المقاومة.. والمنافقون الجدد
بقلم :د. محمد
عياش الكبيسي
ممثل هيئة علماء المسلمين في الخارج
تواجه المقاومة
العراقية اليوم خطر النفاق كما تواجه خطر الاحتلال، والنـفـــاق والاحتلال حليفان
يجمعهما الكثير من المصالح الآنـية، فالنـفاق هو الذي مهد للاحتلال وأمدّه
بالمعلومات المطلوبة وهو الذي يبرر بقاءه اليوم، والاحتلال بالمقابل لا ينسى أن
يكافئ النفاق ببعض الفتات المادي أو المعنوي.
ويزداد النـــفاق
خطورة كلما اقترب من قطف الثمرة، حينها تزدحم أبواب المحتل بطوابير المنافــقين لا
لتـقاط ما يجود به المحتل من الفتات، فتـظهر الاسماء وتنكشف العورات، ويشعر
المنافـــــقون أن خط الرجعة قــد قطع علــيهم وأن مصيرهم أصبح مرهونا بمصير
المحتل، وكلما تملّكهم هذا الشـعور اندفعوا لمدّ المحتل بكل ما يمــكنه من البقاء،
وأصبحوا على استعداد نفسي لفتح جبهة مشاغلة لقوات المقاومة، ومن هنا نـفـهم لماذا
تكررت في الآونة الأخيرة كـلمات «محاربة الارهاب» و«اقتلاع الارهاب من جذوره» في
كل البيانات الاحتفــالية التي القـيت بمناسبة «الفوز» بشيء من الرضا الأمريكي
وشيء من فتاته.
ان معركة المقاومة مع
المنافقين أصّلها القران الكريم بقوله: «يا أيها النبي جـاهـد الكفار والمنافقين
واغلظ عليهم» (التوبة/73) ونحن هنا لا نتحدث عن النفاق العـقـدي الذي يظهر الايمان
ويبطن الكفر، وانما عن النـفاق العملي الذي يفــرز المواقف والولاءات الخطيرة،
والذي ينتج ارتباكا في الصورة وتداخلا في الخنادق.
ويمكن بداية أن نجمل
دوافع النفاق الحقيقية في النقاط الآتية:
1- الخوف والجبن: حينما
يتعرض البـلد للاحــتلال يشعر بعــض الناس بالخوف والهلع وقد يصل هذا الى شــلّ
القدرة على اتخـاذ القرار الصحيح، لقد شخص القرآن هذا الدافع بقوله: «فاذا أنزلت
سورة محكمــة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قـلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشي
عليه من الموت» (محمد/20) وبقوله أيضا «لو يجــدون ملجأ أو مغارات أو مدّخلا
لولوّا اليه وهم يجمحون» (التوبة/ 57).
ولكن هذا الموقف
يتطور عادة ليكون أكثر دهاء وأبعد عن الحرج فتظهر مقولـــة «الخوف على الناس» ليخلع
المنافق ثوب «الجبن» ويرتدي ثوب «الحكمة» يقول القرآن: «الذين قالوا لإخوانهم
وقـعدوا لو أطاعونا ما قتـلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت ان كنتم صادقين» (آل
عمران/ 168)
2- المصالح الآنية: فبعد
وقوع البلد تحت الاحتلال من المعتاد أن يبدأ المحتل باسترضاء ضعاف النفوس واشــاعة
نوع من المنافسات الشخصية أو الحـزبية أو الطائفية لإشغال الجميع عن حقيقة المخطط
الذي يستهدف البلد بل والمنطقة كلها، يقول القرآن الكريم: «بشّر المنافقين بأن لهم
عذابا اليما، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزّة
فان العزّة لله جميعا» (النساء 138- 139)، وأخطر ما في هذا الدافع أن يتوسع ليلبس
عباءة «المصلحة العامة» فيقحم فــي باب «فقه المقاصد» حيث تصدر الفتاوى التبريريّة
التي ربما تصل الى حد اعلان أن الوقوف مع المحتل هولـ «مصلحة الاسلام» وأن
المجاهدين هم الـذين يسـيؤون للاسلام!!
