الإدارة الأمريكية الجديدة والقضية الفلسطينية....
بقلم : حاتم
يوسف أبو زايدة
مع كل انتخابات
أمريكية وإدارة أمريكية جديدة يحاول المتنفذين الجدد في
الإدارة الجديدة وضع سياسات واستراتيجيات بحيث تميز نفسها عن الإدارة التي سبقتها،
ولكن كيف الوضع مع القضية الأكثر سخونة في قلب العالم العربي والإسلامي والتي فرضت
نفسها بعد أن تبدي للبعض أنه تم نزع الفتيل منها، وإرضاء الأطراف بما تم تقديمه في
اتفاق أوسلو عام 1993م.
وهل غيرت الإدارة الأمريكية الجديدة نظرتها إلى
القضية الفلسطينية بتشابكاتها وتفاعلاتها، وكيف تنظر إلى بقية الأطراف في المنطقة
والتي تعارض المشاريع الأمريكية في المنطقة بحكم ارتباط ذلك بالقضية الفلسطينية
ومدى التأثير المتبادل بينها.
وكيف تنظر الإدارة الأمريكية إلى القيادة
الفلسطينية الجديدة بعد وفاة عرفات، وإلى الحركات التي تصر على خيار المقاومة وعلى
رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس، هذا ما سنناقشه في هذه الدراسة نسأل الله
التوفيق.
خلفية سريعة قبل دخول القرن الجديد
حتى نهاية القرن التاسع عشر، وكنتيجة لعوامل
أمريكية على وجه الخصوص ولمواقف "موروثة" من الأوروبيين، لم يكن
للفلسطينيين أثر على الإطلاق في وعي الأمريكيين، أو كان ينظر إليهم نظرة سلبية. عانى
الفلسطينيون بشكل خاص حقيقة مفادها أن الأمريكيين نظروا
إلى فلسطين بصفتها الأرض المقدسة ذات الصلة بالمسيحيين واليهود. إن العرب
الفلسطينيين (من المسلمين والمسيحيين معاً)، ولا سيما
بنظر البروتستانتيين الإنجيليين من المؤمنين بحلول الألف الموعودة عند رجوع
المسيح، هم قوم لا نفع فيهم ويمكن الاستغناء عنهم، ذلك أن المهم "عودة" اليهود
إلى فلسطين قبل المجيء الثاني للمسيح. وجرى بعد الحرب
العالمية الأولى، تجاهل رغبات الفلسطينيين في تقرير المصير، سواء من قبل الزعماء
السياسيين أو في المطارحات العامة.
"بدأت السياسية
الأمريكية تهتم بالشئون الفلسطينية خلال الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1916 شدد
الرئيس وودرو ويلسون بعبارات عامة على أن لكل شعب الحق
في تقرير المصير. حيث أن الولايات المتحدة دعمت من حيث
المبدأ فكرة تقرير المصير ولكنها لم تتدخل كثيرا لتحقيق ذلك. ويبدو أن السياسة
الأمريكية كانت بشان هذه القضية، حصيلة عوامل متشابكة
متعددة. وقد خضع الرئيس ويلسون للضغط من بعض أصدقائه ومساعديه والمناصرين
للصهيونية فقبل فكرة وطن قومي يهودي في فلسطين.
إدارة ترومان
أما في عهد إدارة
ترومان فكانت الاهتمامات الأساسية للسياسة الأمريكية في ذلك الوقت تتمثل بالإنعاش
الاقتصادي لأوروبا الغربية، ومحاولة إبعاد السوفيات عن
الشرق الأوسط.
وقد كان هناك خلل في الطريقة التي نظر بها عدد من الحكومات الأمريكية إلى القضية الفلسطينية، وقد
نظرت الولايات المتحدة إلى الفلسطينيين لا بصفتهم شعباً يبتغي وطناً، بل فقط
بصفتهم لاجئين يحتاجون إلى التوطين.
إدارة إيزنهاور
وفي عهد إدارة
إيزنهاور فقد تمحورت السياسة الأمريكية حول حماية مصالحها الاستراتيجية
والتي ركزت على الدفاع عن أوروبا الغربية ونموها واحتواء الشيوعية، وهي أهداف
تترتب عليها الحاجة إلى تدفق مطرد للإمدادات النفطية من الشرق الأوسط والحاجة إلى
استقرار الدول العربية المؤيدة للغرب. فإذا هددت أعمال إسرائيل أو عنادها تلك
الأغراض ( كما حدث خلال غزو السويس في عام 1956م وبعده )، فإن إدارة إيزنهاور لم
تتردد في انتقاد إسرائيل. بيد أنه لم يكن من شأن أي شيء من هذا أن يساعد
الفلسطينيين مساعدة تذكر، فهؤلاء ينظر إليهم، هذا إذا نظر إليهم على الإطلاق،
بصفتهم لاجئين لا بصفتهم شعباً له مطامح وطنية والحق بتقرير المصير.
إدارة كينيدي وجنسون
خلال إدارتي كينيدي
وجونسون، استمر النظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم ليسوا أكثر من مشكلة لاجئين ، بيد
أنه حتى على هذا المستوى لم تكن محاولة كينيدي لإيجاد حل لـ "مشكلة اللاجئين"
محاولة ناجحة، وذلك بالضبط لأن مصالح أمريكية أخرى في المنطقة قد اعتبرت أكثر
أهمية. أما في عهد جونسون فلم يعر أي اهتمام يذكر من أي نوع كان من للفلسطينيين – لكن
المفارقة تتجلى بأن الفلسطينيين كان ينظر إليهم من جهة بأنهم غير ذي شأن أو غير
موجودين كأطراف فاعلين على الساحة السياسية، وينظر إليهم من جهة أخرى بأنهم قوة
ذات شأن قادرة على تحريك الأحداث التي أدت إلى حرب 1967 ! وقد
جرت في سنة 1968 محاولة واهنة لحل مشكلة اللاجئين – محاولة تجاهلت ما كان يجري من
تغيرات رئيسية بشأن التنظيم الفلسطيني والالتزام بتحقيق الوطن، وهو ما تجلى
بالمقام المتنامي لمنظمة التحرير الفلسطينية. إن هذا الوضع يعكس إلى حدٍ ما افتقار
الرئيس جونسون إلى الاهتمام بقضايا السياسة الخارجية، كما يعكس انشغاله بفيتنام،
بالإضافة إلى أن جونسون نفسه وعدداً من كبار مستشاريه كانوا من أنصار إسرائيل إلى
حد كبير.
إدارة نيكسون
وفورد
أما في إدارتي نيكسون
وفورد، فقد جاء نيكسون إلى الرئاسة وهو على إطلاع تام على الوضع العربي – الإسرائيلي،
لكنه على جهل كبير بالجانب الفلسطيني. لم يكن نيكسون مديناً لأصوات اليهود
الأمريكيين في نجاحه السياسي، وقد أراد أن يجد حلاً للمشكلة العربية- الإسرائيلية.
لكنه خاب في ذلك في نهاية الأمر. ويعزى إخفاقه هذا إلى أربعة عوامل رئيسية: أولاً،
تعيينه مساعدين اثنين متنافرين وهما وليام روجرز وزيراً للخارجية وهنري كيسنجر
مستشاراً للأمن القومي، ثانياً، خطأه في اعتبار مشكلة الشرق الأوسط كنزاع عالمي مع
الاتحاد السوفيتي، ثالثاً، الضعف السياسي الذي انتابه كنتيجة لفضيحة ووترغيت، وأخيراً، تعاطف كيسنجر القوي مع إسرائيل الأمر الذي
تحول في نهاية المطاف إلى سياسات معينة، كالقيود التي فرضها على الاعتراف بمنظمة
التحرير الفلسطينية أو التفاوض معها حتى تعترف المنظمة بحق إسرائيل في الوجود
وتقبل بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 – وكان هذا شرطاً لم يتحقق إلا بعد عشرين
سنة.
إدارة جيمي كارتر
أما في إدارة جيمي
كارتر (1975م-1979م) فكان جيمي كارتر يريد تسوية شاملة للمنازعات(بالمفهوم
الأمريكي) القائمة بين الفلسطينيين والعرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وبالتالي، فإن إدارته بدأت باتصالات وبمباحثات غير مباشرة مع
منظمة التحرير الفلسطينية -بل إنها أوشكت على الاعتراف بها
رسمياً. غير أنه جاءت، في النهاية، اتفاقات كامب ديفيد
ومجريات أمورها وكانت من حيث الأساس استمراراً لأسلوب الخطوة- خطوة الذي كان يدعو
إليه ويطبقه هنري كيسنجر. إن الإخفاق في التوصل إلى تسوية شاملة ( حسب المنظور
الأمريكي ) تضم الفلسطينيين يعزى إلى الجهد القوي الذي بذله اللوبي الصهيوني الذي
يفسر النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي على أنه مباراة صفرية تتساوى في الأرباح
والخسائر، كما يعزى إلى دبلوماسية أنور السادات الشخصية وذهابه إلى القدس، وإلى أن
إدارة كارتر تجاهلت أو أساءت تفسير الواقع الذي مفاده أنه ما من حل يكون مقبولاً
في العالم العربي وهو ينكر على الفلسطينيين حق تقرير المصير. ثمة سبب آخر للإخفاق
يكمن في قوة العاطفة المناصرة لإسرائيل في أوساط موظفي البيت الأبيض والكونغرس والصحافة والرأي العام.
