أبو مازن ووصفة الخراب
بقلم :فرج شلهوب
الرئيس الفلسطيني أبو
مازن، ليس له مزية سياسية يمكن ان يتكئ عليها للذهاب
بعيداً، سواء في البرنامج السياسي او الأمني على حد
سواء، فموقفه السياسي موضع تشكيك حتى لو اعاد الضفة،
بعكس سلفه الذي كان يتكئ على رمزية سياسية متضخمة، تسمح له عند البعض بالتفريط
بالضفة دون ان يخسر الكثير من رصيده الشعبي.
وابو مازن قبل هذا، بلا تاريخ نضالي فاقع، ولا
حضور تنظيمي طاغ، وزعامته جاءت في الوقت المستقطع، بعد سنوات عجاف من الصراع
الدامي انهارت فيها السلطة وتفككت بناها، وبعد ان بلغ
من العمر عتياً، فهو ان اكمل هذه الدورة الرئاسية على سلام، فمن المشكوك ان يكون امامه فرصة، لجهة العمر
والصحة، لاكمال دورة رئاسية ثانية.
وابو مازن بالاضافة
لكل ما سبق، ليس خطيباً مفوهاً، وقدرته على التنظير اقل مما يتوقع كثيرون، واذا كان لابي مازن من مزية، فيمكن
بحسب الصورة التي عكسها في عامه الأخير، انه مقارنة مع من حوله من الزعامات الشابة
والشائبة، الأقل دموية والاكثر ليبرالية، مع قدر من الوضوح،
ربما كان مفقوداً عند سلفه وشحيحاً عند الكثيرين ممن حوله، ولعل جملة هذه الصفات،
هي التي منعت فشله طيلة الشهور الماضية، وربما اوصلته
لبعض النجاحات خصوصاً في علاقاته مع القوى الفلسطينية، في ظل مرحلة صعبة، جمعت شدة
عدوان الاحتلال وغياب القائد الرمز(!!) الذي كان في يوم
ما كل شيء في السلطة ومنظمة التحرير وفتح.
لقد نجح ابو مازن، في انتزاع تهدئة طويلة الأمد، تكاد تكون بدون
مقابل، واجل تفجر العديد من الملفات، لأنه مارس الحوار والاصغاء
للآخر الفلسطيني وعبر عن قدر من الوضوح، جعل محاوريه لا يتشككون في ما يقول.
حدث هذا في الشهور
الستة الأولى من رئاسته، ثم بعد ذلك بدأت الصورة تهتز
رويداً رويداً، ليس لجهة ليبراليته وعدم دمويته، بل لجهة انه غير قادر على الافلات من تأثيرات الضغوط الخارجية التي تمارسها بدرجة اساسية الحكومة الاسرائيلية والادارة الامريكية، والضغوط الداخلية
التي تمارسها اطراف في فتح، استفادت من الوضع السابق،
وتود تخليده للأبد، مع ادراكها ان
شرط استمرار شهر السمن والعسل، نيل الرضا الامريكي والاسرائيلي.
على خلفية هذه
الضغوط، تشوشت بوصلة ابي
مازن، فتأجلت الانتخابات التشريعية، وثمة دفع لتأجيلها او
تزويرها، واصلاح منظمة التحرير انتهى الى لا شيء، فيما الاتفاقات الداخلية مع الفصائل في الكثير من
القضايا، لم تعد سوى حبر على ورق، وبدأت التدخلات والضغوط الداخلية والخارجية تطفو
ويرتفع صوتها، بحيث لم يعد سراً ما تفكر به، من ضرورة حسم الموقف مع المقاومة، ومن
موقع نزع سلاحها وتفكيك بنيتها بصورة شاملة، مثلما هي ضرورة تحييد اي حضور لمن يمثلونها من لعب أي دور سياسي مستقبلي.
لقد ظهر ابو مازن، في هذه المعمعة، فاقداً للتأثير وغير قادر على
الحسم والى حد ما شحت مبادراته باتجاه القوى الفلسطينية وعادت الامور
لتتموضع في دائرة التنافس والصراع والتشكك والتربص، وهي
حالة قاتلة اذا استمرت. واذا
كان عام ابو مازن الاول، لم
تمطر السماء فيه ذهباً، ولا انبتت الارض فيه زرعاً ولا
نخلاً، فإن من المهم ان يدرك من حوله، ان تأزيم الموقف فلسطينياً لن يجني
منه احد العنب، بما في ذلك الاحتلال الذي يدفع بالامور الى دائرة الصراع والقتال، تماماً مثلما ان
عليهم ان يدركوا، انه اذا الاعمار يحتاج لألف رجل فإن الخراب قد لا يحتاج الا لرجل واحد، واستعداء الحالة الفلسطينية النظيفة، والتي هي
ليست بلا اسنان، وعلى خلفية مشبوهة متعاونة مع
الاحتلال، لن تدفع بالامور الا
للخراب.
لقد نجح ابو مازن، في بعض امره، وتحديداً
في علاقاته مع القوى، ليس لانه باعهم الوهم بالتحرير
الشامل ودحر العدو، فهذه ليست من مفرداته ولا ضمن خطابه، ولكن لأنه حاول ان يكون واضحاً مع هذه القوى، ولأنه اعلن
التزامه بأن سلاح السلطة لن يكون موجهاً لأي طرف فلسطيني، وقبل ذلك انه معني
بمحاربة الفساد واصلاح البيت الفلسطيني.
وفي الوقت الذي تسحب
كل هذه الاسلحة من يد ابي
مازن، في علاقاته مع القوى الفلسطينية، فإن المراهنة على التجاوب مع اجندة الاحتلال عبر الصدام مع المقاومة، والانقلاب على المسار
الانتخابي، لن تكون الا وصفة للانتحار السياسي لابي مازن، وتخريب وهدم للبيت الفلسطيني على رؤوس الجميع.