إحتلال
عقول النخب
بقلم :د. ثائر دوري
نبدأ بحادثة
طريفة حدثت أثناء الاستعمار الفرنسي
لسوريا و تحفظها ذاكرة بعض الدمشقيين حتى اليوم، فحوى الحادثة أن أحد الوطنيين
المناهضين للاستعمار تجادل مع ضابط سنغالي في الجيش الفرنسي حول الاستعمار،و الوطنية، و حق الشعب العربي
السوري بالاستقلال و الحرية، و عندما وصل النقاش إلى ذروته فإذ
بالسنغالي،المرتزق،يلقي بورقته الرابحة على حد زعمه فيصرخ بوجه الوطني، العربي
السوري:
- Noi veneur pour civilizer toi
و هذا ما يمكن ترجمته
للعربية،إذا أردنا أن ننقل روح العبارة :
- جيتوا أحضركي أنتي.
أي أن السنغالي على
حد زعمه جاء ليحضر العربي السوري،لكنه
قالها بجهل مريع بقواعد اللغة الفرنسية!!و من
يعرف قواعد اللغة الفرنسية سيدرك المفارقة على الفور.
منذ أن بدأت الظاهرة الكولونيالية، مع صعود الغرب إلى مسرح السياسة الدولية قبل
خمسمائة عام و قيامه باجتياح دموي للعالم، ظهرت كتابات كثيرة تناولت بالنقد و
التحليل الخطاب الكولونيالي،فأشبعته تفكيكاً و تركيباً
وتشريحاً حتى صارت كل تفاصيله معروفة، فجميع البشر يعلمون اليوم أن الغرب أثناء
اجتياحه الدموي لأمريكا وآسيا وأفريقيا تسلح بخطاب تحضير العالم، فالعالم، خارج
أوربا في البداية، ثم خارج أوربا وأمريكا،
حسب هذا الفكر، هو عالم بدائي، غير متحضر، متوحش، و ثني....الخ،
و قد اختار الله الشعوب الغربية لنشر الحضارة بين هذه الشعوب وتمدينها وتخليصها من
وثنيتها، واليوم نعيش في ظل الطبعة الجديدة من خطاب تحضير العالم على الطريقة
الأمريكية: وهو نشر الديمقراطية. فأنظمة الحكم خارج الغرب، حسب ادعاء أصحاب هذا
الخطاب، هي أنظمة توليتارية، شمولية، دكتاتورية....الخ،
وعلى الولايات المتحدة نشر الديمقراطية الغربية و اقتصاد السوق، وهما يقدمان كتوأم
سيامي لا يمكن فصله، فالديمقراطية متلازمة مع اقتصاد السوق حسب هذه الإيديولوجية،
وما على الشعوب كي تتخلص من بربريتها وتخلفها الاقتصادي والسياسي والحضاري إلا أن
تعتنق الديمقراطية الغربية واقتصاد السوق. إن هذا الخطاب تم تشريحه مرارا وتكرارا
من قبل كثير من المفكرين، كما قلنا، لكن الطرف الآخر من المعادلة وهو الإنسان غير
الغربي، الإنسان المستعمر (بفتح الميم )، الذي يراد تحضيره وإدخاله في ملكوت السوق
والديمقراطية الغربية لم يتم الانتباه له، فقليلة هي الأعمال التي اهتمت بخطاب
المستعمر ( بفتح الميم )، و نظرته إلى الكون وإلى نفسه، وآليات التبعية، والدونية
الفكرية التي تنمو في أحشاء مثقفيه بشكل خاص، ولعل المفكر المارتينيكي
- الجزائري فرانز فانون هو أهم من كرس كتاباته لنقد
وتشريح صورة المستعمر ( بفتح الميم ) عن العالم وعن نفسه، و يبقى كتابه "بشرة
سوداء – أقنعة بيضاء" الذي يحلل به نظرة الأسود المستعمر( بفتح الميم ) إلى العالم وإلى ذاته، وعلاقته بالمتروبول الاستعماري، وعلاقته بلغة السيد الأبيض مرجعا
أساسيا في فهم سيكولوجية الإنسان المستعمر ( بفتح الميم ) بغض النظر عن لونه وعرقه.