إدارة ريغان
وفي إدارة ريغان فقد
كان الشاغل الأكبر لرونالد ريغان كان يتمثل بالاتحاد السوفيتي. ففي ما يتعلق
بالشرق الأوسط كان ينظر إلى إسرائيل باعتبارها دعامة قيمة، وكانت تنعت منظمة
التحرير الفلسطينية بأنها منظمة إرهابية. ووفقاً لهذا المنظور بادرت إدارة ريغان
سريعاً إلى جعل إسرائيل حليفاً استراتيجياً وتجاهلت القضية الفلسطينية على العموم،
مصرّة على أن يقوم الملك حسين عاهل الأردن بالتفاوض نيابة عن الفلسطينيين. وبعد أن اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في
الوجود، ونبذت الكفاح المسلح (الإرهاب ) بالصيغة اللغوية التي طلبتها الولايات
المتحدة بالضبط، وقبلت بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338، قامت الولايات المتحدة
بفتح "حوار جوهري" مع المنظمة. غير أن الانتفاضة
هي التي غيرت في واقع الأمر السياسة الأمريكية إزاء قضية فلسطين.
إدارة بوش الأب
وفي إدارة بوش الأب (1988م-1992م) فإن السياسة
الأمريكية لم تكن كما جرى عليه التصور الشائع من أن إدارة بوش كانت أكثر توازناً
بشأن القضية الفلسطينية من الإدارات التي سبقتها. ففي واقع الأمر درجت إدارة بوش
على السياسة الأمريكية السابقة برفض الحقوق الفلسطينيين .
يضاف إلى هذا عدم وجود أي دليل على أن العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية قد تدهورت
إلى حد يهدد بالخطر الشراكة الوثيقة القائمة بين البلدين. أما الذي حدث حقاً فهو التصاعد
الساخن في لهجة الخطاب أحياناً وإبداء بعض الملاحظات التي بدت عدائية على نحو
مكشوف. في ما عدا ذلك استمرت إدارة بوش بقبول إسرائيل بصفتها دعامة استراتيجية، وتعاونت تعاوناًَ وثيقاً معها في قضايا عسكرية واستخباراتية، وزودتها بمبالغ طائلة من المعونة المالية.
إدارة بيل كلينتون
وفي إدارة بيل كلينتون (1992م-2000م) فقد كان كلينتون مناصراً لإسرائيل
إلى أقصى الحدود. بيد أن بؤرة الاهتمام الأساسية لاستراتيجية
الولايات المتحدة حين دخل كلينتون البيت الأبيض كانت موضوع الخليج وكيفية الحفاظ
على المصالح الأمريكية هناك والسير بها قدما. كانت حرب 1990-1991
في الخليج قد أدت إلى تدمير العراق كقوة عسكرية رئيسية وضمنت للولايات المتحدة
قدرتها على تحديد الروزنامة السياسية هناك. وبتحقيق هذا
الغرض الأساسي اتجهت إدارة كلينتون نحو الحصول على تسوية فلسطينية (وعربية) – إسرائيلية
حسب المفهوم الأمريكي وذلك لتجنب أية مشاكل هناك تؤثر سلباً في وضع أمريكا في
الخليج. بيد أن تعيين كلينتون عناصر مؤيدة لإسرائيل دعماً أمريكياً قوياً وإلى أن
تقدم إليها حصيلة مثلى في أفضليتها في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية
والمفاوضات العربية – الإسرائيلية. لقد كان الميل
المناصر لإسرائيل، في حقيقة الأمر، من القوة بحيث توصلت إسرائيل وفتح باسم منظمة
التحرير الفلسطينية إلى المبادئ العامة لاتفاق أوسلو في النرويج، أي بعيداً عن
الضغط الأمريكي وأساليب التأخير الأمريكية. وما أن تم التوصل إلى ذلك حتى احتضن
كلينتون الاتفاق. غير أنه ليس ثمة دليل يفيد بأن إدارة كلينتون قد غيرت من موقفها
المناصر لإسرائيل.
وخلاصة الفترة
السابقة تؤكد أن هناك عدداً من العوامل نؤثر في صنع السياسة الأمريكية بشأن
فلسطين، يعتبر بعضها من العوامل الأهم على الإطلاق. فالولايات المتحدة كدولة عظمى،
لها مصالح استراتيجية رئيسية في الشرق الأوسط وهي تدافع
عنها باطراد. ومع وجود اتفاق عام بشأن ما هو الذي يكون مصلحة قوية أمريكية في
المنطقة، فإن السياسات المرسومة لخدمة هذه المصالح تشوبها الأخطاء في التصور
والايدولوجيا. إن هذه الأخطاء في التصور، وأغلبها ناجم عن التجربة التاريخية
الأمريكية، قد أضحت هي المسائل الرئيسية التي تفعل فعلها ضد سياسة منصفة تجاه
الفلسطينيين – ويمكن النظر إليها بصفتها محبطة للأغراض ذاتها الرامية إلى الدفاع
عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والسير بها قدماً.
كذلك كان هناك على مدى السنين نظرة سائدة مفادها
أن المصالح الأمريكية إنما تخدم على نحو أفضل من خلال دولة إسرائيلية. وبما أن
مؤيدي إسرائيل، ولا سيما الصهاينة الأمريكيين، قد نظروا
إلى الصراع الدائر بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أنه مباراة صفرية تتساوى في
الأرباح والخسائر، وبما أن هؤلاء المؤيدين منظمون تنظيماً فائقاً كما أنهم أقوياء
سياسياً، فإن الزعماء السياسيين في أمريكا وكذلك صناع القرار فيها قد تقبلوا على
العموم نظرتهم إلى الشرق الأوسط وإلى شعوبه وإلى القضايا الرئيسية في المنطقة. وكانت
النتيجة سياسة أمريكية تنحاز كل الانحياز إلى إسرائيل،
وخصوصاً منذ عام 1976، وتقدم إليها دعماً هائلاً.
في الوقت عينه، فإن
صناع السياسة الأمريكية قد نظروا إلى الفلسطينيين وتعاملوا معهم في أطر غير سياسية ، حتى أنهم تصرفوا في غالب الأحيان وكأن الفلسطينيين
غير موجودين، أو أنهم غير ذي شأن سياسياً، ولكنهم على نحو ما يثيرون المتاعب! أدت
تلك النظرات كذلك إلى قيام المسئولين الأمريكيين بتقسيم القضية الفلسطينية إلى
وحدات صغيرة، فيجري من ثم التعامل معها على أنها أساساً ذات طبيعة اقتصادية أو
إنسانية- لكنها ليست سياسية أو وطنية. وفي مثل هذه الظروف تبني صناع السياسة
الأمريكية على العموم (ولا سيما خلال فترة الحرب
الباردة الطويلة) الموقف الآتي: إن القضية الأساسية في الشرق الأوسط هي نزاع عالمي
بين الولايات المتحدة (الغرب) والاتحاد السوفيتي (الشرق)، والقضية الإقليمية الأقل
أهمية هي وجود إسرائيل في الأراضي العربية ( النزاع العربي – الإسرائيلي)، وما احتلال
إسرائيل للأرض الفلسطينية ( النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ) إلا الجزء الأصغر
والأقل شأناً منها. لذلك فإن الجهد الأكبر كان يتركز،
حتى وقت قريب، على دعم دول قوية وصديقة في المنطقة، وعلى حل للقضية الفلسطينية
بمفاوضات تجري بين إسرائيل ودول عربية على انفراد. إن أي
عمل لا يتصف بعمل الدولة، كالكفاح الوطني الفلسطيني، يوصم بـ"الإرهاب"،
كما أن منظمة التحرير الفلسطينية قد حرمت من أي مركز كممثلة للفلسطينيين، ووصمت
كذلك بأنها منظمة "إرهابية".
