مـسـار لا قــرار
بقلم :محمد
كريشان
في يوم واحد تقريبا
حدث في مصر وسورية ما لم يكن متوقعا: في القاهرة يصدر التقرير السنوي الأول للمجلس
القومي لحقوق الانسان الذي عينته السلطة ليؤكد الاتهامات الموجهة إلي هذه الأخيرة
بممارسة التعذيب بحق المعتقلين، موصيا بالافراج عن كل من صدرت أحكام بإطلاق سراحهم
تجاهلتها الجهات الرسمية ومطالبا برفع حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ 1981.
أما في دمشق فالتقرير السنوي الثاني لجمعية حقوق الانسان في سورية غير المعترف بها
لم يتردد في اتهام السلطة بالمسؤولية عن وفاة 13 شخصا تحت التعذيب داعيا هو الآخر
إلي إلغاء حالة الطواريء في البلاد ومحكمة أمن الدولة العليا.
التقرير الأول رسمي
صادر عن هيئة عينتها الحكومة برئاسة الديبلوماسي السابق بطرس غالي وأثيرت تساؤلات
كثيرة حول مدي استقلاليتها ومصداقيتها أما التقرير الثاني فعن هيئة مستقلة يرأسها
المحامي هيثم المالح وما تزال السلطات لا تعترف بقانونيتها التي قد تضطر المحاكم
للبت فيها... مع ذلك التقي التقريران في سرد وتعداد الكثير من الخروقات في مجال
حقوق الانسان كما اشتركا في بعض المطالب الأساسية لتحقيق الحد الأدني من الانفراج
في هذا المجال مما يدل علي أن زمان غرس الرؤوس في الرمال ينحسر كل يوم وأن قضايا
الحريات وصون كرامة المواطن وحقوقه السياسية لم تعد أمرا يمكن أن يحتمل المزيد من
التسويف أو التضليل.
في الحالة المصرية شذ
المجلس القومي للحريات عن مجالس مماثلة في البلاد العربية ظلت محكومة بأحد أمرين
إما أنها تقدم تقارير غير معلنة للقيادة السياسية الله وحده يعلم ما ورد فيها أو
أنها تنشر تقارير تعدد فيها من المكاسب والانجازات في مجال حقوق الانسان ما يجعلك
تظن أنها تتحدث عن بلد آخر، كما أنها لا تتحرج في الذهاب إلي حد اتهام مدعي التعرض
للتعذيب بالكذب وفي أحسن الأحوال اللجوء إلي ذلك التبرير الجاهز دائما بأن ما حصل
تصرفات فردية معزولة ونادرة لا تدين الحكومة في شيء.
أما في الحالة
السورية فقد خرجت الجمعيات غير المعترف بها عن حذرها لتفرض نفسها عنصرا فاعلا في
فضح الانتهاكات دون انتظار أن تفعل ذلك منظمات دولية سرعان ما يتم وصمها كالعادة
من قبل الحكومات ومريديها بأنها تتحرك في سياق أجندة تآمرية معادية.
نقطة إنصاف سريعة لا
بد من ذكرها: ما كان لتقريري القاهرة ودمشق أن يريا النور لولا أن حكومتي مصر
وسورية أدركتا، عن اقتناع أو عن مضض، بأن مرحلة سياسة معيز ولو طاروا تحتضر وبأنه
لا مفر من تعديل عقارب الساعة قليلا أو كثيرا. وفي حين أن أجواء الحريات الصحافية
السائدة تقليديا في مصر ما كانت لتسمح بالتعتيم علي تقرير المجلس القومي لحقوق
الانسان حتي لو أرادت الحكومة ذلك فإن من اللافت للانتباه في سورية أن السلطات لم
تمنع المؤتمر الصحافي الذي عقد للاعلان عن التقرير.