سلطة ومعارضة في تونس:
نعم لاسلاميي الخارج لا لإسلاميي الداخل
بقلم: الشيخ
راشد الغنوشي
أسباب كثيرة طبعت
علاقة دولة الحداثة العربية بالاسلام غير أن الدولة التونسية الحديثة قد اتسمت
علاقتها بالاسلام بقدر أكبر من التوتر بلغت حد الاستهداف، إذ راهن الزعيم الأوحد
على تهميش الاسلام وإزاحته من موقع السلطة الاعلى. وفي الحد الادنى قد راهن على
إعادة تشكيله بحسب النموذج الحداثي للزعيم، وذلك انطلاقا من توله الزعيم بذاته
وبمنزعه الحداثي تولها تجاوز حد الاعجاب بالذات والنرجسية الى تأليه ذاته، وهو ما
جعله بالضرورة في تصالب كامل مع ما يطلبه الدين من معتنقيه: الاستسلام الكامل لله
واعتبار سلطانه ورسوله فوق كل سلطان عبر الاذعان المطلق للكتاب والاقتداء بالرسول،
وهو ما يضيق به الزعيم ذرعا لأنه في ذلك الموقع بالذات يريد أن يحل في شعبه، أوليس
هو من خلق هذا الشعب وخلق هذه الدولة؟
ولربما قد أسهمت
السياسة بعض الشيء في دفع هذا التوتر الى حد الرغبة في الثأر والانتقام وذلك بأثر
تحيز المؤسسة الدينية الى منافسي الرئيس على السلطة والمكانة في الشعب فهي القاعدة
المؤسسة للحزب الذي راهن على افتكاكه وتهميش أهله، وهي وقفت الى جانب أخطر خصومه
ابن يوسف رحمه الله، فاختلط منزعه الحداثي اليعقوبي المتطرف مع طموحاته السياسية
ونرجسيته، فكان الاستقلال بمعنى من معانيه ليس انتصارا على الاستعمار الفرنسي بقدر
ما هو انتصار على الاسلام ورجاله ومؤسساته، انتصار لاستراتيجية المحتل بيد أبناء
البلاد في قطع هذا الجزء من دار الاسلام عن نسيجه الطبيعي والحضاري العربي
الاسلامي وإلحاقه بأوروبا امتدادا لها. إنه نوع من الثأر الموتور والغرورالنخبوي
المجنون.
ولقد تتالت وبسرعة
مذهلة ضربات المنتصرين بمجرد تبوئهم عرش البلاد مستهدفة الاسلام مؤسسات (جامع
الزيتونة، المحاكم الشرعية، الوقف، الكتاتيب..) وعقائد (السخرية من الجنة والنار
ومعجزات الانبياء، ورمي القرآن بالتناقض..) وشعائر (استهداف ركن الصوم، والحج،
والنيل من الأضحية ، واستهداف الحجاب..(
غير أن المجتمع ما
لبث على وقع بدايات انتكاسات مشروع التحديث وخيبة وعوده أن استفاق من أثر المخدر
واكتشف حجم الخديعة وهول الكارثة وتفاقم الاخطار المحدقة بالهوية وبالاخلاق
والدين، فكان انبعاث الحراك الاسلامي في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات في قلب
مؤسسات التحديث ولك أن تقول بكلمة أدق التغريب: المؤسسة التعليمية مواجهة للداء في
منابته. وما أن أخذ الجسم الوليد يشتد عوده ويكثر أنصاره حتى استدارت اليه ماكينة
القمع التي كانت منشغلة بمواجهة تيار اليسار، فما تلبث أن تتصالح معه فيتحالفان
لمواجهة العدو المشترك. ولم يجد تعقل التيار الاسلامي وانفتاحه على مكاسب الحداثة
شيئا في صرف الدولة عما تأسست عليه وترسب في مؤسساتها من تراث عدائي مستحكم للآخر
المعارض وبالخصوص إذا استند الى مرجعية اسلامية تعطي لخطابه عمقا واتساعا خطيرين
على دولة مشخصنة في رئيسها مزوقة بأصباغ الحداثة للتمويه على طبيعتها ماقبل
الحداثية الناهلة من منابع الفاشية وحكم الاطلاق وأسوأ ما في تراث البايات. كما
باءت بالفشل كل محاولات تهدئة الصراع بله التصالح مع التيار الاسلامي رغم رفضه
المطلق للرد على عنف الدولة بعنف شعبي وتأكيده المتكرر بالقول والفعل لمناهج
الاصلاح السلمي واستيعابه ضمن منظور اجتهادي واسع لمكاسب التحديث ومنها القبول
بمقومات الحكم الديمقراطي ودعوته المتكررة لنخبة الحداثة سواء تلك التي في السلطة
أم تلك التي في المعارضة.
