بمناسبة موت بابا الفاتيكان :
من ينقذ أمواجا هادرة من الناس بإذنه سبحانه من النار؟
بقلم :الهادي
بريك
ألمانيا
( 1 )
هل يهتم المسلم بموت
البابا في ذات اليوم الذي تحبك فيه آخر خيوط المؤامرة الخسيسة ضد العراق ومثلها ضد
فلسطين في ظل صمت مسيحي وربما مباركة من كتابيين آخرين ؟ من مشاكلنا اليوم الاسئلة
الخاطئة لانها لا تؤدي إلا إلا أجوبة أشد خطأ . وهذا الضرب من التفكير جدير
بالاعتراض على سورة الروم التي أبت إلا أن تعزي المسلمين بمناسبة غلبة غير أهل
الكتاب على أهل الكتاب في يوم لا يأمن فيه المسلم على نفسه من بطش قريش في السنوات
الاولى للدعوة وهو يهم بقضاء حاجته بعيدا عن بيته فإذا كان من المناسب جدا أن تلفت
سورة الروم أنظار المسلمين ــ وهم يومها
قلة قليلة مستضعفة في موطن تنكيل في ظل صمت مسيحي ومباركة يهودية ــ إلى
شأن دولي يبعد عنهم يومها آلاف الاميال بالتعزية والتبشير في شأن أهل كتاب سماوي
هم الروم فإنه من المناسب كذلك وبذات منهج التفكير أن يهتم المسلمون اليوم بموت
قائد أكبر طائفة دينية سماوية على الارض أي الكاتوليك . فإذا قصر المنهج القرآني
عند بعضنا في الوفاء بمسوغات الاهتمام بذلك حمقا وطيشا فإن مسار الثورات التقنية
التي قربت المسافات وجعلت من كوننا بأسره غرفة زجاجية صغيرة فضلا عن فرضية وضرورة
إهتمام المسلم بما حوله ومن معه فوق الارض لكفيلة كلها وغيرها كثير في الحقيقة
بحثو التراب في وجه المتنكبين عن إلتقاط الدروس والانتفاع بالمغازي والعظات التي يجريها
سبحانه في كونه وخلقه لحكم كثيرة نعلم منها بالتأكيد حكمة التدبر من قبلنا والتأمل
من لدنا لتقلبات الليل والنهار كيف ترفع هذا وتخفض ذاك لا بل من لم يزده موت
البابا إيمانا بعقيدته الاسلامية فقد أهال على رساميله الايمانية أكواما مكومة من
التراب الذي جلدته سحب الغفلة .
سبحان الحي الذي
لايموت ولله در من وقف لجنازة يهودي عليه السلام :
ذلك هو الدرس البليغ
الاول الذي إرتسم في ذهني وأنا أرقب بعيني عبر شاشات الفضائيات فربما ظن بعض الناس
ولو لوهلة صغيرة قصيرة بأن موت الرجال العظام والشخصيات الكبيرة في أعينهم أمر لا
يحدث كثيرا أو أن قبض أرواحهم إليه سبحانه لا تجري عليه ذات السنن الجارية على
غيرهم لا بل ربما ظن أولئك الكبار حقا أو من يعتقدون في أنفسهم العظمة بتعظيم
الاتباع لهم بأن الموت هو آخر شئء تفكر فيه " الطبيعة " أو يقدم عليه "
الرب " . يزحم بسيطتنا اليوم أكثر من ستة مليارات من البشر بالتأكيد ليس منهم
من يزحمها قبل قرن واحد واحد وعما قليل يزول ذلك العدد الرهيب الذي يعييك مجرد
رسمه بأصفاره الكثيرة ثم يرث الارض عدد آخر وهي كذلك مذ خلقها سبحانه وأنزل إليها
آدم عليه السلام : عجلة دوارة موارة لا تتوقف عقاربها لحظة واحدة تعطي بإذن ربها
سبحانه كل مولود فرصة من الدهر ثم تطويه طيا فهل لك أن تتصور كم زحم البسيطة من
أول الخليقة إلى مطلع شمسك اليوم وهل لك أن تتصور كم يزحمها بعدك حتى يرثها الديان
سبحانه ؟ لا ليس من الابتداع في العقيدة ولا في الدين أن تحاول تصور ذلك فأرسم ما
شئت لنفسك أن ترسم من الارقام والاصفار على يمينها فهل تراك قاربت العدد ؟ الغرض
