خريطة طريق للتطبيع

 

 

 

بقلم : عبد الباري عطوان

 

يتصرف المسؤولون الاسرائيليون هذه الايام بطريقة خارجة عن كل حدود الدبلوماسية، ان لم يكن الاخلاق ايضا، في تعاملهم مع نظرائهم العرب، والمصريين علي وجه الخصوص، وزيارة سلفان شالوم، وزير الخارجية الاسرائيلي، الاخيرة الي القاهرة، هي المثال الابرز في هذا الخصوص. الوزير الاسرائيلي طالب الحكومات العربية وبكل وقاحة، بوضع خريطة طريق لتشجيع الدول العربية علي التطبيع مع الدولة العبرية، أي ان تقوم بدور الوكيل السمسار لها، ومقابل بعض الفتات اليابس، مثل نيل الرضا الاسرائيلي، وتخفيف الضغوط الامريكية من اجل الاصلاح الداخلي، وفوق هذا وذاك توقيع صفقة بيع الغاز المصري المؤجلة لاسرائيل!

بمعني آخر، ان يقوم الرئيس مبارك بجولات مكوكية بين العواصم العربية، والخليجية منها علي وجه التحديد، لاقناع حكوماتها بفتح سفارات اسرائيلية وفتح مطاراتها علي مصارعها امام الاسرائيليين، سياحا وتجارا ومافيات، وكأن السلام قد تحقق والحقوق العربية قد عادت والقرارات الشرعية الدولية قد طبقت بالكامل؟!

وما يثير الغيظ ان هذا الطلب الاسرائيلي الاستفزازي يأتي بعد ايام معدودة من اغتيال الجنود الاسرائيليين اطفالا كانوا يلعبون الكرة قرب حدود احدي المستوطنات في مدينة رفح في قطاع غزة، واقتحام مدينة نابلس، وتحدي المجتمع الدولي بالمضي قدما في خطط توسيع مستوطنة معاليه ادوميم الاخطبوطية قرب القدس، وبناء 3500 وحدة سكنية فيها لاحكام عملية تهويد المدينة المقدسة!

لا نعرف ما هي طبيعة الرد المصري علي هذه الوقاحة، ولكن ما نتمني ان يحدث هو الرفض الكامل لها، لان التجاوب معها، وفي مثل هذا التوقيت هو نوع من الانتحار السياسي والاخلاقي والشعبي.

فكيف يمكن ان تتصدر القيادة المصرية لمهمة ترويج التطبيع في وقت تتصاعد فيه محاولات اقتحام المسجد الاقصي وتدنيسه وتدميره من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة، وتشهد اكثر احياء القاهرة اكتظاظا عملية تفجير تستهدف السياح الاجانب وتقتل ثلاثة منهم، وتصيب العشرات.

الرد المنطقي المتوقع علي شالوم ومطالبه الاستفزازية هذه هو طرده من القاهرة او عدم استقباله من قبل الرئيس مبارك علي الاقل، وطرد السفير الاسرائيلي معه علي الطائرة نفسها، فمصر التي تحتضن الازهر الشريف، وانطلقت منها حملات طرد الصليبيين من القدس، لا يجب ان تقبل بتهديد المسجد الاقصي، ولا يجب ان تسكت علي تصريحات موشيه كتساف رئيس الدولة العبرية التي تطالب بتقسيمه بين العرب واليهود، علي غرار ما حدث للحرم الابراهيمي بالخليل.

عودة التفجيرات واستهداف السياح بالقاهرة هما نتيجة احتقان شعبي ومواقف رسمية رخوة تجاه الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة، ولن يكون غريبا اذا ما توسعت دائرة التفجيرات هذه، وامتدت الي مدن اخري، طالما استمرت هذه المواقف واستمر معها الاذعان للطلبات الاسرائيلية المحرجة والمهينة.