عندما يقول الغربي
إنه خرج من قارته لتحضير العالم فهو يتوقع من البربري الوثني، المتخلف،
الدكتاتوري، أن يخجل من بربريته، ويعلن استعداده لدخول جنة الحضارة الغربية،
فتسارع هذه الشعوب "البربرية" إلى تبني نموذج الحضارة الغربي من تلقاء
ذاتها حتى تخرج من وضعها الدوني، ومن هذه
النقطة يمكننا فهم لم توقع الأمريكان أن تخرج حشود الشعب العراقي لاستقبالهم أثناء
الغزو!! وإذا كان هذا الأمر لم يحدث في العراق فإنه قد حدث عبر التاريخ مراراً،
فكثير من الشعوب تبنت الصورة التي رسمها الغرب لها، فتركت نفسها مادة لعبثه
ليشكلها كما شاء. يقول فانون:
"تنشأ داخل
الشعوب المستعمرة عقد دونية تجاه المستعمر فيحاول أفرادها اعتناق قيم المتروبول الثقافية".
وبالنسبة للأسود، كما يحلل فانون، سيكون أبيض بقدر ما
يرفض سواده " دغله". ويوجه فانون أنظارنا بشكل
خاص إلى هؤلاء الذين يقفون في المنتصف. يقول:
"...........و
في ألوية القناصة السنغاليين كان الضباط المحليون مترجمين،في المقام الأول. فهم يقومون بنقل أوامر السيد إلى أبناء جلدتهم، ويتمتعون هم أيضاً
ببعض التكريم".
فعند هذه الفئة تكون
عقدة الدونية في أشد حالاتها، لأنهم يقفون
في المنتصف، بين سواد الشعب المستعمر (بفتح الميم) والمستعمر (بكسر الميم)، فهم يتمتعون ببعض
مزايا الحالة الكولونيالية لأنهم وسيط المستعمر(بكسر
الميم)، فهم الذين ينقلون أوامره إلى
أبناء جلدتهم، وبالتالي يحظون بفرصة أن يعاملوا أبناء بلدهم كما يعاملهم أسيادهم،
كما أن هذا الوضع القلق يجعلهم أكثر اضطرابا فلا هم من سواد الشعب المستعمر (بفتح
الميم)، ولا هم من المستعمرين (بكسر الميم)، لذلك يحاولون بكل الطرق تبني قيم
أسيادهم لكنهم يفشلون لأن السيد يرفض أن يضمهم إلى معسكره، وهم يخشون العودة إلى
حياتهم الماضية حين كانوا من سواد الشعب. بل إن هذه
الفكرة تصيبهم بالرعب لذلك يصبون أحقادهم على أبناء أمتهم وكأنهم ينتقمون من
حياتهم الماضية حين كانوا جزءاً من هذا السواد، ولتعميق رفضهم للعودة إلى الوضع
السابق حين كانوا من سواد الشعب المستعمر (بفتح الميم).
ويلاحظ فانون أن
محاولة التماهي مع قيم المتروبول
أوضح ما تكون في موضوع اللغة فيصف سلوك المارتينك حين
يصلون إلى باريس و محاولاتهم للتحدث باللغة الفرنسية بفصاحة مبالغ بها كي يتماهوا مع أسيادهم. يقول:
"حين وصل مارتينيكي إلى الهافر، دخل إلى
مقهى. وصاح بثقة تامة:
Garrracon! ve de bie-
وهكذا نشهد تسمما
حقيقاً. فهو مهووس بعدم التماهي مع صورة الزنجي الذي
يأكل حروف الراء. فتزود منها بالزاد الوفير. لكنه لم
يعرف كيف سيوزع مجهوده".
ومن البداهة أن يتبنى هؤلاء أفكار سيدهم و نظرته للعالم و
للشعوب الأخرى. وهذا ما عبر عنه الضابط السنغالي خير
تعبير حينما تبنى خطاب سيده الفرنسي عن مهمة تحضير العالم، وحين تبنى لغته بهذا
الشكل المضحك.
لكن هل انتهت ظاهرة
الضابط السنغالي هذا؟
- أبدا.