من تلك العملية الخيالية هو حشر مزيد من الادلة الظاهرة الباهرة على قوته وعظمته
وجبروته ورحمته سبحانه طردا للغفلة عن قلبك . ولي النعمة سبحانه لا يقضي الموت على
العباد نقمة بل رحمة ولو لم يكن الامر كذلك لما قبض إليه عبادا قربهم إليه تقريبا
فأحبهم وبث حبهم في أفئدة الخليقة وعلى رأسهم جميعا محمد عليه السلام الذي خيره
بين رسولية العبد وبين نبوة الملك فأختار الاولى فأثنى عليه سبحانه كثيرا في
القرآن بلفظ العبد " سبحان الذي أسرى بعبده .." كما خيره عند موته عليه
السلام بين الحياة وبين الانتقال إلى الرفيق الاعلى فأختار الثانية وذلك دليل على
أن الموت سيما للمحسنين رحمة لذلك قال عليه السلام " الموت تحفة المؤمن "
فإن كنت من أهل الله وخاصته بما تشرب فؤادك من نسائم الذكر الحكيم فقل في نفسك عن
كل باك لفقد مؤمن " مسكين هذا لوعلم النعيم الذي إنتقل إليه صاحبه لحسده أو
قاتله عليه بحد السيف ". عمر بابا الفاتيكان أكثر من أربعة عقود قضى منها
ثلثها تقريبا على رأس الكنيسة الكاتوليكية وزار أكثر أصقاع الدنيا متفقدا لاحوال
أتباعه داعية إلى دينه فلما حضرته المنية ما أغنى عنه ذلك من شئ لما جاء أمر ربك
ومن قبله طغى فرعون وقارون وهامان في الارض طغيانا ضجت منه الجبال فسبحان من يمهل
ولا يهمل وسبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته . لذلك لم يأمرنا عليه
السلام بذكر الموت هازم اللذات ومفرق الجماعات بل أمرنا بالاكثار من ذكره " أكثروا
ذكرهازم اللذات .." ولذلك كان عليه السلام كلما فرغ نصب بزيارة المقابر سيما
البقيع وأمرنا بزيارتها لانها تذكرنا الاخرة أما من يمنعون المرأة اليوم من ذلك
فهم جهلة يعترضون على قوله " النساء شقائق الرجال " وكانهم يسألون يوم
القيامة عن دين وعبادة وتقوى نسائهم . درس بليغ يرقق القلب ويذكر بالموت والبلى
ويعظم الله سبحانه في نفوسنا لابد لنا من إلتقاطه عند كل حادثة موت وخاصة موت
الكبار حقا أو من يعتقدون في أنفسهم ذلك أو يعتقد فيهم أتباعهم ذلك . درس بليغ جعل
الحبيب محمدا عليه السلام يقف لجنازة يهودي فلما أخبر بذلك ظنا من الصحابة بأنه لا
يعرف صاحب الجنازة قال " أليست نفسا " . أليست نفسا هذه علمها لمن يشغب
عليه عليه السلام فيخطئ الاهتمام بموت بابا الفاتيكان ويتبع هواه ـ هوى العلماء ـ
فيأخذ من سنته عليه السلام ما يريد ويدع مايريد . أليست نفسا هذه علمها لمن ينكر
عليك إهتمامك بموت بابا الفاتيكان بقوله بأن جيفة قذرة توفاها مولاها ويزج بها في
النار . علمه أدب محمد عليه السلام إن كان يوقره حقا ويدعي إتباعه وهو أولى الناس
تفويضا من رب الناس بسب الاموات سيما الكافرين منهم سوى أنه عليه السلام فضل توقير
الموت والوقوف لرب الموت حملا للنفوس التي يقتلها الهوى ـ وهوى العلماء أشد نكاية
من هوى العامة ـ على كثرة ذكر الموت لعلها تؤوب إلى الرحمان سبحانه بذلك . أليست
نفسا هذه مشروع كامل متكامل في حقوق الانسان لو كنا حقا نؤمن بحقوق الانسان في
الاسلام أما إذا كنا نكيل بألف ألف مكيال فبم نستحق نصر الرحمان لنا وقد إستوينا
مع من يحاربنا ظلما ؟ فهل نفضله بلحى علتها القذارات أم بأقمشة يكاد الكبر يصرخ
منها صراخا سوى أنه صراخ لا يسمعه الثقلان .
