دفاع عن المعجزة

معذرة : فقد سقط مبدأ الحتمية في القوانين الطبيعية

1\2

 

 

 

بقلم :أد : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

من واجبنا أن نتفهم حالة الانهزام الحضاري والفكري التي غطت أذهان قادة الفكر في العالم الإسلامي منذ حوالي القرن التاسع عشر في تواكب مع الحملة الفرنسية على مصر والشام ومقدماتها وتوابعها من الحملات الاستعمارية المتتابعة ، وسقوط الدولة الإسلامية ( العثمانية ) وتوارد ذلك حتى سقوط فلسطين في يد الصهيونية العالمية وهزيمة 1967 وتتويج ذلك بالهيمنة الأمريكية على نظم الحكم ، وما تخلل ذلك من حملات التبشير والاستشراق والفكر المادي الإلحادي والتغريب ، وتغطية ذلك كله بالعلمانية .

من واجبنا أن نتفهم حالة الانهزام تلك بشمولها للجوانب العسكرية والفكرية والعقدية والحضارية وما تذرعت به من دعاوى التفوق العلمي والفلسفي والحضاري للغزاة مما أدى إلى الانبطاح أمام كل ما يأتي من أوربا إلى حد أن رأينا اكثر الجهات مظنة للصمود تأتي في ذيل – وربما في طليعة – مروجي ذلك الفكر في أخطر القضايا

من هنا كانت مسارعة بعضهم – إن لم ينفلتوا من عقائدهم  – إلى تأويل بعض الثوابت العقدية بما يتمشى – حسب ظنهم – مع زحف المنهج العلمي التجريبي الحديث الذي كان السر في تقدم العلوم ، وظنهم بالتالي أن هذا المنهج قد انتج ثابتا أعلى من ثوابتهم ، وهو القول بحتمية الذاتية للقوانين الطبيعية ، وما يقتضيه ذلك من وجوب المراجعة لبعض ما ورد في الدين وبخاصة ما ورد عن الغيبيات عموما ، وخوارق الطبيعة خصوصا ، والمعجزات بصفة أخص ، تلكم التي أصبحت من هذا المنظور من عالم الأساطير والخرافات ، والتي إذا لم تعالج غطت بخرافيتها على موقف الدين بالكامل .

 

وانطلاقا من هذه الهزيمة، و انحيازا لشعار العلم ، و بحسن نية ودرءا لخطر تواكل المسلمين عن واجبهم في النهضة في انتظار الخوارق .. تورط الأستاذ عمرو خالد – وهو ملء العين والقلب مع خالص الدعاء له بمزيد من التوفيق والحفظ والنجاح - في قول مبتسر بانتهاء عصر المعجزات فور مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم صحح قوله – حسب ظنه – في حلقة تليفزيونية لاحقة بتاريخ 2-3-رمضان 1426 بقناة اقرأ  حيث ذهب إلى تخصيص انتهاء المعجزات في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بتلك التي يترتب عليها تغير في مجرى الأحداث ، ونسي وقوع بعضها في حياته  صلى الله عليه وسلم ، مما ترتب عليه التغير الحاسم في مجرى الأحداث والتاريخ نذكر بعضه على سبيل المثال  : أولها وأعظمها معجزة القرآن الكريم ، ويالها من معجزة وياله من أثر في تغيير مجرى التاريخ ، ومعجزة نجاته صلى الله عليه وسلم وصاحبه وهما مختبئان في غار ثور في طريق هجرته إلى المدينة ، ويالها من معجزة وياله من أثر في تغيير مجرى التاريخ فاقت فيه الحمامة عصا موسى ،!! ، ومعجزة مشاركة الملائكة – بطريقة أو بأخرى -   في نصر المسلمين في معركة بدر،  ويالها من معجزة ، وياله من أثر في تغيير مجرى التاريخ ،  ومعجزة نجاة المسلمين في غزوة الأحزاب  بالريح التي إذ هبت قلبت قدور المشركين واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم ودفنت رحالهم ، فما كان من أبي سفيان إلا أن ضاق بها ذرعا فنادى في الأحزاب بالرحيل. وكانت هذه الريح من جنود الله الذين أرسلهم على المشركين ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا).