في كانون الأول/ ديسمبر
1978، اندلعت الانتفاضة المباركة فقد كثف الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة
مقاومتهم للاحتلال من أجل المطالبة بحقوقهم ، فقاموا
بانتفاضة ضد الاحتلال الصهيوني. ثم أفصحت منظمة التحرير
بعد عام كامل من ذلك عما كانت تدعو إليه مدة خمس عشرة سنة، ونعني الاعتراف
بإسرائيل والقبول بقراري مجلس الأمن رقمي 242 و338، ونبذ (الإرهاب). فبدأت
الولايات المتحدة عندئذ بإجراء "حوار " مع
المنظمة. ثم أتضح بعد تعليقه في حزيران/ يونيو 1990، أنه
كان "حواراً" لا يعدو كونه مناقشة عامة بشأن مسائل ثانوية وإجرائية في
الغالب.
وحين استؤنف الحوار
بين الولايات المتحدة وفتح في أيلول/ سبتمبر 1993، فإن ذلك لم يكن إلا لأن الوضع
على الأرض قد أملي توجهاً جديداً على السياسة الأمريكية ينحو نحو القبول بواقع الفلسطينيين وأهميتهم، ونحو تحقيق
تسوية تكون في صالح السلام الإقليمي والعالمي حسب المنظور الأمريكي . وبما أن
الحالة مائعة والمفاوضات مستمرة، فإن هناك إغراءً قوياً باستغلال ضعف الفلسطينيين
في هذا المنعطف وذلك لسد الطريق بوجه هدفهم لنيل حقوقهم . فإذا
حدث ذلك، تكون بذور نزاع آخر في المستقبل قد بذرت".(1)
إدارة كلينتون
الثانية
وأكثر ما يميز فترة
كلينتون الثانية (1996 – 2000) هو دعوة الأطراف ، الصهيوني والفلسطيني إلى منتجع كامب ديفيد في صيف 2000 وذلك لاعتبارات اختلطت في المصالح
الشخصية وفي دخول التاريخ من أوسع أبوابة بالسياسات الداخلية الأمريكية الصهيونية
لتحقيق حل على حساب القضايا الجوهرية التي تخص القضية الفلسطينية والتي انفجرت في
وجه الجميع لتؤدي إلى اندلاع انتفاضة الأقصى المجيدة والتي ما زالت توجع العدو حتى
هذه الأيام .
إدارة بوش الابن
وفي إدارة بوش الابن
فقد بدأت ملامح السياسة الأمريكية الخارجية فيما يخص القضية الفلسطينية والعراق
تضح مبكرا ، فقد كان الحزب الجمهوري واثقا من الفوز رغم البلبة
التي حدثت بعد إعلان النتائج في 7 نوفمبر/ 2000، حيث دار حوار سياسي في واشنطن
وكان حوار نصف سري في الواقع لأنه وإن دار في غرف مقفلة تسرب منه كثير إلى بعض
العارفين الواصلين من كبار الخبراء والمحللين وبينهم «آرثر شليزنجر»
و«لورانس كابلان» و«جيمس تراوب»
و«جون باري» وكذلك فإنهم وربما غيرهم أيضا تابعوه وخاضوا في تفاصيله ، وكتبوا عنه
وهم يتابعون ويدرسون خطوط السياسات المتوقعة من إدارة «بوش » الجديدة.
فتم "عقد
اجتماعات «تخطيط سياسي» تكون جاهزا للعمل في مناطق لها حساسية خاصة بالنسبة
للولايات المتحدة وأولها الشرق الأوسط. وعلى هذا الأساس تكونت «مجموعة رئاسية» تضم
شخصيات كان معروفا «أنهم رجال ونساء قادمون» إلى المواقع الرئيسية للإدارة
الجديدة، وكانت المجموعة تضم نائب الرئيس المنتخب «ديك تشيني» ومعه صديقه الموثوق «دونالد رومسفيلد» (أصبح عند
التشكيل الرسمي للإدارة) وزيرا للدفاع والسيدة «كوندوليزا
رايس» (أصبحت عند التشكيل الرسمي للإدارة) مستشارة
الرئيس للأمن القومي والجنرال «كولن باول» (أصبح عند التشكيل الرسمي للإدارة ) وزيرا للخارجية و« ريتشارد
آرميتاج» (أصبح عند التشكيل الرسمي للإدارة) نائبا
لوزير الخارجية و«بو وولفويتز»
(أصبح عند التشكيل الرسمي للإدارة) نائبا لوزير الدفاع و « ريتشارد هاس » (أصبح عند التشكيل الرسمي للإدارة) مسئولا عن التخطيط
السياسي للإدارة ويبين مما تسرب وبالتحديد فيما كتبه «آرثر شليزنجر
» و«لورانس كابلان» و«جون باري» أن مجموعة التخطيط
الرئاسية توصلت في شأن أزمة الشرق الأوسط إلى خطوط محددة:
1) أولها أنه ضمن
مراجعة عامة للسياسة الأمريكية وهي مراجعة تقوم بها كل
إدارة جديدة ، خصوصا إذا كانت قادمة من قاعدة حزبية مختلفة عن سابقتها وهدف
المراجعة هو التأكد من أن «أفكارها» وليس أفكار الإدارة السابقة هي النافذة
والمنفذة ، وإعادة النظر في الأولويات . وبالطبع فإن منطقة الشرق الأوسط كانت مدار
استقصاء واسع ودقيق ليس فقط بسبب أهمية المصالح الأمريكية فيها وإنما أيضا لأن شكل
التطورات على ساحاتها المختلفة بدا وكأنه يأخذ منحنى خطرا أو على الأقل غير ملائم.
وجرت مراجعة عادت كما
يجب أن يكون إلى أصول المسائل ، وهنا فلم يكن هناك خلاف بين أفراد المجموعات
الرئاسية على أن المصلحة الأمريكية العليا لها في المنطقة ثلاثة مطالب : السيطرة
على البترول وضمان أمن إسرائيل وتوسيع النفوذ الأمريكي في المنطقة بصفة عامة.
وتبدى للمجموعة الرئاسية أن البترول العربي وبترول
الخليج بالدرجة الأولى لا يتعرض للتهديد، فهو في حماية وجود أمريكي عسكري قوي على
الأرض وفي عهدة نظم محلية موالية. ثم أن أمن إسرائيل ليس مكشوفا
، بل العكس فإن إسرائيل لم تكن في يوم من الأيام مغطاة بدرجة التفوق التي
تتمتع به الآن.
وبرغم ذلك كان واضحا
للمجموعة الرئاسية أن هناك مخاطر تتحفز في المنطقة وتزحف إلى حيث تستطيع أن تمس
أمن الخليج وأمن إسرائيل وتؤثر سلبا على النفوذ الأمريكي والسبب أن مشكلة فلسطين
التي كانت «تفاعلاتها مضبوطة» منذ مؤتمر مدريد سنة 1991 والتي جرى وضعها على طريق
الحل والتصفية بعد اتفاق أوسلو سنة 1993 تبدت معرضة للانفلات، وهو انفلات راح «يفيض»
على ما حوله بنوع من «الانسكاب» spill-over
وبسببه استيقظت مشاعر كراهية لإسرائيل كانت محجوزة ومشاعر عداء للولايات المتحدة
كانت كامنة ومجملة أدى إلى وضع نظم صديقة للولايات المتحدة على «موقف دفاع» يخشى
من الاختراق ويتخوف من تحول هذا الاختراق إلى تطويق ، وتلك أحوال يضاعف من خطرها
أنها تجيء في ظروف اقتصادية واجتماعية حرجة، لا يظهر لها علاج قريب أو سهل ، وفي
موعد يمكن انتظاره والصبر عليه حتى يجيء!
2) وفيما بان من
الخطوط المحددة التي توصلت إليها مجموعة العمل الرئاسية أن السياسة الأمريكية وصلت
إلى هذا المنزلق الوعر في الشرق الأوسط لأن «بيل
كلينتون» اندفع بعيدا وراء حلم راوده بصنع سلام كامل ونهائي للقضية الفلسطينية،
مخالفا في ذلك كل الإدارات السابقة جمهورية وديمقراطية وبالتحديد من زمن الرئيس
السابق « ريتشارد نيكسون» ووزير خارجيته «هنري كسينجر »(1974-1975)
إلى زمن بوش الأب ووزير خارجيته «جيمس بيكر»(1990-1992).
والحاصل أن كل الإدارات السابقة اختارت معالجة الأزمة بأسلوب «خطوة خطوة» مدركة أن طلب السلام الكامل والشامل سوف يطرح قضايا
مستحيلة الحل : أولها القدس (وهي صراع آلهة ورسل كذلك قيل) وثانيها اللاجئون (وقضيتهم
بالنسبة لإسرائيل سؤال مصير: يطرح عليها أن تكون دولة يهودية أو لا تكون؟ ) إلى جانب قضايا أخرى لا تقل خطورة واستعصاء على الحل (بينها
الاستيطان والحدود).