( 2 )
درس الامس كان عنوانه
: لك أن تكون ما شئت في هذه الدنيا علما وقدرا وذكرا ومالا وطغيانا وجاها وسلطانا
سوى أنه عليك أن تذكر أنك يوما لا محالة على آلة حدباء محمول وأنك تظل مرهونا
بعملك وبه مجزي جزاء وفاقا بعد فراق الاهل والمال وأنك مجلوب يوما لا محالة طالت
ما طالت بك الدنيا أو رقدت ما رقدت في قبرك إلى محكمة سماوية عليا مغلول الايدي برفقة
سائق وشهيد لا مفر ولا رشاء ولا شفيع ولا وكيل ولا أملا بتأجيل التنفيذ فأعبد ربك
حتى يأتيك يقين الموت فكل نفس ذائقة الموت لا بل ربما تنتهي حياتك وأنت حي ترزق إذ
أعرف صديقا عزيزا ويعرفه مثلي حق المعرفة مئات من الناس ويسمع به آلاف مؤلفة كان
حتى قبل أسابيع قليلة يكتب بدأب لا يعرف الملل وينشط هنا وهناك وهو ملء سمع الناس
تكاد لا تلين له قناة قلم يوما واحدا على مدى سنوات في منفاه وقبل ذلك كان ذو فضل
كبير من ولي النعمة سبحانه على آلاف من الناس هدى به ربه سبحانه أعينا كانت عميا
وآذانا كانت صما حتى داهمه مرض عصبي عضال فشل منه حركة النطق كليا وحركة نصفه
كاملا فلا ينبس ببنت شفة ولا يتحرك منه أنمل لا يقوى على قضاء حاجته البشرية دون
مساعد ولا يرد تحية سوى بعين باكية حزينة . ألم تنته حياة هذا قبل نهايتها ؟ أنا
لا أكتم إخواني كلهم من عرفت منهم ومن لم أعرف بأن نهاية هذا الصديق العزيز على
هذه الشاكلة الحزينة المؤلمة فعلت في نفسي فعلها أخدودا غائرا جعلتني كلما ذكرت
الحالة أقرب إلى ولي النعمة سبحانه ذاكرا لفاجعات الدنيا وسوء منقلباتها الغادرة
وبذا أوصي كل الناس فالموت يتخطفنا من كل صوب وحدب دون إنذار مسبق والانسان مسؤول
عن سمعه وبصره ولسانه وقلمه وكل حركة تصدر عنه حتى ظن سوء أو خائنة عين . وكذلك
بابا الفاتيكان كان بالامس القريب محل أنظار مليار من أتباعه يأتمرون بأمره
وينتهون بنهيه وهو اليوم وليمة دسمة كريمة للديدان موقوف بزنزانة ضيقة في إحدى
سجون الايقاف التحفظي حتى يوم المحاكمة : فريق في الجنة وفريق في السعير .
سبحان مقلب الليل
والنهار : اليوم أمواج هادرة باكية لفقد البابا وغدا يفتح الاسلام رومية .
من كان يشك في فتح
الاسلام لرومية تحقيقا لنبوءة محمدية صادقة فليس عليه إنسجاما مع نفسه سوى
الاعتقاد بأن الاتراك الذين يزحمون تركيا اليوم منذ قرون طويلة ليسوا مسلمين ولم
يكونوا يوما أهل خلافة إسلامية واسعة ولم يسجل التاريخ إسم محمد الفاتح ومن يحكم
القسطنطينية اليوم ليسوا سوى أتباع هرقل . قلت في نفسي وأنا أتابع أربعة ملايين من
الناس ربما جلهم من الشباب ذكورا وإناثا حسبما تبدي لنا الفضائيات ضجت بهم أرض
رومية بأسرها غطى الحزن العميق وجوههم ودمعت عيونهم يعيشون شظف الحياة لمدة نصف
أسبوع تقريبا ... سبحان مقلب الليل والنهار رومية هذه موعود لنا فتحها بالاسلام
العظيم الكريم وعدا صادقا لا يكذب وهل يكذب الرائد أهله ؟ سوى أن أمر فتحها له
أسباب وشروط وسنن وأقدار يحركها ولي النعمة سبحانه وما يظهر لنا منها اليوم يكاد
يزعزع عقيدة المؤمن راسخ العلم لفرط تبرج الظلم وتهافت سقط الارض علينا تكأكؤ
النهمين على مائدة طاب ما عليها وإنزوى جزعا من حواليها وليس للمؤمن راسخ العلم
إلا أن يردد مع أهل الخندق " هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله "
فلا تزيده الامواج الهادرة المتلاطمة من البشر في رومية حول جنازة البابا إلا
إيمانا بفتح رومية وتسليما بأقدار الرحمان سبحانه فلا يكون إلا سببا في ذلك وسنة
وقدرا لا مثبطا ولا مؤيسا .