3- التذبذب والتردد: وهؤلاء
هم الــذين يعانون من ضبابية الرؤية واختـلاط الأوراق ويتـأثرون بالدعاية
والإشــاعة حتى يفـــقدوا القدرة على التمــييز، يقول القرآن: «مذبذبين بين ذلك لا
الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجــد له سبيلا، يا أيها الذين آمنوا
لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا
مبينا، ان المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا» (النساء 143- 145)،
فالقران جعل الـتذبذب سببا مباشرا من أسباب النفــاق وفي هذا تحذير شديد لأولئك
الذين ما زالوا مترددين، ولا أدري ماذا ينتظرون فلقد قالوا في بداية الاحتلال
لنمنح المحتلين سنة أو سنتين حتى نتبين صدقهم من كذبهم واذا لم يخرجوا فسيكون
الجهاد فرض عين!! ولما انكشفت نوايا المحتل في الأشهر الأولى وأساليبه الوحشية
قالوا: لنجرب الحل السياسي ولا نستعجل المواجـــــهة المسلحة!! وجربوا الحل
السياسي فازداد المحتل وحشــــية وانتهـــاكا للأعراض والحرمات في الفلوجة وأبي
غريب وكل العراق، ومع كل هذا لا زالوا يطالبون بالتريّث!! اننا نخشى على هؤلاء أن
ينطبق عليهم قوله تعالى «ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم
فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين» (التوبة/46).
4- التكبر والغرور: حينما
اشتعلت المقاومة بوجه الغزاة استغــرب بعـــض «المستكبرين» كيف قرر هؤلاء «البسطاء»
مثل هذا القرار الخطير دون الرجوع اليهم واستئــذانهم وهم أهل الصدارة والوجاهـــة!!
ان هذا في نظرهم عدوان على هيبتهم ومكانتهم! لقد جعل فرعون دين الناس ملكا له
فأنكر على السحرة ايمانهــم بالله بدون اذن منه «قال فرعون ءآمنتم به قبل أن آذن
لكم ان هذا لمكر مكرتموه» (الأعراف/123). ولقد قال ابن ابي سلول بعد انسحابه من
معركة أحد «عصاني محمـــد وأطاع الولدان ومن لا رأي له» (البداية والنهاية 4/14)،
وكلما دعي المنافــقون الى موقف الايمان قالوا «أنؤمن كما آمن السفهاء» (البقرة/13).
واليوم يتكرر الموقف نفسه فنسمع من المنافقـين الجـدد من يتجرأ على وصف
المجاهــدين الأبطال بمـعاني التجهيـــل والتحقير والسفاهة وهم الذين رفعوا رأس
الأمة وأنقذوها من مهاوى الياس والهوان.
ان هذه الدوافع
مجتمعة ساهمت في تكوين ظاهرة «المنافقون الجدد» ولمعالجــة هذه الظاهرة تحتاج
المقاومة الى منهج عملي ربما نستطيع أن نحدد معالمه فـــــــي النقاط الآتية:
1- تشخيص هذه الظاهرة
من خلال معرفة أعراضها وعلاماتها الفارقة ومنها:
أ- موالاة الغزاة
الكافـرين، يقول القران: «بشّر المنافقــين بان لهم عذابا أليما، الذين يتخذون
الكافرين أولياء من دون المؤمنين» (النساء 138-139)، والموالاة معناهـــا التأييد
والمناصرة ولا يشترط الأتفاق في المعتقدات والأفكار، فشكر المحتل وتبرير جرائمه
وتقديم المعلومات له ولوم المقاومة كل هذا داخل في الموالاة الباطلة.
ب- الاستهزاء
بالمؤمنين المجاهدين كما ورد عن أحد المنافقــين قوله «ما أرى قرّاءنا هؤلاء الا
أرغـبنا بطونا وأجبننا عند اللقاء» (ابن كثير 1/ 608) فنزل قوله تعالى: «ولئن
سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن» (التوبة/65)،
وهنا لفتة مهمة الى أن القران اعتبر الاستهزاء بالمــجاهــدين استهزاء بالله
وآياته ورسوله!
ج- التشكيك في جديّة
الأمر، يقول القران «وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو
ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم» (التوبة/167).
د- تسمية الجهاد «فتنة»
وهذه فرية بدأ المنافقون اليوم يروجونها بقصد التبرير لمواقفهم، فهم حريصون على
تجنب الفتن! يقول القرآن: «ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا»
(التوبة/49)، وقد نزلت هذه الآية في رجل اعتذر عن الخروج للقتال مع الرسول صلى الله
عليه وسلم لأنه كان يخشى الفتنة!!
هـ- تخذيل المجاهدين
ونشر الأراجيف والاشاعات المثبطة، يقول القرآن «قد يعلم الله المعوقين منكم
والقائلين لإخوانهم هلمّ الينا ولا يأتون البأس الا قليلا» (الأحزاب/18). ويقول
أيضا: «واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا» (الاحزاب/12)،
ويقول أيضا «لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة
لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا» (الاحزاب 60).
