النفسي يمنح الإنسان طاقة قوية للعمل والإنتاج والتقدم. وفي هذا المعني يقول ديورانت في موسوعته «قصة الحضارة»:  "...والحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق, لأنه إذا أمن الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع, وعوامل الإبداع, وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلي فهم الحياة وازدهارها  " .

     وأخيراً أذكّر القراء بعامة وغلاة العلمانيين بخاصة, بأن البشرية لم تعرف في تاريخها الطويل إنسانية كإنسانية الإسلام في الحروب, فقد كانت وصية النبي صلي الله عليه وسلم للجيوش الإسلامية وقادتها ألا يقتلوا طفلا, ولا شيخا, ولا امرأة, ولا رجالا يعبدون الله في صوامعهم, وألا يضربوا الوجوه, وألا يجهزواعلي جريح, وألا يخربوا ممتلكات الأعداء, فلا يقطعوا نخلا ولا شجرا, ولا يحرقوا بيتا, ولا يقتلوا بهيمة, ولا ينهبوا, ولا يسلبوا, ولا يغلوا.. كما حرم النبي صلي الله عليه وسلم التمثيل حتي بكلب عقور, أي تشويه الجثث وتجريحها, وقد أمر بدفن جثث الكفار بعد انتصار بدر فحفر المسلمون لهم قليبا أي قبرا جماعيا, ودفنوهم فيه. فلما عجزوا عن دفع عدو الله أمية بن خلف لأن جثته كانت قد تورمت, أمر أن يحجر عليه, أي توضع علي جثته أحجار تغطيها حتي لا تنهش الوحوش جثمانه. وقد أخذ المسلمون أنفسهم عمليا بهذه التوصيات والمبادئ في تعاملهم مع الشعوب الأخري في السلم والحرب, والتاريخ خير شاهد علي ما نقول.