الحمد لله الذي نجاك
بي من النار :
ذلك هوما قاله محمد
عليه السلام يوم زار يهوديا مريضا وكان شابا في مقتبل العمروإلى جانبه أبوه يمرضه
ولما كانت رسالته لا تبغي لها عنوانا سوى " رحمة للعالمين " عليه السلام
أبى إلا أن يهتبل الفرصة وهو في حضرة نفس ليس بينها وبين النار سوى لحظات معدودات
فقال للشاب اليهودي المريض وهو على فراش
الموت " هلا شهدت بأنه لا إله إلا الله وأني رسول الله " فحول الشاب
بصره إلى أبيه يستأذنه وكان فيما يبدو على حظ من العقل إذ قال لولده " أجب
أبا القاسم " فشهد الشاب اليهودي بشهادة الحق والتوحيد فتهللت أسارير وجه
الحبيب عليه السلام كأنه قمر منير يسري في الدجى يمزق الظلمات تمزيقا وينشر رحمة
الانس وقال عليه السلام " الحمد لله الذي نجاك بي من النار " . النجاء
من النار رحمة ربانية لا تساويها رحمة سوى أنها لابد لها من سبب أرضي في الغالب
وليس ذلك السبب سوى الانسان يهدي به الرحمان بعضه بعضا . لست أدري إن كان الحمق
والطيش من لدن كثير ممن يزحمون الارض اليوم من بني جلدتنا يؤز أهله أزا يجعلهم
يضيقون بمثل هذا الصنيع النبوي : يعود يهوديا مريضا فيرثي لحاله ويدعوه إلى
الاسلام ويفرح أيما فرح بتوبته ويقوم لجنازة يهودي آخر ويموت ودرعه مرهونة عند
يهودي ثالث ؟ لو ضاق مؤمن بعشر معشار ذلك فقد عصى أبا القاسم عليه السلام عصيان
هوى وقع فيه من قبل بنو إسرائيل وهو إلى الكفر أقرب منه إلى الايمان أما لو تحكم
في التأويل الغريب وتعسف فيه حتى لكأنه يعتذر عنه عليه السلام وهو صنيع له اليوم
سوق نافقة فقد حرم نفسه خيرا كثيرا يجنيه عسلا مصفى لو إتبع محمدا عليه السلام في
قوله " لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
أقوى الدعاة اليوم
وأصحهم دينا وأنفعهم للناس : من يعمل على إنقاذ الناس من النار رحمة .
تلك هي رسالة هذه
السلسلة القصيرة من المقالات بمناسبة موت بابا الفاتيكان : من ينقذ أمواجا هادرة
متلاطمة من الناس بإذنه سبحانه من النار ؟ لا أكتم سائر إخواني أني لا أسعد والله
بموت الكافر على كفره سيما لو كان في الظاهر على الاقل ليس من أهل العدوان البالغ
على الناس وهم عموم أهل الكتاب سيما من المسيحيين وخاصة العامة منهم دون الباباوات
والكرادلة والقساوسة . لا أسعد لان شعر رأسي يقف قفا كلما تصورت أمامي مشهد نار
أوقدت فأحمرت وإسودت حتى إدلهمت وجئ بإنسان مثلي حسا وشعورا وتألما بلحمه ودمه
وشحمه فيلقى فيها فلا يموت ولا يحيا فيها أحقابا . لا أسعد بذلك المشهد وهو آت لا
محالة سيما لو قصرت في عرض دعوة الاسلام على أولئك عرضا صحيحا جميلا . لا أسعد
وأزعم أن من يسعد بذلك خصم دينه خصما شنيعا .