ويالها من معجزة وياله من أثر في تغيير مجرى التاريخ

وما كان أغنى الداعية المرموق عن ركوب هذا المركب من أجل هدفه المطلوب في تحريك المسلمين إلى العمل والنهضة دون تواكل أو انتظار للخوارق ، إذ كان يكفيه أن ينبههم إلى أن هذه الخوارق إنما تكون قوة لنا وقيمة مضافة إذا قمنا بواجباتنا بأنواعها ودرجاتها المختلفة ، وهي تكون حجة علينا وقيمة مسلوبة إن قصرنا في هذه الواجبات ، وهذا هو درس خطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على مدى التاريخ .

وكان الأجدر به أن يفرق بين المعجزة وبين خوارق العادات الأخرى ، فليس كل خارق معجزة ، وإن كانت كل معجزة خارقا ، حيث تتميز المعجزة بكونها تختص بالأنبياء بعد ما يبعثون ، والإرهاص الذي يختص به النبي قبل البعثة كشق الصدر ، ، والكرامة بكونها تختص بالأولياء ، والمعونة بكونها تختص بمن هم أقل درجة من الصالحين ، والإهانة بكونها تختص بالكاذبين من أدعياء النبوة وتأتي مناقضة لما يزعمون ، والاستدارج بكونه يختص بأدعياء الألوهية ، في كل ذلك تظهر على أيديهم خوارق العادات ! ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

ومن الصواب القول – وكما قال الأستاذ عمرو خالد – أن الأثر الإيجابي العملي للمعجزة كان في الغالب في نطاق التثبيت على الإيمان ، ونضيف هنا تأكيدا لذلك أن القرآن الكريم بين أن بعض أنواع المعجزات ومنها تلك التي كان يطلبها المشركون لا تفيد مع العقول النظرية السوفسطائية وذلك في قوله تعالى : ( ولو نزلنا عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ، وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ، ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عيهم ما يلبسون ) 6-9 سورة الأنعام

 

 

وانطلاقا من تلك الهزيمة أيضا – أمام زحف الدجماطيقية العلموية - ، سارع بعضهم  إلى منهج التأويل الذي يصح اللجوء إليه في كل ما يبدو فيه التعارض القطعي مع القطعيات العقلية حيث في المنظور الجديد تحل القطعيات العلمية محل القطعيات العقلية أو تتجاور معها ، وفي هذا السياق ذهب أكثرهم تحفظا إلى التفرقة بين النظرية العلمية فتركوها في سلة الاحتمالات ، والقانون العلمي فوقفوا أمامه موقفهم أمام القطعيات ،  وما دروا أن كليهما - علميا – يأتيان في سلة واحدة لا ترقى فوق غلبة الظن ، كما سنفصل الكلام فما بعد

ومن ثم أولوا نزول القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر في رمضان ، وذاع قول بعضهم في عبارة تجميلية : إن الإسلام لكونه قد جاء في طور رشد العقل البشري مناسبا له اقتصرت المعجزة فيه على النموذج العقلي المتمثل في القرآن ، وأن ليس من معجزة في الإسلام غير القرآن ، تاركين لغيرهم أن ينكروا بنفس المنهج كونه تنزل أصلا من الله ، وفقا لقواعد المنهج العلمي ومفرزاته  في حتمية قوانين الطبيعة .