إن المعادل الموضوعي
في عالم اليوم لهذا الضابط السنغالي، هم مثقفو العالم الثالث لا سيما إن كانوا من أولئك المحظوظين، الذين أتيحت لهم فرصة
الدراسة في جامعات الغرب، فنراهم يعودون إلى وطنهم محملين بالحقد على ثقافتهم
الوطنية وعلى كل شيء يخص بلدهم.
يصف فانون سلوكيات
الأسود لدى ذهابه إلى المتروبول و لدى عودته، وأنا
أعتقد أن هذا الوصف ينطبق على أغلب مثقفي العالم الثالث، الذين قاموا بهجرة حقيقية
أو افتراضية عبر الدراسة في جامعات غربية، أو مناهج غربية المحتوى و القالب،
فتشبعوا بها إلى حد تبني القيم الثقافية الغربية. يقول:
"....الذي يدخل
فرنسا يتغير،لأن المتروبول يمثل بنظره المستقر والملاذ،
إنه يتغير ليس فقط لأن من هذه الأرض جاءه مونتسيكو،
روسو، وفولتير، بل لأن من هناك جاءه الأطباء ورؤساء الخدمة، وأيضا صغار المتسلطين
الذين لا يحصون........فذلك الذي يسافر لمدة أسبوع في اتجاه المتروبول
يخلق حوله دائرة سحرية حيث تمثل الكلمات، مارسيليا، لا سوربون، بيغال، مفاتيح العقد....".
وعندما يعود إلى وطنه:
"...لنمض للقاء واحد ممن عادوا."العائد" يؤكد نفسه منذ
اتصاله الأول، فهو لا يرد إلا بالفرنسية وغالباً لا يعود يفهم لغة الكريول "لغة شعبية في المارتينيك".
حول هذا الموضوع، يقدم لنا الفولكلور أمثلة.بعد عدة أشهر
في فرنسا عاد فلاح إلى أهله. وعندما رأى آلة حراثية، سأل أباه، وهو مزارع عتيق لا يفوته شيء:"كيف
تسمي هذه الأداة؟"،وكان رد أبيه الوحيد أن رماها، وعندها زال فقدان الذاكرة. إنه
علاج فريد من نوعه."
ويحدثنا فانون عن عائد آخر يتحدث عن الأوبرا، التي
ربما لم يرها إلا من بعيد، ويعتمد بشكل خاص موقفاً ناقدا من مواطنيه فلدى حدوث أي
حدث، يتصرف تصرفاً مغايراً، فهو الذي يعرف. إنه يكشف عن نفسه بلغته. ويحدثنا عن
ذلك العائد الذي يتذمر من الطقس الحار في وطنه...
إن التفسير الوحيد
لهذا التبدل ولهذه المواقف هو الدونية التي يشعر بها
أبناء المستعمرات الذين احتكوا بالغرب، و أشد ما تتوضح
هذه الدونية اليوم عند فئات المثقفين، لأنهم يستطيعون التعبير عن أنفسهم سياسياً
وثقافياً فيجسدون موقفهم الدوني من الغرب بأفعال وأقوال تتمكن الناس من التقاطها
بسهولة، وأما بقية الشعب التابع، أو المستعمر فهي تعاني من الشعور بالدونية بشكل
أو بآخر تجاه لغة المستعمر وعاداته
وتقاليده، خاصة عندما تكون خانعة لم تفرز مقاومة فعالة بعد، فهي تقدس كل ما يأتيها
من الغرب، فالطبيب الذي يضع على لافتة عيادته أنه متخرج من فرنسا أو أمريكا سيضمن
تدفق المرضى على عيادته بغض النظر عن نوعية الخدمة الطبية التي يقدمها، والطبيب
الذي يقول إنه يعالج بالطريقة الأمريكية و يطعم كلامه بعبارات إنكليزية غامضة
سيضمن تعامل المرضى معه وكأنه إله!! وتقبل الجماهير على استهلاك المنتجات الغربية
مهما كانت رديئة و تفضلها على المنتج الوطني، الذي قد يكون أفضل منها، وشهيرة هي
قصص التلاعب التي يقوم بها بعض التجار فيكتبون على
منتجاتهم الوطنية أنها صنعت في الغرب فيقبل المستهلكون على شرائها بعد إحجام!!
