نظام الإنقاذ والسودان العربي في مهب الريح
بقلم :ياسر
الزعاترة
ثلاثة قرارات صدرت عن
مجلس الأمن في غضون أيام بخصوص الملف السوداني، الأول (1590) ويقضي بإرسال قوات
حفظ سلام قوامها عشرة آلاف جندي إلى جنوب السودان، الثاني (1592) ويحظر سفر
المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والعنف في دارفور ويجمد أرصدتهم المالية
ويصادر ممتلكاتهم، أما الثالث (1593) وهو الأهم، فيحيل المتهمين بارتكاب جرائم حرب
في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
بصدور هذه القرارات،
لاسيما الأخير منها يكون نظام الإنقاذ قد غدا برسم الانهيار، ولا قيمة هنا لمقولات
الرفض وفتح مراكز التدريب التي أطلقها قادته خلال الأيام الأخيرة ، فقد ولى ذلك
الزمن الذي كانت جحافل الشبان تستجيب لدعوات من هذا النوع، فجهاد الجنوب انتهى
باتفاقات نايفاشا، بل قبل ذلك، أما الشيخ الذي كان الشبان يخرجون على وقع دعواته،
فقد غدا أسير النظام الذي صنعه بيديه.
من المؤكد أن قادة
الإنقاذ قد اعتقدوا أنهم أذكى من أعدائهم، بل ومن خصومهم في البلاد أيضاً، فقد
فضلوا اقتسام السلطة والثروة مع جارانج على مشاركة الآخرين من الشمال فيها، لكنهم
لم يدركوا أن من يديرون اللعبة لا يريدون أية رائحة للبضاعة الإسلامية القديمة في
السودان، لأن المطلوب هو «سودان جديد» بحسب تعبير جارانج؛ سودان إفريقي الهوية،
علماني التوجه، أمريكي الولاء، وهو ما يحقق جملة من الأهداف؛ فمن جهة سيؤدي ذلك
إلى الإضرار بالصينيين الذين يستثمرون في النفط السوداني، مع توسيع نطاق السيطرة
الأمريكية على القرن الإفريقي، ومن جهة ستحاصر مصر ومن خلالها سيخضع الوضع العربي
بعد فشل مشروع الانطلاق من العراق، أو تعثره في أقل تقدير، فضلاً عن جعل التجربة
السودانية عبرة لكل من تسول له نفسه من الإسلاميين الاقتراب من السلطة.
بالمقابل كان
الإنقاذيون يعتقدون أن ست سنوات ستكون كافية لحدوث تحولات إقليمية، وربما دولية
تسمح لهم بالتمرد على الوقائع التي فرضتها اتفاقات نايفاشا، وحتى لو لم يحدث ذلك،
فإنهم سيتمتعون بالحكم ومزاياه طوال هذه الفترة، لكن الطرف الآخر كان أكثر ذكاءً،
فهو يريد القطاف سريعاً، وهنا جاءت قضية دارفور.
الآن ينهض السؤال
الأكثر أهمية، أعني ذلك المتعلق بالسيناريوهات التالية بعد صدور قرارات مجلس الأمن
الأخيرة، وهنا من الضروري القول إن فرص النظام في التمرد على التوجهات الدولية
تبدو معدومة، فلا الوضع الداخلي؛ الاقتصادي المعتمد على النفط، والسياسي البائس
تبعاً للخصومة الكاملة مع شركاء الأمس ومعظم قوى الشمال، يسمح بذلك، ولا الوضع
العربي ومن ضمنه المصري المتراجع بفعل هواجس التمديد والتوريث ومطالب الإصلاح،
يساعد عليه، ولا تسأل بعد ذلك عن الوضع الدولي الذي لا يبدو في وارد الانتصار
لنظام في طور الاحتضار. وفي هذا السياق يرى الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة، أن
السيناريوهات المتوقعة هي أربعة: انقلاب عسكري، انتفاضة شعبية، تدخل أجنبي يمسك
بزمام الأمور في البلاد، عقد مؤتمر قومي للتعامل بجدية مع القضايا المطروحة.
المهدي يفضل الخيار
الأخير، وهو ما ينطبق على حزب المؤتمر الشعبي بزعامة الترابي، فضلاً عن آخرين كانوا
ضمن النظام وصاروا ينصحون له من الخارج، كما هو حال «منبر السلام العادل» الذي
طالب بحكومة قومية وتجميد اتفاق السلام في الجنوب.
بالمقابل فإن غموض
الأسماء المعدة للمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب في دارفور وإمكانية شمولها لأسماء
كبيرة في النظام، قد يؤدي إلى مضيه في رفض التعامل مع القرار الدولي، كما قد يؤدي
إلى تلكؤ في الرضوخ لمطلب المؤتمر القومي أو الحكومة الوطنية، لأن الحكومة
المذكورة لن تكون قادرة بدورها على التمرد على القرار الدولي.
من المؤكد أن مساعدة
مصرية تبدو ضرورية، لكن غياب هذه المساعدة، كما غابت في سيناريو الإنقاذ عام 1989،
لا يجب أن يعفي الآخرين من القيام بالمهمة، مع أننا نأمل من كل قلوبنا أن يثوب
القوم إلى رشدهم ويقبلوا بالصيغة التي طرحها الصادق المهدي وحزب المؤتمر الشعبي،
فهي قد تنقذ البلد وهويته وشماله في اقل تقدير، فيما لن تؤدي إلى شطب رموز الإنقاذ
الحاليين.