حفل إفطار مع الملك لير

 

 

 

بقلم :هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

 

1 - قراءة في حفلين متناقضين

شهدت المحروسة حفلين مميزين في يوم واحد، وهو الأربعاء التاسع من رمضان (12 أكتوبر)، الأول إفطار سنوي لجماعة "الإخوان المسلمين" و نقلته فضائية الجزيرة العربية، والثاني حفل القوات الجوية بدارها (دار القوات الجوية)، وشرف الحفل العائلة الحاكمة (فخامة رئيس البلاد المختار – وفخامة السيدة الأولي (والأخيرة) للديار – وفخامة ولي عهدهما المحتار) وجاء في معيتهم جماعة منتقاة من رجالات الحكومة التنفيذية يتقدمهم "التكنوقراطي" الظريف السيد أحمد نظيف، ونقلت الحفل الرئاسي (كالعادة) الفضائية المصرية في أمسية رمضانية وطنية غنائية سعدت بها قلوب العباد في كافة أرجاء البلاد سواء أكانوا في غياب كالمعتاد أم كانوا من الحضور والأشهاد. وتميز كل حفل من الحفلين الضدين بأحداث وسمات عكس ما لكل فريق من خصائص وصفات، وقديما قالوا من التضاد تتميز الأشياء:

1 – ضم حفل الأخوان معظم، إن لم يكن كل، أطياف المعارضة الوطنية الحزبية والمستقلة والذين تجمعوا حول طاولات طويلة كبيرة خيم عليها "دفء" ووقار، كما تلاحظ دعوة بعض الأخوة العرب (من ليبيا الشقيقة) علي حفل الإفطار.

2 – صدحت بعض الأغاني الحماسية والدعائية في إشارة لعدم "تزمت" الأخوان في المسالة الموسيقية والأعمال الغنائية. ومن الجدير بالذكر أن أحدي الأغاني كانت تدعو وتشيد "بالوحدة العربية" وفي إشارة أيضا لعدم تعارض "القومية العربية" مع دعوة "الأممية الإسلامية"، أما الأغنية الثانية فهي دعائية حماسية، تدعو المواطنين بالإدلاء بأصواتهم الانتخابية وتفصح عن شعارات الإخوان الإسلامية:  "قال الأخيار كلمتهم .. إن الإسلام هو الحل".

3 – أتسمت كلمة فضيلة مرشد الإخوان بالحدة والنقد الشديد للفساد المستشري بالبلاد، كما أتسمت بالثقة بالنفس وقوة الجماعة وحسن تنظيمها وسلامة دعوتها وعدالة قضيتها. وصدق السيد الدكتور "عزيز صدقي" في كلمته بأنه لا معني لإجماع وطني بدون التيار الإسلامي الممثل في العديد من الجماعات وعلي رأسهم الإخوان.

4 – في الطرف المقابل جاء حفل الرئاسة باردا جامدا رغم الرفاهية المفرطة ودقة التنظيم، وكأنها قوالب من مرمر عالي القيمة غالي الثمن لكنه باردا لا ينبض بالحياة. وتوزعت الطاولات القليلة خلف مقاعد العائلة الرئاسية حسب ترتيب الأقدمية والقواعد البروتوكولية.

5 – من الملاحظات الجديرة بالاهتمام أن أكثر من (90% ) من الزوجات الفضليات لكبار رجالات القوات المسلحة "ملتزمات محجبات" ولم يشذ إلا قليل القليل من بينهن فخامة "حرم" فخامة رئيس البلاد، وسعادة "حرم" سعادة رئيس الوزراء.

6 – من الملاحظات أيضا هو قصر أعاني الحفل علي مجموعة من المطربين الشباب والمطربات الجدد وكأنها إشارة للحرس القديم، في عالم الفن كما في عالم السياسة، بان جماعات "النيو لوك" قادمون ليحكمون ويسودون. أما الملاحظة الأخطر فهي الرسالة التي حملتها الأغنية الأولي من أغاني أم كلثوم – وهي "إنما للصبر حدود" !!!!.

وردا علي تلك الأغنية نقول "فات الميعاد" !!!! – وربنا المستعان

******************************

2 – فواجع التوريث الشكسبيرية – الملك لير

من أكثر المصادفات غرابة هو صدور عملين متزامنين لشكسبير، تقريبا في سنة واحدة (1605 / 1606 م)، وهما "الملك لير" و "ماكبث". وتأتي الغرابة في أن كليهما يصور الحد المفرط (Extreme) في الطبائع البشرية السيئة وكأنها الصورة النيجاتيف (السلبية) للأخلاق الإنسانية السوية الإيجابية.

فالليدي ماكبث (أو المرأة الشيطان) دفعها "الطمع" و "شهوة التملك" المرضية إلي دفع زوجها دفعا إلي السطو علي شرعية حكم البلاد والتحكم في مصائر العباد، باغتيال مليكه وربيب نعمته وهم نائم آمن في ضيافته، وهو أمر أبسط ما يقال فيه أنه خروج عن إطار النواهي والموانع وحدود الأخلاقيات والفضيلة، أي تجاوز المسموح والمقبول وتعدي الحد المعقول (وهو ما يُعرف بالطغيان).