ثم  اختاروا تأويل الإسراء والمعراج بكونه في  أحسن الحالات محض منام ، أو نزهة روحية ، وتجاهلوا أنه لو كان كذلك لما أنكرته قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأولوا حقيقة الروح بكونها مظهرا من مظاهر تفاعل كيميا الجسد ،  كما أولوا حقيقة الجن والملائكة ، وقصة إبليس لعنه الله  مع آدم وحواء عليهما  السلام في الجنة  ، وأشراط الساعة ، والبعث الجسدي ، ونعيم الجنة وعذاب النار ، ونفوا المعجزات أو أفرغوها من مضمونها ـ وانطلقوا إلى تفسير القرآن تفسيرا " علميا " وأولوا حجارة من سجيل إلى فيروس الجدري ، وأولوا نفخ الروح في رحم مريم إلى الإيحاء الذاتي

وما لم يمكنهم تأويله أنكروه ، وبخاصة إذا لم يكن قطعي الدلالة أو قطعي الثبوت بالتواتر ، ومن الواضح – مع الأسف – أنهم  ما كانوا جميعا في ذلك غير مستهلكين لما يجري إنتاجه من نظريات في حقل الإنتاج العلمي في الغرب ، علما بأن البضاعة التي يتعاملون معها ما كانت لتصل إليهم وتنتشر في أوساطهم إلا بعد بوارها وإنتاج غيرها في أسواق إنتاجها ، مما لم يصل إليهم خبره بعد .

ومحور المسألة دعوى سيادة  قوانين الطبيعة أو حتميتها تلك التي سادت زمنا طويلا في حقل إنتاجها، وتلقفها  العلمانيون من أذناب المادية وأخذوا يروجون لها باسم المنهج العلمي التجريبي على قاعدة عريضة تزعم أن العلم المادي الحديث ينتقل بالإنسان من حضيض الأوهام والظنون التي يورطنا فيها الفكر الأسطوري أو الميتافيزيقي ( الغيبي ) ، ويرتفع بنا إلى مستوى القوانين الحتمية ، أى القول بان لكل ظاهرة طبيعية علة طبيعية  توجب وقوعها ، ولكل علة معلول ينشأ عنها ، فالظواهر يتحتم وقوعها متى توافرت أسبابها الطبيعية ، ويستحيل أن تقع مع غياب هذه الأسباب وهذه الاستحالة هي ما يسمى بالضرورة أو الحتمية .

بل إنهم ذهبوا فيما ذهبوا إليه إلى أن هذه الحتمية تفرض نفسها على عالمنا الأرضي وعلى الأكوان الأخرى التي تبعد عنا ببلايين السنين الضوئية .

وهى تفرض نفسها كذلك على مادة هذه المنضدة التي أجلس إليها ، وعلى ظواهر الحياة والعقل كافة .

يقول لويس دي برولي أحد كبار علماء الفيزياء المعاصرة :

( كان للحتمية في نظريات الفيزياء الكلاسيكية السيادة المطلقة . لقد كان يظن أن كل الظواهر كبيرها وصغيرها تحكمها قوانين صارمة ، بحيث يجب أن تحدد بالكامل حالة العالم عند اللحظة  زَ ، بحالته عند اللحظة الابتدائية ز  .

وكان يساند هذا التصور الذي لخصه لابلاس في عبارة أصبحت ذائعة الصيت ، أسباب فلسفية عامة معينة نستطيع ذكرها مثل مبدأ السبب الكافي . ولكننا فوق كل شئ يمكننا أن نرتكن إلى التأييد المستمر الذي كان تقدم العلم يضفيه على ذلك التصور ، مثل إمكان التعبير عن قوانين الفلك والميكانيكا والفيزياء بعلاقات رياضية حاسمة ، فإمكان تصور تطور الظــواهر بمســاعدة المعادلات التفاضلية وحلولها المحـــددة تماما .. يوضح بشكل دقيق نجــاح فرض " الحتمـية العامة " ، التي أصبحت - بنجــاح - أحد المبادئ الراسخة في الفكر العلمي )( )

يقول الدكتور دين أفرت وولدردج ، الحاصل على الدكتوراه في الطبيعة من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا :

( إن العلم يعمل دائما على أساس أن السبب يؤدى إلى النتيجة وأعتقد أن معظم العلماء  لهم وجهة نظر في الكون ترفض الفروض والمعجزات التي تتعارض مع القوانين الطبيعية . وما أومن به هو أن هناك قوانين طبيعية ثابتة تعمل دائما بانتظام ودون أى - استثناء- وقد حقق العلم ما حققه من نجاح باهر على أساس موقفه من الحياة وافتراض أن هناك قوانين طبيعية ثابتة ، ويمكن البرهنة عليها ، وهى دائما تعمل بنفس الطريقة .