والواقع أن هدف «كلينتون»
من مقاربة الحل الكامل والنهائي كان هدفا شخصيا ، وقد جاراه رئيس الوزراء
الإسرائيلي «إيهود باراك» على أمل أن الرئيس الأمريكي
المتشوق لصنع السلام (والمتلهف على جائزته) قادر بقوة منصبه على الإتيان بمعجزة
تاريخية تستطيع إسرائيل أن تتعلق بها وتفوز بتسوية
ختامية لكل الحسابات المعلقة بينهما وبين العرب على أساس الأمر الواقع وبلا تنازل
يأخذ منها شيئا تحوزه الآن أو تطلبه قبل إغلاق الدفاتر!
كان هناك بين أعضاء
المجموعة الرئاسية من ذهبوا إلى أن «باراك» لم يكن يجاري رغبة «كلينتون» ، وإنما
الحقيقة أن «كلينتون» هو الذي استسلم للغواية مرة أخرى وهي هذه المرة غواية «إيهود باراك» وليست غواية «مونيكا لوينسكي»
وقد رجح هذا الظن عندما تبين أن الرجلين «كلينتون» و «باراك» كانا على اتصال منظم
كل يوم في ساعة محددة (قبل أن ينام «كلينتون» في ليل واشنطن ، وفور أن يصحو «باراك»
في فجر تل أبيب.).
وفيما يقول به «بودستا» رئيس أركان البيت الأبيض على عهد «كلينتون» أن الرئيس
الأمريكي السابق كان مبهورا بـ «باراك» لسببين:
اولهما أنه كان العسكري الذي حمل أرفع الأوسمة في
الجيش الإسرائيلي (المقاتل) و «كلينتون» (في نظر الكثيرين) لديه عقدة المتهرب من
الجندية في فيتنام.
والثاني أن «كلينتون»
كان مأخوذا بنفوذ رئيس وزراء إسرائيل وسط الجالية اليهودية في أميركا بتأثيرها
النافذ في الإعلام وكان ذلك سبب قبوله لوساطة «باراك» في عفو رئاسي وقعه في اللحظة
الأخيرة عن بليونير يهودي أمريكي (مارك ريتش) هرب إلى سويسرا بعيدا عن متناول القضاء الأمريكي الذي
كان يطارده في تهم فساد .
وفي المحصلة (وهذه
عودة بعد استطراد إلى ما بان من مداولات المجموعة الرئاسية) فقد كان الرأي الذي
عرضه « ريتشارد هاس» واحتل مساحة واسعة في الحوار
الرئاسي ومالت إليه الآراء «أن أزمة الشرق الأوسط لم تبلغ بعد مرحلة النضج» maturity الضرورية لحلها (ومن
المعروف أن لـ « ريتشارد هاس » نظرية مشهورة في هذا
الشأن ملخصها أن الأزمات لا تحل برغبة الأطراف في حلها ، وإنما بتوافر شروط «معينة»
تجعل الحل ممكنا) وكان رأي « ريتشارد هاس » تحديدا أن «أزمة
فلسطين غير قابلة للنضج من الأساس لأنها تنطوي ضمن عوامل كثيرة على مقدسات يصعب أن
يكون لها حل وسط » وهذا النوع من الأزمات ليس له دواء غير وصفة إجراءات تتكفل به
وهي:
- عزل الأزمة وإحكام عزلها عن محيطها حتى لا يتسع نطاقها ولو بالعدوى.
- إفراغ
الأزمة أولا بأول من عناصر التوتر حتى لا تنفجر في مكانها مدوية في محيطه.
- ثم
تركها بعد ذلك للزمن يزيحها إلى النسيان، وفي هذا النسيان تستهلك الأزمة نفسها
بنفسها بالتحلل والتآكل والتلاشي.
3) وفيما نسب أيضا أن
حوار المجموعة الرئاسية توصل إلى أن «المأزق الراهن في الشرق الأوسط استحكم بسبب
التعسف مع الحقيقة في طلب حل نهائي لأزمة الشرق الأوسط، والنتيجة أن القضية
الفلسطينية عادت واحتلت رأس جدول الأعمال في اهتمام حكومات وشعوب المنطقة، وبما أن
الحل الكامل الذي سعى إليه «كلينتون» و«باراك» طلب مستحيل فإن العودة الضرورية إلى
الخطوات الجزئية نقلة بعد نقلة مناورة صعبة. ولا بد من
تهيئة المنطقة لهذه المناورة بجهد عالي الكفاءة، مرن وحازم في نفس الوقت، يحقق
نزول القضية الفلسطينية من البند رقم واحد إلى البند رقم اثنين أو ثلاثة إذا أمكن».
وإذا كان ذلك فإن
الفراغ الناشئ من إخلاء البند رقم واحد (بعد تنزيل الأزمة الفلسطينية منه) لا بد
أن تملأه أزمة أخرى يجري تصعيدها إلى رأس القائمة، وهذه الأزمة في تقدير أهم
المنظرين للإدارة الجديدة وهو «بول وولفويتز» المساعد
المقرب من «ديك تشيني» نائب الرئيس ، والمكلف بمنصب وزير الدفاع هي بالطبع أزمة
الخليج، وبمعنى آخر فإن المطلوب على عجل هو إحياء التحالف القديم لحرب الخليج ،
وإعادة بناء الحصار على العراق ، والحشد من جديد لمحاولة إسقاط النظام في بغداد ،
وذلك مطلب لم يتيسر تحقيقه في وقته بالحرب لكن المطالب الاستراتيجية
لا تسقط بالتقادم (كذلك قدروا).
وقد تجلت لأهمية
وضرورة تغيير قائمة الأولويات مزايا إضافية ملخصها «أن مشكلة فلسطين وفيها القدس
تملك جاذبية غلابة تشد كل العرب إلى قضية واحدة ، وذلك يخلق مناخا متفجرا يصعب
التعامل معه في حين أن وضع العراق على راس القائمة يفرق
صفوف العرب ، وهو مناخ يسهل ويطيب التعامل فيه"»!(2)
وخلال الفترة
الرئاسية الأولى تصاعدت الاجتياحات الصهيونية للمناطق
الفلسطينية واستشهد وجرح الآلاف وتم اغتيال قادة المقاومة وعلى رأسهم الشيخ أحمد
ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وكله بضوء أخضر
أمريكي تحت ذريعة حق الدفاع عن النفس ، وقد تبنت الإدارة الأمريكية موقف شارون
الكامل والتي كان آخرها الضمانات الأمريكية المقدمة شخصيا من بوش إلى شارون في شهر
ابريل /2004 ، والتي تتضمن الاعتراف بشرعية الجدار وضم مستوطنات الضفة الغربية إلى
الكيان الصهيوني مما يعني ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى فلسطين التاريخية
المحتلة ، عوضا عن القبول بموقف العدو من اللاجئين الفلسطينيين وعدم العودة إلى
أرض فلسطين التاريخية .
الإدارة الأمريكية الجديدة
الإدارة الأمريكية
الجديدة في عام 2005 ،من غير المتوقع أن تغير سياستها جوهريا اتجاه القضية
الفلسطينية ، رغم ما يسمع كثيرا عن اهتمام الإدارة الأمريكية الجديدة بقضية الشرق
الأوسط وحديث بوش المتكرر عن الدولة الفلسطينية والديمقراطية الفلسطينية ، ولن
تخرج الإدارة الأمريكية عن الإطار السياسي العام الذي حكم الموقف الأمريكي إزاء
الشرق الأوسط خاصة القضية الفلسطينية خلال الفترة الماضية ، أي الابتعاد عن
القنابل الموقوتة وهي القضايا المصيرية والتي ستنفجر في وجه الجميع إذا ما تم
العبث بها أو حتى الاقتراب منها .
وقد تسرب القليل حول
خطط بوش ووزيرته رايس فيما يخص القضية الفلسطينية فقد
كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية وثيقة الإطلاع مذكرة سرية تكتسب أهمية خاصة، لأن رايس تتمتع بثقة الرئيس بوش الواسعة وبدعم كبير منه لأداء
مهامها وتلقى اهتماماً من المسئولين الأوروبيين عشية انعقاد قمة شرم الشيخ، وتتضمن
عشرة اقتراحات أساسية لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على مراحل وتتضمن مشروع
محاصرة المنظمات الرافضة وتسهيل مهمة أبو مازن .