وتم التنفيذ، وقدم "ماكبث" خطيئته قربانا لزوجته وتمادي في دمويته وغيه وطغيانه بقتل كل منافس لسلطانه، وزادت الدماء وتعاظمت الخطايا، فالدماء لا تجلب إلا المزيد من الدماء تماما كالكذب لا يجلب إلا مزيدا من الكذب، وكانت النهاية الدرامية الحتمية، جنت "الليدي ماكبث" تحت تأثير خيالاتها وأشباحها وأنهت حياتها الفاسدة بنفسها، أما "الدلدول" زوجها فقد بات وحيدا يقاسى الفزع ويعاني الخوف حتى كانت نهايته بالذبح كالخروف.

أما في رواية (مسرحية) الملك "لير" فنحن أمام "عجوز" عنيد متكبر وكسول متجبر، توهم أنه يسيطر علي مقاليد مملكته وسلطانه علي عكس الواقع الفعلي، وتفتق ذهنه الذي أختل بشيخوخته عن فكرة مجنونة يسلي بها مجونه ويرضي بها شهوته وجنونه وهي "توريث" مملكته إلي ذريته (ثلاث بنات) شريطة أن يسمع منهن كم الحب في قلوبهن، أي أن يحصد ثمار حكمة وسطوته دون ممارسة فعلية لأعباء الحكم المضنية، فيقوم بتقسيم ملكه علي بناته في حياته قبل مماته، ويحتفظ بتاجه الذهبي ولقبه الملكي وأسم منصبه الرئاسي ومائة فارس كحاشية تصحبه في ذهابه وإيابه.

أغشي الخرف والغرور أعين الملك العجوز فلم يستطيع التمييز بين كلمات النفاق المعسولة المحلاة بالمداهنة والمبالغات الكاذبة من ابنتيه الكبيرتين (جونريل وريجان)، وبين الحب الصادق الذي تكنه له أبنته الصغري (كورديليا) التي أتسم ردها بالجمود والجفاء رغم صدقها وسلامة شعورها (ورغم معرفتها بفساد أختيها وسوء نيتهما وخبث مقصدهما).

استولت الأختان علي أنصبتهما واقتسما أيضا نصيب الابنة الصغري ومن ثم اجتمعت عناصر ثلاث حددها المحللون المختصون بالآتي:

1 – السفة والغرور وحماقة التبديد (الملك لير).

2 – الطمع والجشع وشهوة السلطة (الابنتان جونريل وريجان ومن في معيتهما).

3 - جمود المنطق عند الأتقياء، سوء الوسيلة رغم نبل الهدف (الابنة الصغري كورديليا).

وكانت النتيجة الحتمية المنطقية... تم تجريد الملك العجوز من ملكه وسلطانه بواسطة البنتين الكبيرتين وزوجيهما واعوانهما، وطردوه من مملكته فبات هائما ضائعا يبكي حمقه وغباءه وقسوة بناته فلذات أكباده. ولم يقتصر الأمر علي ذلك، بل قامت أحدي الأختين بقتل شقيقتها طمعا في نصيبها.

أما خير ما في الحدوتة كلها هو الكلمات الآتية:

1 – صرخة الملك لير وهو هائم على وجهه عجوزاً عاجزاً وحيداً شريدا: << طعنة عقوق بناتي فلذات أكبادي أشد ألما وحدة من أنياب الأفاعي>>".

2 – صيحة "مهرج الملك" حينما رأي سقوط الأقنعة وسفور مهازل الصراع علي السلطة: << وا حسرتاه علي المهرجين والمضحين وأهل الفكاهة والمجون، لقد ضاعت أرزاقهم وبارت سلعهم لأن أرباب الحكم والولاية وأهل السياسة والدراية واصحاب العقل والحكمة قد أصبحوا مهابيل مجانين، فزادوا في الخلط وأكثروا في الخبط وأضحكوا الناس جميعا>>.

اللهم قنا الجشع والطمع، وسفه الترف وعجز الخرف

**********************************

3 – الثقافة مرة أخري

مقال طريف وجرئ لفهمي هويدي (مع حفظ الألقاب) جاء تحت عنوان (مالها نانسي عجرم)، تساءل فيه عن أزمة المثقفين المصريين (وإن كانت الأزمة عربية قومية أكبر من كونها مصرية إقليمية) من حيث سطحيتهم وتفاهتهم وانكسارهم وإنباطحهم وتبعيتهم وانقيادهم لأعداء الأمة والعقيدة وغياب القضايا الوطنية والقومية وفساد مكنونهم الفكري وهو الأمر الذي يجعلهم يتسفسطون ويتهرطقون في المبادئ والمفاهيم والأساسيات، أي أن يتحول الجدل إلي الأصول لا الفروع ، فكل شيء مباح مشروع، منهيا مقالة بتساؤل (طيف يعقل أن يكون إجماع الرأي العام على مطربة مثل "نانسي عجرم" يفوق بكثير إجماعهم على العديد من القضايا الوطنية والقومية ؟؟؟؟). وقد أستطلع هويدي أراء بعض من المثقفين الثقاة فكانت الأسباب في رأيهم كالآتي: الهشاشة والإعراض عن المعرفة والإكتفاء بوجبات الفضائيات السريعة والجهل بالتاريخ وعدم الاشتغال بالسياسة (د. إسماعيل صبري عبد الله)، إنها أزمة الجزء من الكل، فأزمة المثقفين هي أزمة السياسة في مصر (د. البشري)، اليأس والقنوط والإغواء والتدجين (د. جلال أمين)، الإغراء والغواية الإعلامية وتراجع دور الأكاديمي الدارس (جميل مطر).