وهناك ناحية أخرى من نواحي العلم . فالعلم دائما يؤمن ببساطة الكون ، على الأقل ببساطته النسبية ، فليس هناك أكثر من عشر أو عشرين علاقة طبيعية مختلفة تتصل بعدد مقابل تقريبا من الجزئيات الطبيعية الأساسية ، وتفسر كل القوانين الطبيعية وكل النتائج العلمية التي توصلنا إليها حتى الآن ، ويمكن بهذا العدد القليل من القوانين ، والعدد الضئيل من اللبنات البنائية أن نفسر كل ما يدور في الأرض . بل وما يحدث في الأكوان التي تبعد عنا بمقدار بلايين السنين الضوئية . وبكل ما يتعلق بمادة هذه المنضدة ، بل وبما يحدث في يدك وفى قلبك وفى عقلك ، وفى كل يوم نكتشف أن ظواهر الحياة تسير على نفس القوانين التي تتحكم في الظواهر التي لا تتصل بالحياة )( )

وسوف نتعرض في سلسلة من المقالات :

أولا : لكشف انهيار القول بهذه الحتمية وبخاصة في المجال العلمي المعاصر

ثانيا : لبيان أنه حتى مع افتراض وجودها فهي لا تتعارض مع خضوعها لإرادة الله وبخاصة وفقا للتصور الإسلامي الأصيل

ثالثا : أن ما استقر – حتى حينه -  من هذه القوانين تقدم رؤية علمية للاستدلال على وجود الله ونفوذ إرادته وفق علمه وقدرته .

 

أما : أولا : فإن هذا الحديث عن حتمية القوانين الطبيعية قضية وهمية  نجد افتضاحها في ميدان الفكر الإسلامي وفى ميدان الفلسفة الحديثة وفى ميدان العلم التجريبي على السواء .

هذا هو العالم المسلم جابر بن حيان ( المتوفى 198هـ / 813 م ) يرجع الاستدلال الاستقرائي إلى ( العادة ) وحدها ، وليس إلى الضرورة العقلية ، إذ ليس فيه كما يقول : (علم يقيني اضطراري برهاني أصلا ، بل علم إقناعي يبلغ إلى أن يكون أحرى وأولى وأجدر)

انتهى جابر إلى ما انتهى إليه الغربيون أنفسهم من علماء القرن العشرين إلى أن قوانين العلم الطبيعي التي تتمثل في التعميم العلمي لا ترقى قط فوق كونها قضايا  احتمالية ترجيحية لا تبلغ قط مرتبة اليقين ..) ( )

وما قرره جابر بن حيان كرجل من رجال العلم أو الصنعة ذهب إليه علماء العقيدة الإسلامية من بعد .

فهذا هو الإمام الهروي الأنصاري يقرر : ( أنه ليس في الوجود شئ يكون سبباً لشيء أصلا ، …..

بل محض الإرادة الواحدة يصدر عنها كل حادث مع الآخر مقترناً به اقتراناً عادياً ، لا أن أحدهما معلق بالآخر أو سبب له أو حكمة له ، ولكن لأجل ما جرت به العادة من اقتران أحدهما بالآخر)( )

كذلك ذهب الإمام الغزالي إلى رفض تفسير العقليين للعلاقة السببية بين الظواهر الطبيعية .

يقول الغزالي في تهافت الفلاسفة :

( إن الارتباط بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد في العادة مسبباً ، ليس ضروريا عندنا …… ، مثل الري والشرب ، والشبع والأكل ، والشفاء وشرب الدواء ، وهلم جرا ، إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف ) .

