العراق ما بين سُوءِ الاحتلال وأذنابه .. وسَوْأةِ الحزب الإسلامي العراقي

 

 

 

بقلم : الدكتور محمد بسام يوسف

 

في المشهد العراقي، لا يحتاج المرء إلى مزيدٍ من الحصافة، ليحكم على أنّ البلاد محتلَّة تخضع لأضخم مؤامرةٍ وأقذر عملية محوٍ منظمةٍ شرسةٍ لمعالم الإسلام والعروبة، عبر سلسلةٍ من الإجراءات التآمرية، تنفيذاً لمخططٍ صهيونيٍ غربيٍ صليبيٍ خبيث، لإحياء أمجاد السيطرة والتسلّط الغربيّ الصليبيّ على أوطان العرب والمسلمين، التي انتهت خلال النصف الأول وأوائل النصف الثاني من القرن الماضي.

كل عراقيٍ شريفٍ يملك بعضاً من الحس الوطني أو الإسلامي، يمكنه أن يعيَ بأن أميركة لم تأتِ إلى العراق بِقَضِّها وقَضيضها لسواد عيون العراقيين، ولا لتحقيقِ أي هدفٍ سوى الأهداف المرتبطة بمصالح الصهاينة وأصحاب الحملة الصليبية السافرة على العالم الإسلامي، وقد احتلّت أميركة العراق ساعيةً إلى أهدافها الخبيثة عبر سلسلةٍ من الخطوات : بدأت بمجلس بريمر، ثم بحكومة علاوي سيئة الصيت، ثم بمهزلة الانتخابات وتنصيب حكومةٍ غارقةٍ في العمالة والخيانة، ليس لأميركة وحدها، بل لبلاد فارس المجوسية.. هي حكومة الجعفري العميلة.. ثم أخيراً بصياغة ما يسمى بدستور العراق الجديد، الذي يكرّس الاحتلال، ويبذر بذور العنصرية والتجزئة والنعرات الطائفية والحرب الأهلية !..

الاحتلال هو الاحتلال، لا يمكن أن يكون غير ذلك، والمحتل هو المحتل والعدو، الذي لا يمكن أن يعمل إلا وفق أجندته في التسلّط والسيطرة والنهب والإذلال والتخريب والتجزئة والتآمر وغير ذلك.. وقد سعت أميركة وما تزال، إلى توطيد دعائم احتلالها، عبر سلسلة الإجراءات المذكورة آنفاً، ولما فوجئ الأميركيون بالمقاومة العراقية القوية، فقدوا صوابهم، فسرّعوا خطواتهم، ليصلوا إلى مرحلة شرعنةٍ نهائيةٍ لكل أمرٍ شاذٍ صنعه المحتل للعراق وللعراقيين، بَدءاً بالسيطرة والإخضاع العسكريّ.. وانتهاءً بطمسٍ شاملٍ لهوية العراق العربية الإسلامية، ومحوٍ كاملٍ لعقيدته المسلمة، ولانتمائه العربي الإسلامي الأصيل.. والخطوة الأخيرة تجسّدت في ما يسمى بدستور العراق الجديد، الذي يحقق كل الأهداف الصهيونية والصليبية والفارسية دفعةً واحدة !..

المسلم الشريف الذي يقع وطنه تحت وطأة الاحتلال، لا يجد أمامه سوى طريقٍ واحدٍ لدفع الباطل، هو طريق الجهاد حتى طرد المحتل صاغراً ذليلاً من أرضه وبلاده، وهذا الأمر ليس خاضعاً لفلسفاتٍ سياسيةٍ أو حذلقاتٍ مبهَمة، فالأمر هنا شديد الوضوح : من احتُلَّت أرضه يجاهد ويقاوم، إلى درجة أن المرأة تخرج بغير إذن زوجها أو وليّها، لأن المقاومة والجهاد عندئذٍ مطلوبان من كل فردٍ فرضَ عينٍ على كل مسلمٍ حتى تحرير الأرض والعِرض !..

لقد حاول العدوّ الأميركي وأذنابه المتواطؤون، أن يُقنِعوا الناس بأنهم فعلاً لم يأتوا إلا لتحقيق مصلحة العراق ومصالح العراقيين بالديمقراطية وحقوق الإنسان والرخاء والأمن والبناء.. مع أنّ كل الذي يجري على الأرض هو عكس ذلك تماماً، يكذّب هذه الدعاوى الزائفة تكذيباً صارخاً، وذلك في كل لحظةٍ تمر من لحظات الاحتلال، إلى أن أصبح رجل الشارع العادي العراقي يميّز ما لم يستطع أدعياء السياسة والفهم أن يميّزوه، فحكم المواطن الشريف على الدستور المزعوم حكمه القاطع الواضح، بأنه دستور المحتل الذي لا يحقق إلا مآربه الخسيسة، وأهدافه القذرة !..