فقد قدمت كوندوليسا رايس وزيرة الخارجية
الأمريكية "مذكرة سرية إلى الرئيس بوش عشية انعقاد قمة شرم الشيخ، وتتضمن
عشرة اقتراحات أساسية لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على مراحل أبرزها وقف
الكفاح المسلح الفلسطيني من دون شروط سياسية، وتأجيل تفكيك الأجنحة العسكرية لحماس
والجهاد وسائر التنظيمات الفلسطينية المعارضة وتجريدها من أسلحتها إلى مرحلة لاحقة
تسهيلاً لمهمة أبو مازن، والامتناع عن طرح خطة سلام أمريكية مفصلة لحل هذا النزاع
والامتناع أيضاً عن تحديد موعد ملزم لإقامة الدولة الفلسطينية، ومطالبة الدول
العربية بوقف "التحريض على العنف ضد إسرائيل" في الفضائيات ووسائل
الإعلام المختلفة، ودرس احتمال تعيين مبعوث أمريكي خاص رفيع المستوى يقيم في الشرق
الأوسط ويعمل على تحقيق تقارب سلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وأكدت هذه المصادر أن
مذكرة رايس المهمة السرية تتضمن الاقتراحات الأساسية
الآتية:
أولاً: من الضروري
والحيوي أن تبدي الإدارة الأمريكية خلال السنوات الأربع المقبلة اهتماماً فعلياً
وجدياً بالنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي خصوصاً بعد رحيل ياسر عرفات ومجيء قيادة
فلسطينية جديدة متفهمة لمتطلبات السلام، وهو اهتمام يجب أن يتخذ شكل التدخل
الأمريكي المباشر وعلى مستويات مختلفة لمساعدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على
اتخاذ القرارات الملائمة للتقدم إلى الأمام وطي صفحة الانتفاضة المسلحة والمواجهة
نهائياً بينهما.
ثانياً: إن "الانغماس" الأمريكي المباشر
في معالجة النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي سيعطي زخماً قوياً للجهود الأمريكية لنشر
الحرية وتعزيز الديمقراطية في العالم العربي، إذ إن هناك مطالبة عربية واسعة
للولايات المتحدة للعب دور أكبر للمساعدة على حل هذا النزاع سلمياً.
ثالثا: إن نجاح
المهمة الأمريكية في العراق ليس مرتبطاً مباشرة بحدوث تقدم سلمي بين الفلسطينيين
والإسرائيليين، لكن الدور الأمريكي في العراق سيلقى دعماً عربياً وإقليمياً أكبر
إذا ما كرست الإدارة الأمريكية جهوداً حقيقية وبشكل منتظم لمعالجة هذا النزاع
والتحرك تدريجياً نحو إقامة دولة فلسطينية تتعايش سلمياً مع إسرائيل.
رابعاً: حل النزاع
الفلسطيني - الإسرائيلي سلمياً يجب أن يتحقق على مراحل وخلال فترة زمنية غير محددة
كما يجب عدم تحديد موعد زمني إلزامي لإقامة الدولة الفلسطينية مع الأمل أن تقام
هذه الدولة قبل نهاية ولاية بوش أي قبل العام 2009 إذ ما اتخذ الفلسطينيون
والإسرائيليون القرارات الملائمة. ويجب في وقت واحد تفهم
مطالب إسرائيل الأمنية والحيوية وأوضاعها الداخلية وكذلك تفهم حاجات الفلسطينيين
الأساسية وعلى رأسها حاجتهم إلى تحسين ظروفهم المعيشية والتحرك بحرية أكبر في
مناطقهم.
خامساً: ليس ممكناً
بدء العمل الجدي لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي قبل أن تتوقف الانتفاضة
المسلحة وكل العمليات والهجمات وأنواع الكفاح المسلح الفلسطيني ضد الإسرائيليين
بشكل كامل ونهائي ومن دون طرح شروط سياسية وبقرار تتخذه القيادة الفلسطينية من طرف
واحد إذ إن استمرار العنف والمواجهة سيقضي على كل الجهود الديبلوماسية
التي يمكن أن تبذلها الإدارة الأمريكية بالتعاون مع دول أخرى ويجب ألا يترافق هذا
القرار مع توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية ووقف "التحريض على العنف ضد
إسرائيل" في وسائل الإعلام الفلسطينية وفي المواقف الفلسطينية عموماً، ومع
إجراء إصلاحات شاملة في مؤسسات وأجهزة السلطة الفلسطينية بما يعزز الديمقراطية في
المناطق الفلسطينية. ويجب أن تعمل الإدارة الأمريكية حينذاك على إقناع الحكومة
الإسرائيلية باتخاذ سلسلة إجراءات وخطوات لوقف العمليات العسكرية ضد المناطق
الفلسطينية ولتقليص الوجود العسكري الإسرائيلي تدريجياً فيها ولتحسين الظروف
المعيشية واليومية للفلسطينيين بما يؤدي إلى إيجاد أجواء سلمية جديدة بين الطرفين.
سادساً: يجب أن يكون
الهدف الكبير للقيادة الفلسطينية هو إنهاء الدور القتالي والتسلحي
لحركة حماس وسائر التنظيمات الفلسطينية المعارضة لعملية السلام من خلال تفكيك
وإزالة أجنحتها العسكرية والقضاء على بناها التحتية ومصادرة أسلحتها ومصانع إنتاج
الأسلحة والمتفجرات ووقف عمليات تهريب الأسلحة إليها. لكن يجب التحرك بواقعية
ومرونة على هذا الصعيد وبالتالي تأجيل تحقيق هذا الهدف الكبير إلى مرحلة لاحقة
وترك المجال أمام أبو مازن "الذي تثق به واشنطن" لاتخاذ القرارات
اللازمة لتحقيق هذا الهدف الكبير في الوقت الملائم والظروف الملائمة والاكتفاء في
هذه المرحلة بالوقوف الكامل للكفاح المسلح الفلسطيني ضد الإسرائيليين.
سابعاً: يجب أن تمتنع
الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة عن طرح خطة سلام مفصلة لحل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي
نهائياً كما فعل الرئيس السابق كلينتون، ويجب أن تمتنع الإدارة الأمريكية أيضاً عن
تقديم أية اقتراحات لكيفية معالجة القضايا الكبرى العالقة بين الطرفين كالقدس
واللاجئين والمستوطنات ويجب أن تمتنع أيضاً عن رسم حدود الدولة الفلسطينية
المقترحة ومساحتها إذ إن هذه المسألة المهمة ينبغي أن تتقرر خلال المفاوضات حين
يأتي وقت التفاوض على حل هذا النزاع نهائياً. ويجب أن يعلم الجميع أن الإدارة
الأمريكية لن تتخذ هي القرارات الحاسمة بالنيابة عن الفلسطينيين والإسرائيليين بل
يجب أن يتخذ الطرفان المعنيان الفلسطيني والإسرائيلي القرارات الصعبة الملائمة
لتحقيق السلام بينهما.
ثامناً: من الضروري
تقديم مساعدات مالية أمريكية وعربية ودولية أكبر إلى الفلسطينيين لإعادة إعمار قطاع غزة والمناطق الفلسطينية المتضررة وتحسين الظروف
المعيشية والأوضاع الصعبة للفلسطينيين، لكن بعد تحيق هدنة أمنية طويلة وثابتة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين.
تاسعاً: يجب أن تلعب
الدول العربية دورا أكبر وأوضح في المساعدة على تحقيق تقدم سلمي بين الفلسطينيين
والإسرائيليين سواء عن طريق وقف الدعم المالي للتنظيمات الفلسطينية المعارضة
للسلام أو عن طريق زيادة مساعداتها المالية إلى السلطة الفلسطينية أو عن طريق وضع
حد نهائي "للتحريض على العنف ضد الإسرائيليين" في الفضائيات ووسائل
الإعلام المختلفة والمساعدة بدلاً من ذلك على تقليص حال العداء تدريجياً بين
الفلسطينيين والإسرائيليين. إضافة إلى ذلك يجب أن يتعاون الأمريكيون مع مصر
والأردن لإعادة تأهيل وإعداد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية
الفلسطينية للقضاء على أية نشاطات أو أعمال عنف فلسطينية موجهة ضد الإسرائيليين.
عاشراً: يجب أن تدرس
الإدارة الأمريكية جدياً تعيين مبعوث خاص رفيع المستوى إلى الشرق الأوسط ينصرف
كلياً إلى الاهتمام بملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي ومتابعة تفاصيله وتطوراته
يومياً ويعمل بالتنسيق مع وزيرة الخارجية الأمريكية. وستصبح فرص تعيين هذا المبعوث
الأمريكي الخاص كبيرة إذا ما تحققت هدنة أمنية ثابتة
لمدى طويل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويمكن لهذا المبعوث الأمريكي أن يقيم في
إحدى دول الشرق الأوسط فترات طويلة لكي يتمكن من التنقل بسهولة وبسرعة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين وإجراء الاتصالات اللازمة مع الدولة المعنية بالأمر
ومعالجة مختلف المشاكل التي ستعترض طريق الحل السلمي التدريجي للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي".