ولكن الغزالي - خلافا لمن يستطردون من إنكار علية الظواهر إلى إنكار الألوهية على ما سيظهر بعد ذلك في الفكر الأوربي - يستطرد من ذلك إلى تفسير هذا الاقتران بإرجاعه إلى تقدير الله سبحانه ويقول : ( وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوي ، لا لكونه ضروريا في نفسه ) .

أما في ميدان الفلسفة الحديثة فإننا  نجد ديفيد هيوم ينكر ما ذهب إليه العقليون من رد مبدأ العلية إلى ضرورة عقلية .

ويفسر المبادئ المسلمة التي ظن العقليــون أنها فطرية وعامــة في الناس بأنها ترابط بين الأفكار ، مرجعه إلى قانون ترابط المعاني بالتشابه أو التجاور الزماني والمكاني .

ثم يعتبر قانون العلية مجرد عادة ذهنية تنشأ عند الناس كلما رأوا حادثتين مطردتي الوقوع أو متتابعتين فنشأ من هذا في أذهانهم اعتقاد بأن اللاحق يعقب السابق .

وليس من المعقول أن تعرف رابطة الصلة بالاستدلال العقلي إذ يستحيل أن يستنتج الإنسان معنى المعلول من معنى العلة .

فإذا رأيت ولأمد طويل ظهور بائع الحلوى أمام منزلي كلما ارتفع أذان الظهر فليس يعني  ذلك أن السابق منهما سبب في اللاحق .

وإذا اختلت هذه الحتمية بإرجاعها إلى العادة الذهنية ، يختل بالتالي مبدأ التعميم الذي يأخذ به البحث العلمي . إذ يستند إلى الاستقراء ، والاستقراء لا يتيسر فيه ملاحظة كل فرد من أفراد الظاهرة في كل زمان ومكان ، فيكتفي الباحث حينئذ بملاحظة نماذج منها في حاضره ثم يعمم حكمه على جميع أفرادها في كل زمان ومكان .

إن هذا التعميم يختل أيضا - أو لا يرقى فوق درجة الاحتمال في أحسن الأحوال - ، لأنه كما يقول هيوم : ليس لدينا دليل تجريبي أو منطقي يبرر هذا التعميم  الذي ينسحب على الماضي والحاضر والمستقبل .

فإذا وصلنا إلى الفلسفة المعاصرة وجدنا فتجنشتين وهو من أعلام المنطقية الوضعية يذهب إلى نفس الاتجاه .

إن فتجنشتين يرى أن جميع قوانين العلوم الطبيعية قوانين احتمالية فقط لا ضرورة فيها. ويستشهد على ذلك بقانونين من القوانين التي تعتمد عليها أغلب العلوم الضرورية هما قانون الاستقراء وقانون السببية .. منتهياً إلى أن فكرة الضرورة لا وجود لها في أي منهمـــا ( )

ففي الاستقراء ( الناقص ) يكون الحكم الذي تنتهي إليه منطبقا أيضا على حالات جزئية أخرى لم نلاحظها بعد .. وفى هذا نوع من التنبؤ بأن جميع الحالات الجزئية التي سوف نصادفها في المستقبل سوف تكون على غرار ما لاحظناه بالفعل ..

فعلى أي أساس يأتي هذا التوقع ؟

وكيف يستطيع الإنسان أن يتوقع أن تكون الحالات التي لم يلاحظها مشابهة للحالات التي لاحظها ؟

إن الاستقراء بهذا المعنى لا يعتبر – عند فتجنشتين - طريقة صحيحة للتفكير سواء كان تفكيراً علمياً أو غير علمي ( ).

ويرى فتجنشتين أن الاستقراء لا يؤدى إلا إلى نتائج احتمالية فقط ، وبالتالي فكل القضايا العلمية والقوانين العلمية التي نتوصل إليها عن طريق الاستقراء تكون احتمالية فقط( )

هذا من ناحية مبدأ الاستقراء .