لقد دخل الحزب الإسلامي مع المحتل وأذنابه في لعبةٍ قذرة، منذ الخطوة الأولى في سلسلة خطوات توطيد الاحتلال وطمس الهوية العراقية الأصيلة، فدخل الحزبُ مجلس بريمر، ثم حكومة علاوي، التي مارس خلالها ممارساتٍ لا تنسجم مع توجّهاته أو عقيدته أو أيديولوجيته الإسلامية المعلَنة، ولا مع أهداف الإسلام العظيم الذي يزعم تبنّيه، وقد شاهدنا ذلك ولمسناه بوضوحٍ مندهشين، في الفلوجة أثناء اجتياحها أكثر من مرة، وفي سامراء أثناء العدوان عليها أكثر من مرة، وفي غيرها من الوقائع والحادثات.. إلى أن أسفرت اللعبة عن وجهٍ بالغ السوء لهذا الحزب، الذي خرج مؤخراً عن الإجماع الوطني الشريف، وشذّ عن توجهات الشرفاء، وانحاز إلى العدو المحتل وأذنابه من الحكومة الفارسية وتشكيلاتها ومؤسساتها، التي تُهلِك الحرث والنسل في العراق، وتَسحق الزرع والضرع على رؤوس الأشهاد.. فقام الحزب المذكور بالانحياز إلى الباطل والظلم والعدوان، ضد الحق والعدل والإنصاف، فأعلن عن تأييده لما يسمى بدستور العراق، ودعا الشعب العراقي لتأييده !..

لا نعلم كيف يسير الحزب الإسلامي من غير أي ضماناتٍ على مبدأ : ادفع الثمن الآن واحصل على البضاعة بعد أربعة أشهر ؟!.. ومن المثير للسخرية بأنّ الجهة المفترَضة التي ستسلّم البضاعة بعد أربعة أشهر، ليست هي نفس الجهة التي قبضت الثمن حالياً !.. فأي حصافةٍ سياسيةٍ هذه ؟!.. وهل هي عملية غَفْلةٍ أم استغفال.. أم أبشع من ذلك ؟!..

لن نطيل في مناقشة البدهيات التي أتينا على بعضها أعلاه، لكننا نسأل قيادة هذا الحزب الذي يسمي نفسه بالحزب الإسلامي، ويتبنى الإسلام منهجاً ودستوراً، ويزعم العمل على تحقيق ذلك.. نسأله : هل الدستور الاحتلالي الذي انحزتم إليه هو الدستور الإسلامي الذي تزعمون السعي إلى تحقيقه للأمة ؟!.. انطلاقاً من الثوابت الشرعية الإسلامية التي شرّعها الله عز وجل ورسم طريقها في قوله الكريم :

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: من الآية44)

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية45)

(.. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية47)

العراق محتَلّ، وما يقوم به الاحتلال باطل، لأنه لا يسعى إلا لتكريس احتلاله وتوطيده، وكل ما يُبنى على باطلٍ هو باطل مثله، فالاحتلال باطل، ومجلس بريمر باطل، وحكومة علاوي باطل، والانتخابات المزعومة باطل، وحكومة الجعفري وقراصنتها وتشكيلاتها ومؤسساتها وجمعيتها الوطنية باطل، والدستور المزعوم باطل.. وانحياز الحزب الإسلامي لكل ما سبق.. باطل واضح مكشوف، ينبغي دحضه وسحقه والدوس عليه، بالجهاد والمقاومة والثبات على الثوابت والمبادئ.. حتى التحرير الكامل !..

لقد شارك الحزب الإسلامي في معظم الخطوات الاحتلالية للعدو الأميركي، وتعامل مع الاحتلال مُبرِّراً مسيرته الشاذة، بأنه لا يفعل كل ذلك إلا لتحقيق مصالح أهل السنة العراقيين.. فماذا سيقول الآن وقد وقف منفرداً على النقيض تماماً من موقف أهل السنة كلهم، ليس في العراق وحده، بل في كل العالَمين العربي  والإسلامي ؟!.. هل كل أهل السنة في العراق وقواهم الوطنية وحركاتهم وأحزابهم السياسية والمجاهِدة، على رأسهم هيئة علماء المسلمين.. هل كل هؤلاء لا يملكون الوعي الكافي لفهم ألاعيب المحتل وأعوانه وأذنابه، ولا يَعُون مصالحهم ولا يستوعبون طريقة انتزاعها.. إلا قيادة الحزب الإسلاميّ، الذي غرق سابقاً بلعبته السياسية غير الحكيمة، وها هو ذا يحكم على نفسه أخيراً بالشركِ بالله عز وجل، لتأييده دستوراً وضعياً صاغه المحتل، وصاغته الأيدي الفارسية المدسوسة التي تناصب العراق والعرب والمسلمين العداء ؟!..

ليس أمام الحزب الإسلامي إلا أن يتراجع عن خطوته الغادرة الشاذة عن الإجماع الوطني لشرفاء العراق.. أو أن يكرّس اصطفافه إلى جانب المحتل الصليبي الصهيوني الفارسي، الذي لن ينال من ورائه إلا سخط الله عز وجل، وغضب الشرفاء، ثم تخلي العدو الذي اصطف إلى جانبه عنه، ورَكْله إلى حيث يُركَلُ العملاء والمغفَّلون بعد استثمار أدوارهم المرسومة.. أما المحتل ودستوره وأذنابه وتشكيلاته وديكوراته.. فكلها إلى زوالٍ بإذن الله، فهذه سنة الله عز وجل في أرضه، وما يبقى في ذاكرة التاريخ والناس والأمة، هي المواقف، فإما أن تكون مواقف الرجال، المتألّقين رجولةً وشهامةً وشموخاً وثباتاً.. أو أن تكون مواقف العابثين الغافلين الجُناة على وطنهم وشعبهم وأمّتهم، والتاريخ لن يرحمَ المفرّطين بثوابت الدين والوطن والأمة.. لن يرحمهم أبداً من حُكمه وقصاصه !..