عن التطبيع والتدنيس ومسائل المواطنة
بقلم : زهير اندراوس
(1)
يوم
السبت الماضي وصلت إلى حاجز بيت لحم العسكري الذي يفصل مدينة القدس المحتلة عن محيطها الجغرافي العربي،
واذا بجندي من حرس الحدود الاسرائيلي يقترب
مني بسرعة شاهرا سلاحه الاوتوماتيكي ويبلغني بلكنة عبرية غير مألوفة لي ان الدخول الى مدينة مهد السيد المسيح
عليه السلام ممنوع للاسرائيليين،
هذا
المجند استجلب الى فلسطين من اثيوبيا واصبح بقدرة قادر يتحكم بي، ويمنعني من التواصل مع ابناء شعبي. هذا المشهد الذي يميل الى
العبثية تحول الى سوريالي عندما
قفز
قائد الحاجز باتجاه سيارتي وصرخ باعلى صوته: حسب اوامر قائد المنطقة الوسطى فانه يمنع منعا باتا على المواطنين الاسرائيليين
الدخول الى مناطق السلطة الفلسطينية، لان
جنرال الاحتلال قرر ان دخول حاملي الجوازات الزرقاء يشكل خطرا على حياتهم. الحق الحق اقول لكم: لاول مرة منذ ان
خرجت الى النور قبل ستة واربعين عاما شعرت بانني مواطن اسرائيلي، تخاف "دولتي" على حياتي. وعندما
عدت ادراجي باتجاه القدس شاهدت رجلا
وامراة اسرائيليين مائة بالمائة منشغلين في سرقة الحجارة وتحميلها في سيارتهما الخصوصية. في هذا المشهد تتجمع
العديد من العناصر التي تثبث للقاصي والداني الى أي حال وصلنا: استجلاب يهود الى ارض ليست ارضهم، السيطرة على الفلسطينيين من طرفي الخط الاخضر بقوة السلاح،
سرقة ونهب وسلب الحجارة التي تذكرك
بان
الوطن بات مباحا لاعمال السرقة المؤسساتية في الدولة العبرية والفردية. ولكن علام المفاجأة فقد سلبوا ارضنا ولعنوا عرضنا منذ
اكثر من مائة عام، فمن سلب وطنا
وتربى
وترعرع في كنف الحركة الصهيونية فانه يشعر بالاستعلاء ويسمح لنفسه بسرقة كوم من الحجارة، فهو بذلك يرضي غريزته الامبريالية من
ناحية، ويمنع الفلسطينيين من منطلقاته الوطنية
الاسرائيلية من استعمال هذه الحجارة لرشق جنود الاحتلال بها خلال المواجهات.
(2)
بعد
مرور اقل من اربع وعشرين ساعة على الحدث "التاريخي" الذي تطرقت اليه
استيقظت باكرا، ومن نافذة غرفتي في الفندق شاهدت قوات الاحتلال الاسرائيلية تنتشر في كل مكان. الصحف العبرية
تكتب في عناوينها الرئيسة ان الشرطة على اهبة الاستعداد لمنع المتطرفين اليهود من اقتحام المسجد الاقصى
المبارك. عشرات الآلاف من فلسطينيي
الداخل لبوا النداء ووصلوا الى مدينة القدس للدفاع عن مقدساتهم. وبما ان الفانتازيا هي جزء لا يتجزا من نفسية بني
البشر اعتقدت ان الشعوب العربية
والاسلامية
ستهب في دولها وستنطلق المظاهرات الحاشدة للتضامن مع الاقصى. انتقلت من فضائية الى اخرى بواسطة الريموت كونترول، لاتابع
الاحداث، ولكن البرامج في التلفزيونات العربية
كانت ساقطة وهابطة كالعادة، فهنا تشاهد الغناء المتأمرك، وهناك تسمع عن بطولات جلالته في تسجيل الارقام القياسية
باستقبال الوفود، وفي المحطة الثالثة والرابعة
والخامسة تعترف سورية بكذبها وتقر بان الرئيس الاسد، صافح نظيره الاسرائيلي كتساف، خلال مراسم تشييع قداسة
البابا. واذا كنت محظوظا وتابعت نشرة اخبار التلفزيون السعودي فانك سترتاح جدا لان الملك والامير والسلطان ومن
لف لفهم يؤكدون ان سلطات
الامن السعودية تمكنت من قتل عدد من افراد »الفئة الضالة» واحتجاز آخرين.
اسرائيل،
سيداتي وسادتي اطلقت بالون الاختبار يوم الاحد العاشر من نيسان (ابريل) من العام 2005 وتابعت عن كثب ردود الفعل
العربية والاسلامية المريبة حول
الاقصى.
فلم نسمع عن مظاهرة في عاصمة عربية او اسلامية، انما اكتشفنا ان العاهل المغربي الملك المعظم محمد السادس، هو رئيس لجنة
القدس الذي لم يتفرغ للاقصى لانه
ما زال
منشغلا في قمع المعارضة في بلده وفي التحضير للتطبيع مع اسرائيل.
(3)
الشرطة
الاسرائيلية لم تدافع عن الاقصى لخوفها على المقدسات الاسلامية، انما من اجل تسهيل زيارة الابتزاز التي قام
بها راعي الغنم(ارئيل شارون) الى مزرعة راعي
البقر (جورج بوش)، للاجهاز على ما تبقى من الارض الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة. وفعلا استطاعت الشرطة منع
المتطرفين من تدنيس المسجد الاقصى، ولم تمر عدة
ساعات حتى اطلق رئيس "دولتنا" كتساف اقتراحه بضرورة تقسيم الاقصى بين المسلمين واليهود، كما فعلت اسرائيل
في الحرم الابراهيمي الشريف في مدينة الخليل
المحتلة. اقتراح كتساف اكثر من خطير ويكشف عن المخططات الاسرائيلية الاخطبوطية لاستغلال العجز والوهن العربيين لفرض
الوقائع على الارض. فاسرائيل ستحول
هذا
الاقتراح الى حقيقة وستحصل على مباركة السيد بوش وزمرة المنافقين الاوروبيين. أي ان اقتراح كتساف هو النتيجة الحتمية للتخاذل
العربي والاسلامي الذي سجل تطورا
هاما
يوم الثلاثاء الماضي عندما زار وزير "خارجيتنا" سيلفان شالوم، مصر طالبا مساعدتها في اقناع الدول العربية باقامة العلاقات
الديبلوماسية مع اسرائيل. لا يمكن
القول
بان شالوم كان وقحا، بل بالعكس فالرجل ينفذ سياسة حكومته، اما عن النظام الحاكم في مصر فحدث ولا حرج، فهذه الدولة العربية
المطبعة مع اسرائيل حتى الثمالة
تقوم
بين الفينة والاخرى بالتهريج والتشهير بمصري يزور اسرائيل او يلتقي باسرائيليين وتتهمه بالتطبيع مع "العدو الصهيوني"، ونضع هذا المصطلح بين هلالين لانه غادر القاموس العربي منذ سنوات طويلة. هكذا
هي الدول العربية: الدولة تسمح لنفسها بالتطبيع،
ولكن حرصا منها على سلامة مواطنيها- كما جرى معي على الحاجز الاحتلالي الاسرائيلي- فانها تمنعهم من الاقدام
على هذه الخطوة التطبيعية مع "الكيان الصهيوني".
---------------------------------------------
* كاتب فلسطيني ورئيس تحرير
صحيفة "كل العرب" - الناصرة