(3)
وهناك أيضا تقارير
أخري تدعم هذا الاتجاه في السياسة الأمريكية الجديدة منها تقرير المجموعة الرئاسية
والذي يعده كل أربع سنوات في العاصمة الأمريكية معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى،
هذا التقرير يصدر من مجموعة من الباحثين والخبراء والمسئولين السابقين لصناع
القرار الأمريكي في فترته الرئاسية ومع بدايتها ليبلغه ويقدم توصيات لما يجب أن
تكون عليه الاستراتيجية الأمريكية نحو الشرق الأوسط.
تقرير هذا العام
والذي صدر في 17/ فبراير 2005 وهو بعنوان الأمن.. الإصلاح والسلام الركائز الاستراتيجية الثلاثة للاستراتيجية
الأمريكية في الشرق الأوسط :
أولا / الأمن : التعامل
مع العراق في المرحلة المقبلة ثم الحرب على الإرهاب وخطر ما يسمى بالتطرف الإسلامي،
الحد من التسلح وتحدي الملف النووي الإيراني وكيفية التعامل معه ثم تقليص الاعتماد
على المصادر الأجنبية للنفط في التعامل مع الشرق الأوسط
ثانيا / ركن السلام :
و كيفية الاستفادة من الفرصة الجديدة بالقيادة الفلسطينية الجديدة لأبو مازن محمود عباس وعدم طرح موضوع مفاوضات مبكرة للوضع
النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين والانسحاب من غزة وشمال.. أو مستوطنات في
الضفة الغربية وفي موضوع مكافحة الإرهاب إدخال حماس وحزب الله بالتحديد مع القاعدة .
ثالثا / ركن الإصلاح : و تحته موضوع ربط الإصلاح السياسي بالعلاقات
الثنائية الأمريكية العربية . (4)
وفيما يخص القضية
الفلسطينية فيقول التقرير أن على الدبلوماسية الأمريكية أن تدير حوارات مستقلة
ومشتركة مع الإسرائيليين والفلسطينيين والدول العربية وعدد آخر من اللاعبين
الدوليين بهدف تسهيل التوصل إلى ذلك القسط من المسؤولية والتقدم الذي يقود إلى
تحقيق حل الدولتين وعلى الإدارة الأمريكية أن تسعى بالتحديد إلى ما يلي:
مع الإسرائيليين:
"على واشنطن أن تحث القدس على تأكيد مساندتها لحل الدولتين وعلى اتخاذ
الإجراءات التي تظهر بجلاء هذا الموقف مثل: تعزيز الجهود الإنسانية التي يستفيد
منها المدنيون الفلسطينيون, وتفكيك البؤر الاستيطانية غير الشرعية, واعتماد سياسة
عدم التوسع في المستوطنات القائمة وتجميد بناء المستوطنات الجديدة مما يعني
بالمحصلة عدم الاستيلاء على أية مساحة جديدة من الأرض لغرض بناء المستوطنات. ومن
بين جميع الخطوات التي يمكن أن يتخذها الإسرائيليون تظل الخطوة الأهم هي تنفيذ خطة
فك الاشتباك بأكمل وأسرع وجه ممكن واعتبارها خطوة مهمة على طريق حل الدولتين وليست
هدفا استراتيجيا قائما بحد ذاته, وعلى واشنطن في هذا الصدد أن تحث إسرائيل على
تبني الإجراءات التي تبدد المخاوف القائلة بان الانسحاب من غزة ليس سوى لعبة
لتفادي مواجهة المطالب الفلسطينية في الضفة الغربية. ومن الإجراءات المفيدة في هذا
المجال البدء بعملية فك الاشتباك من شمال الضفة الغربية بدلا من بدئها من قطاع غزة,
والخطوة التالية هي استكمال عملية فك الاشتباك بعملية إعادة انتشار للقوات الإسرائيلية
تنسحب بموجبها تلك القوات من المراكز السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية وترفع
نقاط التفتيش بأسرع وأكمل وجه.
مع الفلسطينيين: على
واشنطن أن تحث الزعامة الفلسطينية المنتخبة حديثا على اتخاذ الإجراءات التي تنهي
حكم إرهاب المليشيات والمنظمات الإرهابية شبه المستقلة وهي العملية التي لا يمكن
للفلسطينيين من دونها أن يعتبروا شركاء موثوقين في صنع
السلام. ينبغي أن تبدأ هذه العملية في غزة مما يجعلها تبدو في نظر الإسرائيليين
والعالم حالة اختبار للنوايا والقدرات الفلسطينية, أن تأمين التوقف التام لعمليات
العنف ضد إسرائيل والإسرائيليين هي خطوة أولى مهمة, ولكن لا بد من الإدراك بان
هدنة توفر للجماعات الإرهابية فرصة الاستراحة وإعادة التسلح والتنظيم استعدادا
للمزيد من الهجمات لن تكون كافية, وفي غزة كما في عموم الضفة الغربية تحتاج السلطة
الفلسطينية إلى توكيد التزامها بالحل السلمي للنزاع عن طريق تعزيز إجراءاتها
الأخيرة لوقف التحريض ضد الإسرائيليين واليهود بما في ذلك نعت الانتحاريين ب¯ »الشهداء«
وتبجيلهم كما أن عليها أن تبذل الجهود لإعداد السكان لتقبل فكرة حل الدولتين كحل
نهائي للنزاع القائم على الاعتراف بشرعية إسرائيل كدولة يهودية ,وإقامة دولة
مستقلة منفصلة باسم دولة فلسطين".(5)
ويبدوا من خلال ذلك
أن الإدارة الأمريكية لن تغير سياستها الاستراتيجية
اتجاه القضية الفلسطينية وإنما إعادة التوليفة القديمة من السياسة الأمريكية والتي
سارت عليها الإدارات السابقة ، وتتلخص هذه السياسة في الدعم الكامل والشامل لدولة
العدو وإبقائها في حالة هيمنة كاملة على المنطقة ، وعدم الضغط على العدو في أي
صفقة سياسية ، كذلك دعم ومساندة التيار الفلسطيني الذي يتفهم المطالب الأمريكية في
المنطقة ويعارض سياسة المقاومة ويرضى بالحلول الأمريكية الصهيونية التي تتمحور حول
إقامة دولة فلسطينية على غزة وأقل من نصف مساحة الضفة الغربية (مناطق داخل الجدار)
مع عدم تحديد أي موعد لذلك ، وبالنسبة للقضايا الجوهرية مثل اللاجئين والقدس
والحدود والمستوطنات فلن يتم التطرق إليها في هذه المرحلة ، وفوق ذلك المطلب
الأمريكي الصهيوني القاضي بوقف الانتفاضة المسلحة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم
تكرار أو إتباع أساليب مشابهة .
لقد تحدثت الإدارة
الأمريكية عن الشرق الأوسط الكبير وعن أهمية الحيوية الاستراتيجية
للولايات المتحدة ، فهذا الشرق الأوسط الكبير يضم ثلثي احتياط النفط العالمي مما
يرشحه لأن يكون مفتاح التنمية في العالم بأسره ، كذلك يضم دولة إسرائيل في قلب هذه
المنطقة كما تمثله من مصلحة أمريكية خاصة وغربية عامة ، وأهمها وجود كيان يحمل
الصيغة الغربية يحول دون توحد هذه المنطقة ويخلق فاصل في منطقة محورية عند التقاء
القارتين .
وفوق ذلك فان الشرق
الأوسط الواسع أو الكبير خرج منه مقاتلين قاموا بضرب رمز القوة والهيبة الأمريكية
في عقر دارها في سابقة تاريخية لم تحدث من قبل ، وهؤلاء المقاتلين يمثلون تيارا
جديدا صاعدا وإن بخطى وئيدة ويهدد المصالح الأمريكية والغربية بشكل مباشر، وهو
يكتسب شعبية مع التيارات الإسلامية الأخرى والتي تلتقي في النهاية على مواجهة
الهيمنة الأمريكية على العالم العربي والإسلامي وترفض الخضوع للمطالب الأمريكية
الصهيونية القاضية بقبول دولة العدو في المنطقة وإبقائها في حالة سيطرة على
المنطقة .