غدا بإذنه سبحانه
نختتم هذه السلسلة الصغيرة القصيرة بهذه المناسبة وذلك عبر سؤال كبير : كيف نتأهل
لمقام الشهادة على الناس للقيام بحق الدعوة إلى الاسلام وحق الضالين علينا وكل ذلك
أمنه القرآن الكريم سيما في سورة الحج وربما نعرج على علاقتنا بأهل الكتاب .
( 3 )
درس الامس كان عنوانه
: لو وزعت سائر أخلاق نبوة محمد عليه السلام على أنصبتها في دخول الناس في دين
الله أفواجا لاكتشفت بيسر بأن خلق الرحمة يفوز دوما بالمرتبة الاولى ولك في سلوكه
مع أشد أعدائه وأعداء الدعوة عليه يومها أي المنافقين دليل باهر ولا يختلف الامر
مع أهل الكتاب من يهود ونصارى سوى أنه عليه السلام في منتهى القوة والغلبة وخضد
الشوكة يوم تداس حرمات الله سبحانه أو تمتهن للانسان مطلقا كرامة فبالبلاغ المبين
جلى الموقف وطرد عنه كل غموض يلبسه وبالصبر الجميل نال ثقة الاصدقاء والخصوم
وبالرحمة المسداة مهراقة في كرم نبوي أخجل حاتما وعديا إنسلت السخائم ونجا بإذنه
سبحانه من نجا من النار وتلك هي رسالة الاسلام ورسالة دعوته لو شئت إختصارها في
كلمتين إثنتين صغيرتين خفيفتين .
كلمة أولى في البداية
: الداعية بصير بأمر الناس وحالهم عقلا أما قلبه فساقية تفيض رحمة .
أعني بذلك بأنه
لايخفى على أحد أن موت بابا الفاتيكان هذه المرة حشد له الاعلام الغربي وخاصة
الاروبي والامريكي حشدا لا يضاهى حتى ليجعل من يؤنسنا بزيارة خاطفة من كوكب مجاور
في هذه الايام ظانا بأن المسيحيين وبخاصة الاروبيين منهم على أتم الاهتمام
بديانتهم تعلقا وتمسكا سوى أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الالة الاعلامية
الاروبية تجندت لهذه المناسبة لحساب دوائر غربية معادية لامة الاسلام وهي أعلى
صوتا اليوم من أجل رسالة واضحة مفادها أن الاسلام الذي نحاربه ويسوؤنا إنخراط كثير
من المسيحيين فيه سيما بعد الاحداث المؤلمة الاخيرة في نيويورك ومدريد له عندنا
بديل أرقى وأفضل عددا وعدة وسماحة ورحمة ودون تكاليف لا باهضة ولا رخيصة وهي رسالة
مفهومة جدا في أجواء إحتقان تسود في العراق وفلسطين وفي مواقع عربية وإسلامية أخرى
كثيرة ولذلك قفز العدد المشيع للبابا في وسائل الاعلام في غضون يوم واحد فحسب من
مليونين إلى ضعفهما ولذلك كذلك ركزت كاميرا الاعلام على الدموع المتهاطلة ومظاهر
الحزن وبالامس القريب وغدا كذلك بعد مرور عاصفة التشييع يعود الاعلام الاروبي
للسخرية من الكنيسة ورجالها وحكاية الدين أصلا ... كل ذلك مفهوم ولا حظ لداعية
يتنكب عنه من فهم في القرآن ولا في السنة ولا في دنيا الناس ... أما رسالة هذه
السلسلة القصيرة فهي التذكير بذلك دون إطناب إذ له منابره الاخرى وإبراز زوايا من
العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب غمرها الجهل والاشارة إلى شروط وأسباب وجب العمل
على توفيرها للفوز بمقام الشهادة على الناس تأهلا لدعوتهم وإنقاذهم بإذنه سبحانه
من النار: أي أين هي عظة المؤمن ودرس الداعية من هذا الحدث فلا يكتفي بالتفرج على
الشاشات ولا يمطر البابا وسائر الاموات من الناس باللعنات ولا يسرح في تحليل
الجوانب السياسية سرحا لا أوبة بعده رغم حيوية ذلك وضرورته . أي : كيف أنمي إيماني
ودعوتي من هذا الحدث ؟
كلمة ثانية أخرى
قصيرة : العواطف الشعبية في أروبا لا سلطان للسلطان عليها .