أما من ناحية مبدأ السببية فإن فتجنشتين يرى أنه ليست هناك ضرورة عقلية أو تجريبية ، تبرر ارتباط ما نسميه السبب بما يسمى بالمسبب لمجرد أن أحدهما يسبق الآخر أو يتلوه(  ) .

ويقول فتجنشتين ( وضرورة حدوث شئ ما لأن شيئا آخر قد حدث .. لا وجود لها ، فالضرورة لا تكون إلا ضرورة منطقية ).

ويرى ( أنني حين أقول إن الحديد يتمدد بالحرارة إنما أعنى أنني أتوقع أن أجد كل جزئية من جزئيات الحديد تتمدد بالحرارة ، بناء على ما عرفته من خبرتي بالنسبة لمئات وآلاف العينات المماثلة ، فهي قوانين احتمالية فقط ، وليست بالقوانين الضرورية لأننا لو تمسكنا بفكرة  ضرورة صدق هذه القوانين لكنا أشبه بمن يعتقد في صحة الخرافات ) .

ويقول فتجنشتين عن السببية : إنها بمثابة افتراض نفترضه لكي ننظم على أساسه تجاربنا وخبراتنا العلمية .

( فالقضية التي تقول بأن فعلك سببه كذا وكذا هي مجرد افتراض ، والفرض يكون قائماً على أساس قوى إذا كان لدى الإنسان عدد كبير من الخبرات المؤيدة ، إلا أن هذا الافتراض لا يمكن أن يكون ضرورياً أو صادقا أوليا ، لأننا افترضناه بناء على ما عرفناه من تجربتنا ، ولأن الضرورة لا تكون إلا في المنطق ( ) .

 

وإذا كان كل من هيوم ، وفتجنشتين  يذهب إلى إنكار حتمية القوانين ممثلا هذا الاتجاه في الفلسفة الإلحادية التي تظن أن هدمها لهذه الحتمية يؤدى إلى إنكار وجود الله ..

فإننا نجد في الفلسفة الغربية من يمثل الاتجاه الإسلامي الذي عبر عنه الإمام الغزالي ، والذي لا يرى في إنكار عنصر الضرورة في الظواهر إنكاراً لمبدأ العلية في حد ذاته ، أولا يرى فيه إنكاراً لوجود الله .

فهذا هو الفيلسوف الفرنسي أميل بوترو(1845- 1921 ) ... يتساءل هل حقٌا قوانين الطبيعة تتسم بالضرورة ؟

وإن كانت كذلك فما مصدر هذه الضرورة ؟

أم أن الضرورة مظهر خادع ، وأن الميكانيكية وما تقوم عليه من قوانين تجعلنا ندرك -باطلا- ضرباً من الجبرية الكلية ؟

هذا هو خلاصة موضوع مذهب أميل بوترو الذي وضعه في أهم كتبه : الأول الذي حصل به على الدكتوراه وعنوانه " في أن قوانين الطبيعة حادثة " والثاني عنوانه " العلم والديـــن".

إن أميل بوترو يرى أن مبدأ السببية ليس مفروضاً أوليٌا في الذهن ... ولا في الأشياء الخارجية ...

يقول بوترو معارضاً بذلك كانط الذي يرى أن قانون العلية من ضرورات ذاتية العقل : ( لا ينبغى أن ننسى أن التجربة هي التي أوحت إلى الذهن البشرى بفكرة السبب الطبيعي وليست هذه الفكرة مبدأً أوليٌا تخضع له أحوال الموجود ، بل هي الصورة المجردة للعلاقة بين هذه الأحوال ) ( ) .

إن أميل بوترو يذهب إلى أن السبب هو الشرط ، أو مجموع الشروط التي تؤدى إلى ظاهرة معينة ...

وبهذا المفهوم يكون السبب من جملة الظواهر ، فهو متغير مثلها والقانون لا يفرض فرضاً على الأشياء الطبيعية ، بل هو نتيجة لها ، وهذه الأشياء إذا تغيرت لا جرم يتغير القانون ....

ويرى بوترو أن كل موجود ضروري من وجه ، وحر من وجه آخر . وأنه في الكائنات  الدنيا يطغى جانب الضرورة على جانب الحرية .