ولهذا وبعد حفل
تنصيبه بأيام معدودة قال بوش : لا أريد أية حكومة إسلامية في الشرق الأوسط (كفانا
ما حل بنا من هذه الحكومات الدكتاتورية التي تستمد بقائها في الحكم من معاودة
أمريكيا وإسرائيل ... وإننا لا يمكن أن تكون أصدقاء لحكومة تحكم باسم الدين الإسلامي ، فهم متعصبون ومتزمتون ويرفضون الانفتاح ) (6)
غير أن الشرق الأوسط
الكبير بمساحته الشاسعة ، فإن قناعة الإدارة الأمريكية الحالية هي أن الحلم
وبطبيعة الواقع الحالي يتعثر ، وسيظل كذلك إذا لم يتم تفكيك منطقة في قلب الشرق
الأوسط الكبير تمثل حائلا وجدارا منيعا لتحقيق هذا الحلم الذي أسسه وخططه مجموعة
القرن الأمريكي الجديد من المحافظين الجدد ، وان تغيرت بعض المواقع والمناصب في
الإدارة الجديدة فما زال التأثير قويا وسيصبغ الفترة الرئاسية القادمة بمخططاتهم .
هذه المنطقة والتي
تحدثنا عنها سابقا تشبه الهلال أو القوس والذي يبدأ من إيران وبتفاعلاتها وتمتد
إلى سوريا مرورا بالعراق ثم لبنان في شخصية حزب الله وينتهي طرفه الجنوبي عند حركة
لم يتنبأ احد بسرعة صعودها على المسرح العالمي والإقليمي في هذه الفترة الوجيزة
وهي حركة حماس .
فإيران عازمة على
إنتاج القنبلة النووية وبالتالي قوة إقليمية ودولية يحسب حسابها ، ومن جهة أخرى
فإن أي محاولة أمريكية للاقتراب من إيران فإن ذلك لعب في النار غير مضمون،
وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإنها تعارض بشكل عام امتلاك أي دولة جديدة
للسلاح النووي، وفي منطقة الشرق الأوسط فإن امتلاك إيران للسلاح النووي يخل
بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة، والتي تتفوق فيه إسرائيل بشكل كامل .
أما سوريا فهي تعارض
الاستسلام للشروط الصهيونية بشأن الجولان وفي سبيل ذلك فإنها تحتضن على أراضيها
مكاتب لحماس والجهاد الإسلامي، وهي أي سوريا متفقة مع إيران في رفض الهيمنة
الأمريكية على المنطقة ودعم حزب الله .
وحزب الله قوة عسكرية
منظمة تتمتع بشعبية واسعة بين اللبنانيين ، وهذا ما
أظهرته المظاهرة المليونية في بداية شهر مارس / 2005م ، وانه قد يفجر الوضع على
الحدود الشمالية مع العدو إذا ما استهدفت أمريكا إسرائيل إيران عسكريا .
وفي الطرف الجنوبي من
الهلال حركة حماس والتي تسابق الكل لكي يقنعها بوقف نشاطها العسكري ولو مؤقتا في
حين ، وبحكم تواجدها في قلب القضية الفلسطينية بتشعباتها
فإنها قادرة على قلب الطاولة في وجه الجميع ، فقد أصبحت رقم صعب في المعادلة
الإقليمية لا يمكن تجاوزه وهي قادرة على الأقل في بعض الأحيان القيام بعمليات تصل
أصداء تفجيراتها إلى العواصم الأوروبية والبيت الأبيض .
الولايات المتحدة لا
تخفي رغبتها في تغيير نظامي إيران وسوريا في إطار ما يسمى بنشر الديموقراطية وهزيمة الدكتاتورية .
بالنسبة لإيران وطبقا
لما ذكره الصحافي المشهور سيمور هيرش
في صحيفة نيو يوركر في 16/ يناير
– 2005م ، فان عمليات كوماندوس بالتعاون مع باكستان
داخل إيران منذ الصيف لاستطلاع مواقع نووية وكيميائية صاروخية تمهيدا لتوفيرها ،
وتعلق الصحيفة عن مسئول استخبارات رفيع المستوى ( هذه حرب ضد الإرهاب، والفرق مجرد
حملة عسكرية واحدة ، أن إدارة بوش تنظر إلى الموضوع كمنظمة حرب كبيرة جدا، في
المرحلة القادمة ستدخل في الحملة ضد إيران .
الآن تسعى الولايات
المتحدة إلى نقل ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن وبالتالي الدخول في دوامة
العقوبات وإضعاف إيران دوليا .
ورغم ما فعلته سوريا
للأمريكان في العراق ، فإن ذلك لم يشفع لها أمام الإدارة الأمريكية، فما أن وقع
حادث اغتيال الحريري حتى انهالت الاتهامات من الإدارة الأمريكية اتجاه سوريا
واتهامها بأنها مشاركة في المؤامرة ، وقامت بدعم المظاهرات المعارضة للوجود السوري
(الموارنة والدروز ) ، وشكلت الإدارة الأمريكية ضغطا
كبيرا على سوريا ، وأقنعت العالم بذلك ، مما أدى إلى بداية الانسحاب السوري من
لبنان حتى تتطلع الإدارة الأمريكية مع إسرائيل إلى إعداد الأجواء لإقامة حكومة
لبنانية تعيد إلى الأذهان اتفاق 17 / أيار / 1983م والذي انتهى إلى توقيع معاهدة (
سلام ) بين لبنان وإسرائيل تم إسقاطه على يد سوريا وحلفائها فيما بعد ، عوضا عن
إضعاف سوريا وسحب مزيد من الأوراق منها .
وهذا يذكر بخطة "
الفتح النظيف" وهي وثيقة سياسية تم إعدادها عام 1996 تحت إشراف نائب الرئيس
الأمريكي الحالي 'ديك تشيني' وفريق العمل المكونة من 'ريتشارد بيرل'
و'دوج فيث' و'ديفيد ورمسر' وآخرين. وتحمل الوثيقة عنوان ' تغيير جذري: استراتيجية جديدة لتأمين المنطقة'. وتشير الوثيقة إلى سيناريو
يتبنى تمزيق اتفاقيات أوسلو [عام 1993] بين الصهاينة والفلسطينيين ثم احتمال
استهداف العراق وسوريا ولبنان عسكريا أو من خلال عمليات لزعزة
استقرار المنطقة.
تؤكد الوثيقة صراحة
على أنه، يجب على 'إسرائيل' تشتيت انتباه سوريا من خلال المعارضة اللبنانية لزعزة السيطرة السورية على لبنان وتحدي حزب الله وسوريا
وإيران اللذين يمثلان خطرا على لبنان – وفقا للوثيقة، فإذا تبين أن ذلك غير كافي،
فسوف يأتي بالتالي ' الهجوم ضد بعض الأهداف على الأراضي السورية.
ومن المقرر، أن تسفر
هذه الوثيقة عن شرق أوسط جديد مكون من دول مجزئة من خلال سلطات كعرائس الماريونات من ناحية، ومن ناحية أخرى تصبح 'إسرائيل' القوة
الإقليمية المهيمن .(7)
وبعد انسحاب الجيش
السوري من لبنان فأن الإدارة الأمريكية تتطلع إلى حزب
الله ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين لكي يأتي الدور عليهم وذلك بنزع سلاحهم وإفراغ
الساحة اللبنانية من أي قوى تعارض التوجيهات الأمريكية الصهيونية .
أما حماس : فإن
الإدارة الأمريكية تبنت عباس ، وهي تجمع وتحث الدول الغربية والعربية على جمع
المال له ، ويستعد بوش لاستقباله في البيت الأبيض ، فهناك فريق في السلطة
الفلسطينية وهذا أصبح قويا بعد وفاة عرفات مستعد للتعاون مع الإدارة الجديدة ( دحلان، أبوشباك ، موسى عرفات ) والوقوف
في وجه من يعارض ذلك خاصة حماس ، وهي كذلك تتطلع إلى نزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها
التحتية وان تثبت السلطة نفسها بعد الانسحاب من غزة ، وذلك حسب ما ورد في خطة رايس المقدمة إلى بوش وتقرير معهد واشنطن للدراسات الاستراتيجية وتقارير أخرى .