لوكنا في تونس مثلا
حيث يعذب السجين بتهمة رؤيا محمد عليه السلام في المنام وهو ماحدث للدكتور الصادق
شورو لبكى بعض الناس طمعا أو تهللت بعض الوجوه خوفا فللسلطان هناك سلطان على
النفوس والعواطف وهذا مفهوم وليس بدعا فالظلم مؤذن بخراب العمران وأول خراب
للعمران هو خبث النفوس الضعيفة أما في أروبا فلست سوى ساخرا ممن يقول بأن الشباب
اليافع من ذكور وإناث يبكي في روما طمعا في ميراث بابا أو خوفا من جلاد ماما . بلى
أسخر من ذلك لان هذا الضرب من التفكير لاهو عرف أروبا ولاهو عرف الانسان ولاهو قدر
المشاعر الصادقة وإن تكن باطلة . أنا لا أشك لحظة واحدة في أن الدموع التي رأيتها
بعيني تنهمر كالمطر من مآقي شباب يافع في رومية هي دموع صادقة سوى أني بذات هذا الوثوق
مؤمن بأنها دموع غررت بها العواطف التي نسجتها المسيحية الدجالة على يد البابا وكل
الباباوات والكرادلة والقساوسة وهو والذي نفسي بيده لشعور يهزني هزا ويدفعني لفعل
شئ من أجل أنقاذ هؤلاء من النار . بلى تلك الدموع التي أومن بصدقها إيماني
ببطلانها هي التي تسوقني سوقا إلى تحبير هذه الكلمات . هل تأمن أنت سؤالا من
القاضي الجبار القهار الاكبر سبحانه يوم المحاكمة يقول : ما منعك أن تتبع محمدا
عليه السلام فتفعل شيئا لانجائهم من النار ؟.
شروط التأهل لمقام
الشهادة على الناس ودعوتهم تحددها سورة الحج في آخر آية فيها :
كيف عرفت ذلك ؟ لان
السورة تقول " .. وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس "
ومن تفسيرات " وفي هذا " : وذلك من أجل ... واللام من معانيها هنا أنها
أجلية فضلا على أن السياق بأسره ينبئ بأن الشروط المذكورة هي أسباب مقام الشهادة .
الشرط الاول : الركوع
والسجود والعبادة : وذلك على معنيين : أولهما أن يتخلل الحياة ركوع كثير وسجود
كثير وعبادة بمعناها الشرعي الديني الموقوف وحدها الادنى الصلاة بنوافلها والتلاوة
والذكر في كل حال وسائر العبادات المعروفة وخلاصتها : وصل القلب بمولاه سبحانه
وصلا بالليل والنهار والصباح والمساء وفي كل حال حتى يقوى على معالجة الحياة
وعمارة الدنيا بالصبر والشكر وإستقبال سائر ضروب الابتلاء بالرضى . أما المعنى
الثاني فهو تحويل الحياة بأسرها إلى حياة راكعة ساجدة عابدة ليتم التناغم
والانسجام مع المحيط الكوني المسبح.
الشرط الثاني : فعل
الخير : لا يختلف في العادة الناس فيما إذا كان هذا الفعل أو ذاك خيرا أو شرا لان
ولي النعمة سبحانه فطر النفوس على معرفة ذلك وشق البصائر شقا عليه ثم جاءت الاديان
تؤكد وتبين وتحرض سوى أن الناس تختلف أهواؤهم إقبالا أو إدبارا عن الخير وتلك هي مادة
الامتحان الاولى وساحة الوغى الحقيقية . فعل الخير لا يرتبط بزمان ولا بمكان ولا
بحال وليس له صورة نمطية فهو معالجة كل شأن بما يقتضي مصلحة الانسان فإن أخطأ فاعل
الخير ذلك عن غير سوء قصد فهو مجزي بما يجزى به فاعل خير أصاب المصلحة .