وأن الإنسان هو أكثر الموجودات حرية . وليس ثمة موجود له حرية مطلقة سوى موجود واحد هو الموجود الأعلى وهو اللٌه.

 

وللموجودات مثل أعلى تبغي تحقيقه ، هذا المثل الأعلى هو الاقتراب من الله والتشبه به ، كل موجود بحسب طاقته ونوعه . فالٌله هو منبع الحرية.  وهو مصدر الخلق . والنظام .والكمال( )

يقول أميل بوترو:

( لا شئ بحسب نتائج العلم نفسه يضمن الثبات المطلق للقوانين .. حتى ما كان منها شديد العموم مما استطاع الإنسان أن يكشفه .. فالطبيعة تتطور ، وقد يصل ذلك التطور إلى أساسها

الروح العلمية - نفسها - متضامنة مع الأشياء خاضعة منذ الآن للتطور فهي من هذا الوجه روح نسبية ، لأنها تعتبر كل التفسيرات … نسبية بالإضافة إلى عدد من الظواهر المعروفة ، وإلى الحالة التي توجد عليها في الوقت الحاضر وقد تكون حالة عابرة ) ( )

بل إننا نجد عند الفيلسوف الملحد رسل إنكارا لفكرة حتمية حقائق الرياضة إذ يقول:

( واليقين البديع الذي كنت آمل دائما أن أبلغه في الرياضة قد فقدته في متاهة محيرة) ( )

* * *

وإذا كان ذلك ما نجدة في ميدان الفلسفة من لا حتمية القانون الطبيعي ، فإننا نجد مثله في ميدان العلماء التجريبيين أنفسهم :

يقول الأستاذ عباس العقاد عن موقف العلماء التجريبيين : عاد العلماء التجريبيون إلى القوانين الطبيعية التي تحكم الحـرارة والحـركة والضـوء ، وكل مـا في عـالم المادة من كهارب وذرات، فوجدوا لها قانونا واحدا وهو الخطأ والاحتمال . وهو يذكر من هؤلاء العلماء : الأستاذ ماكس بلانك ، وفرينر هايزنبرج ، وشرودنجر ، ثم يقول : ( وما ذهب إليه هؤلاء الثلاثة لا ينفردون به ، ولكنها : نظريات عامة يقررها معهم علماء الطبيعة جميعا ولا يخالفونهم في مبادئها .. فلا اختلاف على نقص القوانين الطبيعية أى على أخذها بالتقريب دون الضبط المحكم ) .(  )

يقول الكيميائي الكبير برزيليوس ( 1779 - 1848 ) : ( إن كتب الكيمياء لو قيل لي عنها إن الشيطان يكتبها لما كذبت ، فهي لا تكاد تثبت على شئ حتى يتغير كل ما فيها )(  )

ويقول العالم الفيزيائي الشهير لويس دي برولي :

(لقد كانت حتمية العلم الكلاسيكي تسلم بتطور صارم لا محيص عنه للكون الفيزيائي ، في إطار الزمن - مكان ، ثم أدخلت فيزياء النسبية تحسينا على هذا التطور ، فرصدت كل حوادث الكون الفيزيائي في أماكنها الذي احتوى بهذا الشكل كل الماضي ، والحاضر ، والمستقبل . ولم تستطع فيزياء الكم الاحتفاظ بهذه التأكيدات التي لا شك في جرأتها.. كيف تستطيع فيزياء لم تعد تعرف حقيقة موضوعية بحتة ، ولم تعد تعرف كيف تعطى شيئا على الإطلاق سوى العلاقات بين الراصد وما يرصده أن تصل إلى صورة للكون موضوعية تماما كما يتطلبه الوصف الحتمي التام للظواهر ) ( )