من في السلطة وبعض
ممن في المعارضة لا يزال مصرا على نهج التشكيك في دعاوى الحركة الاسلامية السلمية
الديمقراطية، وبالخصوص فيما تضمره من نوايا! وما تمثله من أخطار على مكاسب التحديث!!
الاسلاميون عند هؤلاء هم بالطبيعة أعداء للحرية ولا حرية لأعداء الحرية!! وهؤلاء
أو معظمهم على الاقل وبالخصوص أهل السلطة هم رافضون بالطبيعة والتكوين للآخر
للديمقراطية التعددية الحق وحتى عندما قبلوها حرصوا ولا يزالون على إفراغها من
مضامينها وآلياتها التي تفضي الى نزع القداسة عن الدولة ورجالها وإخضاعهم للقانون
وإرادة الشعب وللمحاسبة وسنة التداول بينما هم مصرون على نهج تأليه الدولة
والقائمين عليها واعتبار الدولة رأسها حيث تتجمع كل السلطات وحيث لا مجال للمساءلة
والنقد. الاعتراف بالاسلاميين بالذات وحتى في صورة انسحابهم من المنافسة على
السلطة يبقى حاملا لاحتمال الديمقراطية المعلنة من طور الديكور والشعار الى حقيقة
فعلية. فلم المخاطرة لا سيما والوضع الدولي مناسب. الحرب على الأصولية تجارة رابحة
في هذا الزمن!! ومن جهة أخرى لا تزال هذه السياسة تلقى قدرا غير قليل من رضى
النخبة السياسية والفكرية حتى المضطهدين منها. فلم وجع الرأس والمخاطرة إذن؟ ذلك
موقف قطاع من المعارضة المشاركة للسلطة في خطتها الاستئصالية إما بدافع الخوف من
السلطة والطمع في بركاتها، أو ببواعث إيدولوجية. أما القطاع الآخر من المعارضة فهو
لئن حافظت بعض رموزه منذ انطلاقة الحملة الصليبية الأخيرة على الحركة الاسلامية بل
على الاسلام وتراثه على موقف خلقي نبيل أبى على أهله الانخراط في الجريمة حتى
بالصمت مثل المناضل منصف المرزوقي، ورغم تصاعد وتيرة خطابه في المطالبة بسراح
المساجين الاسلاميين -ولم يبق غيرهم تقريبا- وإصدار عفو تشريعي عام والاقدام على
لقاءات هنا أو هناك بالاسلاميين (مثل اللقاء الجامع الذي انتظم في مقر التجمع
الديمقراطي التقدمي حول العفو التشريعي برئاسة الاستاذ نجيب الشابي رئيس الحزب) فقد
استمر التردد والاحجام عن الوصول بتلك العلاقات الى مستوى العمل المشترك الذي ما
يبدو عنه محيص إذا كان القوم جادين في التغيير. لقد أثبت عقد ونصف من المعارضة
العلمانية ضعفها وتمزقها واستهانة السلطة بها، وهي ولئن حققت المدة الاخيرة بعض
التقدم على صعيد معارضة جادة في الشارع لسياسات سلطوية مثل توجيه الدعوة لمجرم
الحرب شارون الى زيارة رسمية لتونس ورغم
نجاحها في تجميع لصفوفها، لا يدري أحد مدى تواصله وتماسكه، إلا أن الحجم الذي
تحركت به من أجل انتزاع حق التظاهر وهو مقياس النجاح وبداية طريق الاصلاح، هو دون
المطلوب المحقق للتوازن مع ماكينة القمع العملاقة والمتوحشة. ما الذي حال بينها
وبين توجيه الدعوة الى التيار الاسلامي بدل القبول بخطة السلطة في تهميشه وإقصائه؟
إن لذلك تكاليفه ولا شك، ولكنك هل يمكنك أن تغير سلطة وأنت ملتزم بخطوطها الحمراء
ومنها اللقاء بالاسلاميين؟ أم هل يمكنك أن تغير سلطة دون أن تصنع وتقود إجماعا
وطنيا في مواجهتها، مما سماه ابن خلدون بالمطالبة القوية، إذ السلطة بحسبه قد تبلغ
طور الهرم ولكنها لا تسقط لا بسبب منعة ذاتية بل لانعدام الطالب، أي الطالب الجدير
بهذا الوصف، ولا طلب حقيقيا دون أن يكون وراءه تيار شعبي واسع ولا سبيل الى ذلك مع
تجاهل التيار الاسلامي، فقد كان ولا يزال يمثل الجيل الجديد وقوة الشباب والعمق
الشعبي أولسنا في عهد الصحوة الاسلامية غير أن هذه الصحوة على اتساعها في بلدنا
وفي أرجاء الوطن العربي والاسلامي لا يزال أهلها
بعيدين – ضمن الموازين المحلية والدولية- أن ينفردوا بالنهوض بمتطلبات
التغيير، وهو ما يفرض عليهم القبول بالآخر العلماني ليصنعوا معه وبصدق معادلة
التغيير على أساس برنامج وفاق وطني على طريق ديمقراطية صناديق الاقتراع.
