الرعب وتوازناته الجديدة

 

 

بقلم :لواء كمال حافظ

 

ما أشبه الليلة بالبارحة أيام الحرب الباردة وقف الماردان الاتحاد السوفيتى وأمريكا يستعرضان عضلاتهما النووية ويفخر كل منهما بإمكاناته التدميرية التى تدعوه لتدمير كوكب الأرض لست مرات، أو لسبع، ووقف الناس على حافة قرن الثور.. ينتظرون عدد مرات الرحيل إلى الأبدية على يد مجنون هنا وأحمق هناك استطاع سكان الأرض أن يبيتوا ليلتهم آمنين إلى وجود توازن الرعب النووي وحين خلت الدنيا من الاتحاد السوفيتى وأصبحت ملكا خاصا لأمريكا عاد الناس ينتظرون ملك الموت المحلق على رؤوسهم لا لشيء إلا لأنه حاكما غبيا فى البيت الأبيض قرر أن يكون الكونت دراكولا الجديد أو مصاص الدماء، وكأن أمريكا كانت فى حاجة إلى تكرار درس فيتنام لتعود إلى ذاكرتها أن كل أرض لها سكانها يدافعون عن مصالحها ويقدسون ترابها.

وكان أن دخلت العراق يسبقها إعلان فاجر صور الغزو على أنه نزهة برية جميلة أشبه بالسفارى، وأعدت أقواس النصر فى كل الميادين وعلى كل نواصى الحوارى.

قالت إنها صورت رقم فانلة صدام حسين الداخلية، وزعمت أن شعب العراق يقوم الآن برى الورود استعدادا لإلقائها على جحافل جيش أمريكا المنتصرة وأن شعبا فى بلاد الرافدين قد شب عن الطوق ويريد أمريكا أن تخلصه من حكامه وأن تضمه إلى امبراطوريتها الشامخة، صوروا لنا الاستعمار كمنقذ للشعوب من بغى حكام ظلمة لم يعودوا يصلحون للقرن الأمريكى القادم تسبقه طبول الحرب وخطوات لاهية لراقصات برودواى الفاتنات!! ووصل بهم الفجور إلى استعراض هدم تمثال رئيس شرعى لبلد كامل الاستقلال ووضع العلم الأمريكى على جبهته ليعلن للجميع درس الطاعة مكتوبا على سبورة إعلام قادر وباغ.

كان للإعلام مدافعه التى اقنعت البعض بأن قوى البغى جاءت هذه المرة بغير امكانات مقاومتها وأن على الشعوب فقط أن تجيد السجود أمام إله جديد لا يملك إزاء الحياة إلا قتلها، احتفلوا بيوم سقوط بغداد ورأى أعوانهم أن يعلنوه عيدا قوميا لبلادهم!! أى سخرية.

وكان شعب العراق هناك مؤهلا لتكرار درس فيتنام وإذا الإعلام عار وإذا صدام حسين يختفى بين ظهرانيهم لعام كامل أو أقل وإذا بالورود تتحول إلى قنابل موقوتة تصطاد جنود أمريكا كالعصافير الطائرات تتهاوى، والدبابات تحترق والصواريخ لم تعد تحسم أى معركة والعراقيون الأبطال يتسابقون لتحويل أيام أمريكا على شاطئ دجلة والفرات إلى جحيم، كل يوم هناك قرية صغيرة من قرى الشمال والجنوب تقدم صورة ناصعة لما فعلته ستالينجراد بقوات هتلر الغازية.

وكان على أمريكا أن تستيقظ فهذا شعب صغير يكاد لا يملك سلاحا يذكر إذا ما قورن بترسانة سلاح غير مسبوق فى التاريخ وها هو بكل هذه الحقائق على الأرض يستطيع أن يذيق الولايات المتحدة الهوان حتى آخر كئوسه.

والتفتت أمريكا إلى أعوانها الذين سبق أن أوصلتهم إلى كراسى الحكم فى بلادنا العربية تأمرهم بنجدتها وتخويف الشعوب من قدراتها القاتلة. فإذا الفضائح تنهال على رأس كل مقاوم بطل لكى يلقى سلاحه ويعيش فى الحظيرة رأسا بين المواشى وحين وجدت أن الطاعة ليست بالسرعة الكافية هددت بمصير صدام حسين فاصطكت جدران القصور وارتطمت الركب ببعضها لأن واحدا منهم لا يرغب فى دور البطولة ولا يجب أن يفارق عرشه وهو الهوى والقيم وهو الحياة، كيف و الحالة هذه تريدونه بطلا.

وكان على الشاطئ الآخر كل الناس أصحاب المصالح الحقيقية فى أوطان مستقرة. منتصرة وتملك إرادتها تنظر بالإعجاب كله والانبهار إلى تجربة شعب العراق وفلسطين وحزب الله ينادى أمريكا أن تأتى بنفسها لنزع سلاحه إن استطاعت وشعب سوريا ينادى أمة العرب أن تفيق من سباتها الذى طال وأن تنزع عن رأسها حلولا انهزامية ورؤوسا شبعت وتريد تكرار الشبع، وفى السودان قسم بعدم الخضوع لأوامر الشرعية الأمريكية الدولية ترى المحكمة مكانا غير مطلوب إلا إذا حاكم خصومها، أما إذا حاكم جنودها القتلة أبطال جوانتنامو وأبوغريب فهى مكان غير شرعى يجب هدمه.

وحين عجزت أمريكا أمام إرادة الشعوب بدأت فى لعبة شراء الذمم وأعلنت أكثر من مرة أن مليونات قليلة قادرة على إدارة رؤوس الناس لتطليق آلامهم وهجر أوطانهم وتغيير قبلتهم إلى بيت الله الحرام الذى أرادوا نقله إلى نيويورك بدلا من مكة المكرمة. وأصبح لهم بعض الأعوان فى كل بلد عربى كعبدة الشيطان يرون القاتل رسول حرية والغازى نبيا تقدم.

وهكذا أعادتها الأيام إلى نوع جديد من توازن الرعب فعلى كل الشواطئ خائفون، أمريكا تريد أن توسع غزوها لبلاد العرب وصناديق قتلاها وأرض العراق تردعها عن التقدم شبرا واحدا قد يكون خلفه جحيم جديد وهى لم تخلص بعد من جحيمها القائم على يد مقاومة عراقية باسلة الحكام بدورهم يرتعدون ولا يجدون طريقا للنجاة، فرئيسهم وسيدهم هناك فى واشنطن يأمرهم بإعلان الحرب على شعوبهم والشعوب تنتظر يوم خلاصها منهم لتمتلك زمام أمرها فتتحصن فى قصورها وحولها الرياش والجوارى والأعوان يبشرون الدنيا ببقاء الحال على ما هو عليه، فالرياح ستسكن والعاصفة ستهدأ وسيبقى السيد سيدا والمسود مسودا حتى نهاية العمر، الجانب الوحيد الذى لم يفزع بعد هو جانب الشعوب، فبرغم انفجار هنا وتآمر هناك وشرعية دولية ذيليه وطبقة تقودها أمريكا إلى مصير هيئة الأمم وبرغم ملايين توزع هنا وهناك ففى كل حارة وعلى سطح كل بيت تنتظر أمريكا مقاومة شرسة تعيد الصواب إلى عقول استولت عليها العضلات فاسلمتها إلى جنون مطبق.