ويقول ليونيل روبي ( لا يوجد في العلم برهان أو دليل يعتبر خاتم البراهين ، أو الدليل النهائي الذي لا دليل بعده ... وحتى الفرض الذي تأكدت صحته قد يعاد اختباره مرة بعد الأخرى . إذ ربما لا يعمل هذا الفرض في كل الظروف . ثمة عوامل غير معروفة قد تنتج نتائج استثنائية في حالة معينة بالذات )( )

ويقول جيمس كونانت مدير جامعة هارفارد في كتابه " مواقف حاسمة في تاريخ العلم " :( أما عما يتنبأ به العلم أن يقع فأمر ككل أمور الحياة غير العلمية يتوقف ثبوته على ما به من احتمال ، فالمسألة على ما يظهر ليست إلا احتمالا ودرجة احتمال)( )

ويؤكد كارل بيرسون في كتابه الشهير " أركان العلم " احتمالية القانون العلمي فيقول : ( ليس في وسع العلم مطلقا أن يبرهن على وجود أية ضرورة كامنة في التعاقب .. فالعلم بالنسبة إلى الماضي وصف وبالنسبة إلى المستقـــبل اعتقاد )( )

 

قوانين الطبيعة إحصائية وليست سببية :

من الآراء الشائعة الآن ، خصوصاً بعد النجاح الذي أحرزته ميكانيكا الكم : أن قوانيننا متناهية الدقة لا يمكن أن تكون سببية ، بل يجب أن تكون إحصائية .

وفي هذا يقول الأستاذ ليكونت دي نوي في كتابه " مصير البشرية " : ( إن الطريقة العامة المستعملة في الفيزياء في الوقت الحاضر هي الطريقة الإحصائية التعدادية التي تعتمد على عدد كبير جداً من العناصر .. ولنأخذ المثال على ذلك من عالم شركات التأمين على الحياة أو الحوادث فهي تعتمد على الإحصائيات ، وهذه الإحصائيات تبين معدل عدد الأشخاص الذين يموتون كل عام أو عدد البيوت التي تحترق ..

والشركة تقوم بحساب معــدل الوفيـات هـذا بحيث تتمكن لا من مواجهة التزاماتها فحسب ، بل من إضافة الفائدة إلى رأسمالها أيضاً .. وتتصاعد درجة الدقة في حسابات الشركة وأرباحها كلما زاد عدد الأشخاص المؤمن عليهم ) (   ) .

ويقول الفيلسوف الإنجليزي الشهير برتراندراسل إنه ( في الفيزياء الحديثة أصبحت القوانين إحصائية : بمعنى أنها  لا تقرر ما سيحدث في حالة جزئية لكنها تقرر أشياء مختلفة فحسب ؛ كل منها سوف يحدث في نسبة معينة من الحالات ) (   ) .

هذا ما يقرره العلم الحديث اليوم بصفة عامة .

ويعلق جون كيمني – من تلاميذ أينشتين -  : على ذلك قائلا :

( القوانين الإحصائية أو ما يسمى بالأحرى قوانين احتمالية … تدخل إلى العلم بسبب إخفاق جميع الوسائل الأخرى أو عندما نضطر للاعتراف بجهلنا الكامل ) (   ) .

 

ويقول هرمان راندال مؤلف كتاب " تكوين العقل الحديث "  :

(إن مثل هذه القواعد الإحصائية تجعل التنبؤ والتحقق ممكنين تحت جميع شروط الملاحظة ، ولكنها تتعلق بمجموعة لا بأفراد ، وهى - أي القوانين الإحصائية - تحقق فائدتها من الناحية العملية .. لأن الحرية السائدة في عالم الفيزياء الدقيقة لا تصدق على المستوى العياني .

إن الذرة حرة أن تعمل هذا أو ذاك في إطار علاقة هايزنبرج ، لعدم التحدد ، وكل أحكامنا عنها تشير إلى احتمالات . لا إلى يقينيات .

ولكن طبقا لقانون الأعداد الكبرى فإن أي جسم عياني يتألف من تريليونات الذرات تنتفي فيه الانحرافات . وتمثل كل الاحتمالات هنا يقيناً عملياً ) .

والله أعلم

يتبع