غير أن اندفاع
الإدارة الأمريكية اتجاه المنطقة والرغبة الجامحة في تغيير الأنظمة السالفة الذكر
عسكريا ، أعاقه وبشكل كبير وجعل الولايات المتحدة تفكر المرة تلو الأخرى في الورطة
التي وقعت بها في العراق ، فقد حذر مسئولون أمريكيون
بارزون في وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات الأمريكية أركان إدارة بوش من
الأخطاء الكبيرة الناتجة عن انزلاق الولايات المتحدة إلى الفخ اللبناني والدخول في
مواجهة مباشرة متعددة الجوانب مع سوريا في الوقت الذي يعمل فيه المتشددين داخل
الإدارة الأمريكية على تحريض الرئيس الأمريكي بوش على توجيه ضربات عسكرية محددة ضد
منشآت ومواقع في سوريا لزعزعة الأمن والاستقرار في هذا البلد ، ويدعون إلى تفكيك
التحالف بين دمشق وطهران .(8)
وقد تواردت أنباء شبه
مؤكدة صادرة عن مراكز تقع في دائرة القرار في الولايات المتحدة عن فشل المشروع
الأمريكي في العراق بشكل كامل ، فقد صدر عن مركز الدراسات الاستراتيجية
والسياسة الدولية وهو أهم مركز دراسات في الولايات المتحدة تقريرا وخلاصته(failure, failure, failure (أي فشل في جميع
المجالات في الاستخبارات في العمليات في .... وان عام 2005م هو عام الرحيل . (9)
وعلى ذلك فأن المشروع
الأمريكي بشأن الشرق الأوسط الكبير يقوم على كسر هذا الهلال المتماسك والذي يعارض
الهيمنة الأمريكية الصهيونية والواقع في قلب الشرق الأوسط الكبير، غير أن الحظ لم
يحالف الولايات المتحدة ، وذلك لأن الولايات المتحدة :
- متورطة في العراق أولاً ...
- إصرار إيران على
امتلاك السلاح النووي ثانيا...
- ورفض حزب الله نزع
أسلحته ثالثا ...
- ومحافظة حركة حماس
على قوتها وسلاحها رغم أجواء التهدئة والتي قد تنفجر في أي لحظة وهذا رابعا .
وكل ما تستطيع
الولايات المتحدة فعله في الفترة القادمة هو كالتالي :
- بالنسبة لإيران : تحويل
ملفها النووي إلى مجلس الأمن وبالتالي العقوبات ، وفي أسوأ الأحوال الإيعاز
لإسرائيل بتوجيه ضربات انتقائية ضد المواقع النووية الإيرانية رغم ما فيه من مخاطر
كبيرة فالولايات المتحدة تخشى فعل ذلك لأن شيعة العراق سينقلبوا
ضدها في العراق وتصبح أمام السنة والشيعة .
- بالنسبة لسوريا : يتم
طرد قواتها من لبنان وإغلاق مكاتب حماس والجهاد الإسلامي في دمشق ، وهذا يتوقف على
تماسك النظام السوري أمام الضغوطات الأمريكية والعالمية .
- بالنسبة لحماس : فإن
الإدارة الأمريكية في الفترة القادمة قادرة فقط على ممارسة ضغوط على مصر لمنع
تهريب السلاح إلى قطاع غزة والذي يذهب جزء منه إلى حماس، كذلك محاولة تتبع مصادر
الأموال التي تصل لحماس ، وهي غير قادرة على تتبع كل دولار يأتي لحماس ، في إطار
ممارستها ضغوط على السلطة لنزع سلاح حماس ، فإن السلطة وقبل الهروب الإسرائيلي من
غزة فهي غير قادرة على تحدي حركة حماس ومحاولة نزع أسلحتها رغم انه وفي السلطة
هناك من هو مستعد لهذا الدور وعلى رأسهم محمد دحلان
وموسى عرفات .
وعلى ذلك فإن إضعاف
أو كسر أي طرف من أطراف الهلال الواقع في قلب الشرق الأوسط الكبير سيؤثر سلبا على
بقية الأطراف الأخرى ، فهي تعتمد على بعضها البعض في مقاومة الهيمنة الأمريكية
الصهيونية وبالتالي تعرقل سياسة التفرد والعزل الأمريكي وتوجيه الجهود نحو طرف
معين ، فتقويض إيران يؤثر سلبا على حزب الله وسوريا ، ونزع سلاح حزب الله يكشف
سوريا ويفقد إيران احد حلفائها الأقوياء .
أما تغييب حماس عن
الساحة والسماح للسلطة الفلسطينية والتي هي مرتبطة بالمشروع الأمريكي بالإستقواء سواء بتهدئة طويلة وتحييدها عن الساحة أو نزع
سلاحها يكثف الضغوط على الأطراف الأخرى ويكشفها على اعتبار أنها تسقط بالتوالي مثل
أحجار الدومينو.
وكل ذلك مرتبط
بالقضية الفلسطينية سواء بالسلب أو الإيجاب ، وان
الاستمرار في تنفيذ المشروع الأمريكي منوط بهذه الأطراف جميعا ، مع العلم وحسب ما
يتسرب من خطط أمريكية حول القضية الفلسطينية فإن طموح الإدارة الأمريكية وأكثر ما
تستطيع تقديمه للفلسطينيين هو:
1- إقامة دولة
فلسطينية مؤقتة على غزة وجزء من الضفة الغربية مع عدم تحديد أزقته.
2- تقديم الدعم
المالي الضخم من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أو عن طريق الدول الغربية
والعربية .
3- مساندة ودعم معنوي
دولي يتم فيه الاعتراف بالسلطة والدولة الوليدة واستقبال مسئوليها في عواصم الغرب
استقبالا يليق بهم .
من خلال الدراسة
السابقة فأننا يمكننا أن نخرج باستنتاجات محدده :
1- إن هدف الإدارة
الأمريكية في الفترة المقبلة هو السعي لإقامة دولة فلسطينية مؤقتة وبدون تحديد
موعد محدد كذلك ، دولة بحدود قطاع غزة وأجزاء من الضفة
الغربية والوقعة داخل الحدود.
2- وقبل ذلك إنهاء
انتفاضة الأقصى المسلحة وعودة الوضع إلى ما قبل أيلول 2000م .
3- بعد الانتهاء من
خطة شارون للفصل والتي تبنتها الإدارة الأمريكية وتمكن السلطة من استعادة هيبتها
يتم التوجه لنزع سلاح الفصائل الإسلامية المسلحة وعلى رأسها حركة حماس .
4- تبني سياسة
الإدارة الأمريكية السابقة بشأن القضايا الجوهرية ( اللاجئين ،
المستوطنات ، القدس ، الحدود ) حيث يتم وضع هذه القضايا في الثلاجة لحين تغير
الأوضاع.
5- ممكن للإدارة
الأمريكية أن تضغط على شارون لإزالة بعض المستوطنات والتي تسميها غير شرعية ، وذلك لذر الرماد في العيون وإقناع العالم بأن شارون
قدم أقصى ما يمكن من اجل تحقيق السلام.
6- تعامل الإدارة
الأمريكية مع الصراع القائم في فلسطين المحتلة على أساس أن هذه المنطقة حيوية ، وهي جزء من شرق أوسط كبير ويجب فرض الهيمنة الكاملة
عليه وإخضاع الدول والحركات التي تعارض هذه التوجهات بكافة السبل ومن ضمنها القوة.
7- إن الإدارة الأمريكية مقتنعة أن إنهاء الانتفاضة وتقوية السلطة
الفلسطينية ونزع سلاح حركة حماس يخدم أهداف أخرى من ضمنها إضعاف أطراف أخرى في
المنطقة لا تتوافق مع التطلعات الأمريكية الصهيونية، وذلك من خلال الاستفراد بها وتوجيه الجهود نحوها.
8- هزيمة المشروع
الأمريكي في العراق ( إن شاء الله ) هو نصر استراتيجي للإطراف المعارضة للهيمنة
الأمريكية ومن ضمنها حركة حماس .
9- إن إضعاف أي طرف
وخضوعه للطلبات الأمريكية الصهيونية ( إيران، سوريا، حزب الله ) يؤثر سلبا على
المقاومة في فلسطين وخاصة حركة حماس .
*باحث سياسي
------------------------------
قائمة المراجع
(1) سليمان ميخائيل ،
فلسطين والسياسة الأمريكية من ويلسون إلى كلينتون ، مركز دراسات الوحدة العربية ،
لبنان ن بيروت ، ط1 1996 .
(2) جريدة السفير،
وقفة مع الصديق الامريكي عن زيارات الربيع إلى واشنطن ،
محمد حسنين هيكل ، 31/3/2001
(3) جريدة الوطن ، 2 فبراير 2005 ، مذكرة سرية إلى الرئيس بوش عشية
انعقاد قمة شرم الشيخ .
(4) قناة الجزيرة ، برنامج من واشنطن ، تاريخ الحلقة: 24/2/2005.
(5) http://www.alarab-alyawm.net/atext/translations
(6) مجلة الأسبوع ، العدد 410 ، 31 يناير 2005م .
(7) موقـع عـرب48 الالكـتروني ، ترجمـه من الفرنسـية وأعـده : سـارة عبـد
الحميـد، 20/3/2005.
(8) جريدة الوطن ، لعدد 1606 السنة الخامسة ، 21 فبراير2005م .
(9) قناة الجزيرة ،
برنامج بلا حدود ، مستقبل لبنان السياسي بعد اغتيال الحريري في حوار انيس النقاش ، 23/2/2005م .