شالوم تقدم بلائحة طويلة من الاملاءات الي الجانب المصري، وكأنه الموظف السامي، مثل حراسة الحدود مـــع قطــــاع غزة، ومنـــع تهــريب الاسلحة، وتشجيع الاعتدال في اوساط الفلسطينيين، اي ان تتحول مصر الي شرطي يحمي الاسرائيليـــين بالوقــــت الذي يتعرض فيه الفلســطينيون للقـــتل والتدمــير والاهانات والتنكيل علي الحواجز.

قتل الصبية الثلاثة في رفح احراج لمصر، وتخريب لاتفاقات التهدئة التي توصلت اليها اثناء استضافتها لقمة شرم الشيخ الرباعية والحوارات الفلسطينية التي رعتها في القاهرة ولم يجف حبرها بعد.

في قمة شرم الشيخ توسل المشاركون العرب بشارون ان يفرج عن عدد كبير من الاسري الفلسطينيين لتسهيل مهمة السيد محمود عباس، ولكنه رفض هذه التوسلات ولم يلتزم بأي شيء غير الافراج عن 500 اسير انتهت مدة محكوميتهم أو كادت، الامر الذي يعكس مكانة الزعماء العرب المطبعين عند الاسرائيليين.

ومن المفارقة ان شارون يشن حملة ضارية هذه الايام علي السيد عباس ويتهمه بالضعف وعدم الكفاءة، لانه يرفض جمع الاسلحة الفلسطينية بالقوة والدخول في حرب اهلية مع ابناء جلدته!

مصر بحاجة الي قيادة تتمرد علي هذه الاملاءات الاسرائيلية، مصر بحاجة ان يقف رئيسها وقفة عز ويقول للاسرائيليين والامريكان كفاية لقد طفح الكيل ولم اعد قادرا علي الاستمرار لاداء هذا الدور المهين، الذي لا يتناسب مع حجم مصر ومكانتها ويتعارض مع دينها وعقيدتها.

مسايرة الاسرائيليين يجري تفسيرها علي أنها حالة ضعف تدفع الي طلب المزيد من التنازلات الصعبة والمحرجة دون اي مقابل يتناسب مع حجمها واخطارها، وغالبا ما يؤدي ذلك الي نتائج كارثية. وقد جرب السيد هاني الملقي، وزير خارجية الاردن، ان يكون رسولا للتطبيع الاسرائيلي لدي العواصم العربية، ويثبت مبادرة في هذا الخصوص اثناء القمة العربية الاخيرة في الجزائر، فدفع ثمنا باهضا وأوقع حكومته في حرج كبير ادي في نهاية المطاف الي خروجها من الحكم، دون ان يترحم عليها احد.

القيادة المصرية ارتكبت خطأ كبيرا عندما اعادت سفيرها الي تل ابيب، دون ان تحصل في المقابل علي اي شيء غير المزيد من التعنت الاسرائيلي، وتهديد استقرار جبهتها الداخلية، وزيادة درجة الاحتقان الشعبي المصري.

فهجوم منتجع طابا الذي استهدف السياح الاسرائيليين وهجوم القاهرة الذي استهدف السياح الفرنسيين ما هما الا مقدمات الانفجار الشعبي والاحتجاج علي سياسات الاذعان للضغوط الاسرئيلية والامريكية التي فاقت كل الحدود.

للتذكير فقط ننبه الي ان المتظاهرين المصريين الذين تجمعوا في الميادين العامة والجامعات المصرية رفعوا لافتات تقول كفاية تجويع كفاية تطبيع ، أي انهم ساووا بين التجويع والتطبيع، وربطوا بينهما في ظاهرة تعكس درجة وعي الشارع المصري ووطنيته، وهي ظاهرة لم يفهمها بشكل جيد صانع القرار المصري للأسف.

القيادة المصرية ليست بحاجة الي وضع خريطة تطبيع عربية مع اسرائيل والعمل علي ترويجها وتنفيذها، وانما وضع خريطة طريق معاكسة تنهي ما هو قائم من تطبيع واذلال وتبدأ بمصر نفسها، بعد ان ثبت ان هذا التطبيع لم يشجع عملية السلام، وانما الاعتداءات والمجازر الاسرائيلية بحق الفلسطينيين العُزّل.