كما أن المثقفين هم
الأكثر معرفة بعادات الغرب وثقافته نتيجة احتكاكهم بها
لذلك تتولد هذه العقد بشكل أكبر لديهم. وتكون هذه العقد عندهم أشد خطورة من عقد
الشعب البسيط لأنهم في نهاية الأمر هم من يقررمصير
مجتمعهم، فتخيل أي مصير سيكون لمجتمع تحكمه نخب تحتقر ثقافتها وتحتقر مجتمعها
وتتبنى خطاب الغرب تجاه حضارتها، فهي بنظرهم بدائية، بربرية، غير متحضرة!!
وبعد كل ذلك تمتلك
عامة الشعب فرصة التحرر من هذه الدونية،
وهو أمر لاحظه فرانز فانون من خلال تجربة الثورة
الجزائرية، فما إن امتشق الشعب الجزائري السلاح
في وجه مستعمريه وصنع ثورته حتى توازن المواطن الجزائري نفسياً، فلم يعد
موقفه من الحضارة الغربية ينحصر في أحد موقفين، إما الرفض المطلق، أو التبني
الأعمى، بل صار في موقع المتفاعل الإيجابي مع الحضارة الغربية يأخذ منها ما يلائمه ويرفض ما يضره.أما المثقفون فهم على الغالب لا يحظون
بهذه الفرصة، فرصة التحرر من الشعور بالدونية عبر ممارسة العنف تجاه المستعمر، إلا
من اندمج منهم تماما بحركة الجماهير وهذا أمر نادر الحدوث، فأغلبية المثقفين تفضل
البقاء في موقع المتفرج على الثورة، ونادراً ما يحدث أن يحمل أحدهم السلاح وحجتهم
أنهم مفكرون وليسوا بمقاتلين! وبالتالي يفوتون آخر فرصة لاستعادة توازنهم النفسي،
واستعادة ثقتهم بذاتهم القومية وبشخصيتهم الحضارية، فتبقى عقدهم الدونية تجاه الحضارة
الغربية بدون حل، لأن العقد المرضية لا تحل إلا في سياق التجربة!!
وخلال القرن العشرين
شاهدنا شعوب العالم الثالث تعود للوقوع في فخ الكولونيالية
الثقافية والحضارية بعد أن تحررت منها عسكرياً، لقد أعادت نخبها إنتاج التبعية
للغرب عبر محاولة تقليده، و ذلك لأنها كانت تنظر لحضارتها وثقافتها باحتقار وتعتبر
أن الفرصة الوحيدة المتاحة لها كي تتحضر هي أن تلتحق بالغرب ولا يتم ذلك إلا
بإلغاء الذات الوطنية المتخلفة البربرية بنظرهم، وفي بعض الحالات أتيح للدائرة
الجهنمية أن تكتمل فاستلم، أمثال هذا الضابط السنغالي، السلطة بشكل مباشر، وهو أمر
حدث في مناطق كثيرة من العالم إذ التحق أمثال هذا الضابط بثورات بلدانهم في الربع
ساعة الأخير قبل انتصار الثورة وسريعاً استولوا على مقاليد الأمور.
إن عراق اليوم، الذي
تعيد أمريكا عبره إنتاج الكولونيالية، يقدم لنا خبرات
هائلة عن السلوك الدوني لدى بعض النخب وعن احتقارها لذاتها الوطنية والقومية. يكفي
أن تستمع لتصريحات هذه النخب المتعاونة مع الأمريكان لتؤلف كتابا في علم النفس
المرضي عن العقد الدونية المترسخة داخلهم، فهم كالعجينة
بيد المستعمر، يتشكلون كما يريد، يتبنون خطابه بشكل أعمى، وصورتهم عن أنفسهم هي ما
يصفهم به المستعمر، فكل تعابيرهم ومفرداتهم
مصدرها قاموس المحتل. لكن التاريخ لم يسعف هذه النخب التابعة الدونية بفرصة كي
تمارس فيها أمراضها النفسية وعقدها على أبناء شعبها لأن الشعب حمل السلاح وقاوم
محتليه وبالتالي لم يسقط في فخ الدونية كما كان يراد له.