غير أنه من المفارقات
اللافتة في العلاقة بين التيار الاسلامي والتيار العلماني في بلادنا:
1- أن السلطة الوريثة للأصولية العلمانية
البورقيبية المتطرفة وللدولة المتألهة والمتماهية مع رئيسها في صيغة وحدة وجود
حلولية لئن لم تكتف بالتواصل مع ذلك التراث بل زكّته تعميقا وتوسيعا حتى ما استبقت
أسرة تونسية دون أن يمسسها حظ من القمع والشعور بأنه مستهدف في دينه ورزقه وشرفه
وكرامته (وتكفي مقارنة بسيطة بين عدد ضحايا القمع البورقيبي للاسلاميين وضحايا
خلفائه) فإنها وبشكل ملفت للنظر بقدر إصرارها موالاة نهج الاستئصال ورفض كل نداءات
الاصلاح والحوار التي أطلقها اسلاميو الداخل، بقدر ما عبرت عن مرونة في التعامل مع
اتجاهات التطور في الساحة العربية والاسلامية والمتسمة بتصاعد نفوذ وتأثير ما يسمى
بالاسلام السياسي، فخلافا للعهد البورقيبي الذي بادر بقطع العلاقات مع ايران
الاسلامية لم يلبث العهد "الجديد" أن تواصل معها بل ارتفع بمستوى
التعاون الاقتصادي والثقافي مستوى معتبرا مشترطا شرطا واحدا فقط لاستمرار العلاقة
وتطورها قطع العلاقة مع النهضة. وفعل الشيء ذاته مع السودان بعد قطيعة دامت بضعة
سنوات، مشترطا لقيام العلاقة وتطويرها فقط طرد لاجئي النهضة. ولو وقفت العلاقة عند
مستوى الدول لأمكن اعتبارها مقتضى من مقتضيات العلاقات بين الدول -وهي حتى في هذا
المستوى تجاوزت المسالة الشكلية الى التعاون الوثيق- إلا أن هذه السياسة تجاوزت
العلاقة مع الاسلام السياسي الرسمي الى الاسلام السياسي الشعبي، ظهر ذلك واضحا من
خلال الدعوات المتكررة الموجهة من طرف رئاسة الجمهورية الى الشيخ محفوظ نحناح رحمه
الله رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية لشهود احتفالات 7-11 بقصر قرطاج، وتواصلت
الدعوات لخليفته لحضور مؤتمرات الحزب الحاكم وغيرها من المناسبات الرسمية، كما أن
سفراء تونس أذن لهم أن يلبوا دعوات الاحزاب الاسلامية لشهود مؤتمراتها في المغرب
وفي الجزائر وأندونيسيا... بل هناك مؤشرات واضحة على علاقة غامضة مع مع حزب الله
اللبناني. كما أن السلطة لم تعترض على مشاركة اسلاميين ومغاربة في ندوات انعقدت
بتونس سواء أكانت بدعوة من منظمات أمريكية أم كانت بدعوة من أحزاب تونسية معارضة. وحديثا
حظي باستقبال بهيج الأصولي التركي صديقنا أردوجان، كما حظي بالاستقبال في تونس
أكثر من وزير أصولي عربي ومن البلاد الاسلامية.
2- إن المعارضة التونسية الديمقراطية هي الأخرى
لم تسلم من ازدواجية الموقف وتعدد المعايير في التعامل المختلف بين اسلاميي الخارج
وإسلاميي الداخل. والمثال الأبرز تجلى خلال الندوة التي دعا اليها الحزب
الديمقراطي التقدمي تحت لافتة جميلة "مغرب عربي بلا مساجين سياسيين" وهي
مبادرة لا يملك مضطهد سياسي مثلنا إلا أن تقع على قلبه بردا وسلاما ويثني الثناء
كله على أصحاب الفكرة والمنفذين لها. ورغم الحضور المكثف للاسلاميين وتمحور موضوع
اللقاء حول قضيتهم باعتبارهم المظلمة الأبرز المتبقية في المنطقة، إلا أنه لم يبلغ
الى علمي أن الدعوة قد وجهت الى النهضة كما وجهت الى اسلاميي المغرب حزب العدالة
والتنمية وجماعة البديل الحضاري كما أنها من المفترض أن تكون قد وجهت الى اسلاميي
الجزائر وربما موريطانيا.