2- تحليل هذه الظواهر
وربطها بأسبابها الحقيقية وتفكيكها والتعامل مع كل حالة بما يناسبها، فالمنافقون
ليسوا جبهة واحدة فالقران يقول: «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى ذلك بأنهم قوم لا
يعقلون» (الحشر/14).
3- الحذر من وعود
المنافقين، فالمنافق لا ذمة له ولا عهد، فالــقران يقول: «يخادعون الله والذين
آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم وما يشعرون» (البقرة/9)، والنبي عليه الصلاة والسلام
يقول: «آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا أؤتمن خان وان صام وصلى
وزعم أنه مسلم» (صحيح مسلم 1/78)، ولقد رأينا الشعـارات التي رفعت أثناء الدعاية
الانتخابيـــة الأخيرة لاختيار أعضاء «الجمعية الوطنية» والتي كانت تعد العراقيين
بالتحرير وخروج قوات الاحتلال! لكن هذه الشعارات طمست اليوم وظهر مكانها «محاربة
الارهاب» وهو نفس المصطلح الذي ينادي به المحتل!
وتجدر الاشارة الى أن
المنافقين لا يخادعون المؤمنين فقط وانما قد يخادعون أسيادهــم أيضا!! وقد رأينا
كيف قدموا معلومات مضللة عن «أسلحة الدمار الشامل» وعــن استعداد الشعب العراقي
للترحيب بالغزاة!! يقول القران: «ألم تر الى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين
كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيــع فيكم أحدا أبدا وان قوتلتم
لننصرنكم والله يشهد انهم لكاذبون، لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا
ينصرونهم ولئن نصروهم ليولّن الأدبار ثم لا ينصرون» (الحشر 11-12).
4- ان خطر المنافقين
يكمن في تغلغلهم في المجتمع مما قد يمكنهم من اختراق المقاومة، لكن المقاومة
بالقدر الذي عليها أن تحتاط من هذا الجانب عليها أيضا أن تفكر بالاستفادة من هذه
الظاهرة من جانب آخر ولنفكر في النقاط الآتية:
أ- ان تحركات
المنافقين على الأرض قد يكون لها صلة بطبيعة نوايا العدو اذ المنافق بالنهاية تهمه
مصلحته وهو يستفيد من المعلومات التي يطلع عليها بحكم قربه واختلاطه بالعدو، فعلى
المقاومة أن تلاحظ هذه التحركات وتتابعها.
ب- ان صلة المنافق
بأهله وأقربائه ومحيطه الاجتماعي قد تمــكن المقاومة مــن الوصول الى كثير من
الأهداف التي يصعب الوصول اليها، ونذكر هنا دور الصحابي الجليل عبد الله بن عبد
الله بن أبي والذي كان أبوه رأس النفاق لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره
بمقاطعة أبيه بل العكس، وفي هذا غاية لا تخفى.
ج- ان كثيرا ممن
اندرجوا تحت عنوان «المنافقين» بسبب بعض المواقـف قـد لا يكونون فعلا موالين
للمحتل وانما هو الضعف والتردد، وعلى المقاومة أن تحسن مخاطبة هؤلاء والتعامل معهم
وأن لا تساعد على دفعهم نحو العدو فـقـد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على
أذى المنافقين ويحاورهم بل ويستغفر لهم الا اذا ارتكبـوا حدا أو جناية قضائية
فيعاقــب الشخص الجاني لوحده، ولم يوجه النبي عقوبــــــة جماعية للمنافقين في كل
سيرته المطهرة.
5- قد يقوم المنافقون
بأعمال جليلة في ظاهرها، وقد يمكنهم الاحتلال نفـسه من ذلك كالمساهمة في تخفيف
العبء الانساني أو التوسط للافراج عن بعض المعتقلين وما الى ذلك مما يهدف الى
تحسين صورتهم واحراج المقاومة لكنه بالوقت ذاتــــه لا يتعارض مع مشروع الاحتلال،
ولقد ذكر القران نموذجا شاخصا لهذا: «والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين
المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ان أردنا الا الحسنى والله
يشهد انهم لكاذبون» (التوبة 107) وقد قرن القران موقف المنافقين هذا بموقف
المشركين الذين يسقون الحجيج ويعمرون المسجد الحرام فقال في السورة نفسها «أجعلتم
سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله
لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين» (التوبة/19)، فحينما يتعين
الجهاد على الأمة يكون هو الميزان الحق الذي نزن به مواقف الآخرين وتصرفاتهم وهذا
ما ينبغي أن يشيع كقانون وثقافة في كل أمة تتعرض للعدوان.