الشرط الثالث : الجهاد
في الله حق الجهاد : الجهاد هو بذل الممكن من أجل سعادة الانسان في كل حال بما
يناسبه وهو في الله أي خالص له ووفق أمره ونهيه أو المقصد من أمره ونهيه وحق
الجهاد معناه : بذل كل الوسع دون إدخار شئ منه لحظ نفس وكذلك بذل الوسع في إحكام
سفينته وتشييد أركانه صحيحة غير مهزوزة وكذلك إخلاص القصد فيه لله سبحانه وكذلك في
إتيانه في مكانه وزمانه وبحجمه وقدره وسائر متطلباته دون زيادة بهوى الانتقام ولا
نقصان بهوى حظ النفس ووفاء لغريزة حب البقاء وضنا بالنفس عن الموت في سبيل الله . فهو
حينا بالقرآن تعليما وهو حينا آخر بالحرب طردا لظالم .
الشرط الرابع : نبذ الحرج أينما حل : كل تكليف ولا شك ينشئ
شيئا من الحرج وتلك هي سنته سبحانه في كونه وخلقه فما كان منه مشقة خفيفة محتملة
في العادة نبت عن معنى الحرج وكانت مقصودة وما كان منه تكلفا يفوت مصلحة أو يجور
على عرف طيب جميل سار فهو موضوع أبدا حتى لو كان في صميم التدين . فالحرج والتدين
وعمارة الارض أمور لا تلتقي أبدا .
الشرط الخامس : صحة
الانتساب للابراهيمية والتمييز بين مختلف الادعاءات في ذلك : إبراهيم عليه السلام
ليس نبيا عاديا ولا رسولا عاديا فهو لنا " أب " وللديانات السماوية
الثلاث الاخيرة كذلك وسائر قصص التوحيد رسالة الاسلام الاولى تدور ببطولته عليه
السلام وهو رحما أب لمحمد عليه السلام عبر إسماعيل ولموسى وعيسى عبر إسحاق عليهم
السلام أجمعين وكل الديانات والرسالات من
بعده ليس لها من مشروعية إلا بالانتساب إليه وهي إلى يوم القيامة تختلف حول أحقية
ذلك الانتساب . والدعوة الاسلامية اليوم إنما يقاس تقدمها بقدر تميز أصلها
الاسلامي عن أكبر ديانتين سماويتين محل إعتراف واقعي وتارخي لا شرعي من الاسلام .
الشرط السادس : العبادة
وفعل الخير والجهاد تحت لواء شهادة محمد عليه السلام علينا : المضمون العملي للجزء
الثاني من شهادة التوحيد هو إتباع محمد عليه السلام في منهجه العام تدينا وفعل خير
وجهاد أما التفاصيل فلها الجهابذة كما يقال يميزون أولوياتها ومشروعياتها.
الشرط السابع : الانفاق
في سبيل الله : ليس بالحد الادنى المفروض صدقة وزكاة فحسب بل ببناء الحياة على أساس
الاكثار من الكسب الطيب الحلال والاكثار من الانفاق الطيب الحلال فليس الانفاق
حالة ناشزة معزولة بل هي ملح الحياة بأسرها بتكامل بين الناس جميعا فكلهم في حركة
إنفاق والانفاق باب فضل ونماء إقتصادا وهو باب فضل ونماء وزكاة نفسا .
الشرط الثامن : الاعتصام بالله : الاعتصام هنا يفسره
الاعتصام في آل عمران أي عدم التفرق فليس إعتصام الانسان بحبل الله لانجاء نفسه من
النار مع إهمال شأن الناس إعتصاما مقبولا إنما الاعتصام المقبول بحسب آل عمران فهو
الاعتصام النابذ للتفرق والتمزق . الاعتصام معناه اليوم: التوحيد عقيدة بدل
التثليث والشرك والالحاد والتوحد تحت لواء التوحيد من لدن أكثر ما يمكن من الناس
وخاصة المسلمين ثم الكتابيين ثم المسالمين . ودون ذلك ليس إعتصاما بحال .
تلك هي شروط التأهل
لمقام الشهادة والدعوة إنجاء للناس من النار بإذنه سبحانه وتلك هي رسالة الداعية فيما
أرى بمناسبة موت بابا الفاتيكان .