وفي كل الأحوال فإن السؤال الذي يفرض
نفسه، إذا كانت السياسة لا يمكن إلا أن تتعامل مع معطيات الواقع مهما كانت كريهة،
وهو ما حمل أصوليو العلمانية في السلطة على التعامل الايجابي مع أهم اتجاه من
اتجاهات التطور في العالم العربي والاسلامي أعني الانخراط المتزايد والتأثير
المتصاعد للاسلام في الحياة السياسية المعاصرة حتى على الصعيد الدولي وذلك بعد
تهميش طويل. الاحزاب السياسية الكبرى في الغرب تتسابق على الصوت الاسلامي وتعيد
صياغة برامجها وتهيئ مؤسساتها للتعامل المعطى الاسلامي الجديد باعتبار الاسلام
بسبيله الى التحول الحاسم جزء مؤثرا في معادلة التوازنات الداخلية وفي السياسات
الخارجية، وذلك من باب الاولى في بلاد العرب والمسلمين. السؤال الى متى ستنتظر
جماعات الحداثة في بلادنا وفي بلاد مماثلة جامدة عند هذه المعادلة المخجلة: نعم
لاسلامي الخارج لا لاسلاميي الداخل؟ مصر تستقبل جماعة حماس والجهاد، بينما تستمر
في تجاهل واضطهاد الحركة الام: الاخوان المسلمون. وشبيه بذلك تفعل المعارضة
العلمانية. سوريا تؤوي نفس الحركتين وحزب الله بينما تصر على الاستمرار في رفض
نداءات التصالح التي يطلقها اسلاميوها، إلا أن المعارضة السورية على علاقة تعاون
محمود مع الاخوان. وعلى فرض أن إسلاميي الداخل متطرفون فهل هم الأكثر تطرفا مع أن
كل دارس منصف يشهد على الضد من ذلك وأنهم مساهمون إن لم يكونوا روادا في تطوير
الفكر السياسي الاسلامي الحديث في اتجاه التفاعل الايجابي مع الديمقراطية وفكر
الحداثة؟ أم أن الأمر يتعلق باسترضاء الخارج في زمن الحرب على الأصولية، وهو معطى
غير ثابت، فالسياسة قلّّب ولا ينأى مسارها كثيرا عن الواقع، وهو ما أخذ يفصح عنه
الخطاب الغربي تهيؤا للتعامل مع عالم اسلامي الاسلاميون قوة رئيسية مؤثرة فيه لا
يمكن تجاهلها إن بصدد أي تحول ديمقراطي أو بصدد استقرار ونمو، وتصدّ لاتجاهات
التطرف والارهاب؟ أم أن الامر بالنسبة للمعارضة لا يتعلق باحترام خطوط حمراء تضعها
السلطة في وجهها: معي أو مع الارهاب، وإنما هو باعث الحرص على وحدة الصف العلماني
المعارض بسبب أجنحة فيه عقائدية إقصائية لا يمكن أن تحفظ وحدتها الداخلية إذا هي
قبلت العمل المشترك مع الاسلاميين؟ إذا كان الامر كذلك فالجدير بالاقصاء من يقصي
غيره، لا من يطالب ويسعى الى وحدة الصف المعارض على أرضية المواطنة والحريات
الديمقراطية والحقوق المتساوية. السؤال الى متى سيستمر الاستئصال حاكما في بلادنا
هل يحسب أن تونس هذا البلد الصغير الذي حوله الاستئصال معتقلا وسجنا كبيرا ومشغلا
لكل المنظمات الحقوقية والانسانية حتى غدت التجربة التونسية في التحوير الدستوري
الذي أفسح المجال أمام تعددية فجة مفرغة من المضمون مضرب الأمثال وموضوعا للتهكم
في الصحافة المصرية هذه الايام بصدد التعليق على الاصلاح الدستوري الذي اقترحه
مبارك متأثرا بالنموذج التونسي السيء؟
الى متى سيتمر الحرث
في البحر من خلال التنكب الرسمي وعلى نحو ما الشعبي المعارض عن تجاهل أهم معطى في
السياسة الدولية: الاسلام، أو الاسلام السياسي بحسب التعبير الدارج؟
قال تعالى: "وقل
جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"