ولقد سبق لنا تناول هذه القضية في مقال سابق، وقلنا فيها الآتي: << إن الآفة الكبرى التي نعانيها في مصرنا المحروسة، وبالتالي في عالمنا العربي ككل، هي التشوية في تعريف ماهية "المثقف". وكما هو معلوم ليس كل متعلم مثقفا، والعكس ليس صحيحا، أي أن التعلم شرط أساسي من شروط المثقفين، ومصطلح "التعلم" أكبر كثيرا من الشهادات الدراسية والدرجات العلمية، كما أن المثقف ليس بالشعر أو بالخطابة أو بالكتابة، فتلك ليست إلا مجرد أدوات ووسائل لتجسيد المحتوي وإظهاره وإخراجه. والمثقف باختصار هو كل من يمتلك قاعدة "معرفية" وليست فقط "معلوماتية"، فالمعرفة هي عملية "الحصاد" للتجميع المعلوماتي المتراكم. والمثقف لدية "آلية إدراكية" تجعله قادرا علي التوصيف والتصنيف ومن ثم التمييز. والمثقف هو كل من له "هموم" لقضية و"رؤية" لحلها. أربعة عناصر أساسية (القاعدة المعرفية، الآلية الإدراكية، هموم لقضية، ورؤيا للحل)، إن أنتفي منهم عنصر انتفت صفة "المثقف" بالتبعية. ولعل تلك العناصر تتضح كثيرا إذ ما أسقطناها علي نماذج لرموز مصرية شهيرة أمثال (هيكل، فهمي هويدي، المسيري، البشر). ومن الجدير بالذكر أن العنصرين الأول والثاني يحققان التعريف العربي لكلمة "ثقف"، أي شحذ وهذب من ثقف الرمح، فالمعرفة والآلية أساسيتين لثقف "العقل"، أما العنصرين الثالث والرابع فيمثلان الغرض من هذا "الثقف" وإلا تحول المرء إلي "حمار" يحمل أسفارا وأطنانا من الذهب !!!. ولا يشترط في "المثقف" أن يكون سياسيا، فقد تكون عناصر ثقافته في مجال تطبيقي أخر من مجالات الأنشطة الإنسانية، ولكن العكس ليس صحيحا (!!)، بمعني أنه يشترط في "السياسي" أن يكون مثقفا وإلا تحول إلي موظف بدرجة سياسي !!>>.

وما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه هو ما ورد عن "علي" كرم الله وجهه ورضي عنه قال: سالت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ستة فقال فيهم (المعرفة راس مالي، والعقل أصل ديني والعلم سلاحي .. ..). فالعلم (من يتعلم) هو وسيلة للتجميع المعلوماتي ومعرفة القواعد والأحكام ومن ثم تكوين وإنماء "القاعدة المعرفية" الإنسانية، والعقل هو صاحب آلية الإدراك الذي يحسن استخدام المخزون المعرفي واستحداثه وتطبيقه في نواحي الحياة المختلفة للتصنيف والتوصيف والتميز ومن ثم حسن الاختيار واتخاذ القرار.

والمشكلة التي نعانيها في مصر هي "لقمة العيش" !!!!. فقد أضحت الثقافة الحقيقية (بمفهومها السابق)  ترفا لا يقدر عليه إلا القادرون المتيسرون (!!)، فبالله من أين يتأتى لصاحب فكر أو قضية التعبير الصادق عن رأيه وهو لا يملك قوت يومه أو يعتمد علي أجهزة الدولة في معاشه وإعاشته !!. ولعل هذا يفسر لنا كثرة أعداد المثقفين الحقيقيين الذين هم في استقلالية عن جهاز الدولة (المباشر والغير مباشر)، مثل أرباب المعاشات والعاملون بالخارج والعاملون في أعمال خاصة أو من لديهم معاش خاص يقتاتون منه وبه. وهذا ليس تعميما، فهناك الكثير من المثقفين الحقيقيين الذين يقاتلون وهم بين أنياب جهاز الدولة، ولذا فأغلبهم يعانون ويقاسون.

المشكلة الثانية هي التغيرات الديناميكية الحادة التي نعيشها (إقليميا وقوميا وعالميا) بحيث تحتاج لجهد (غير عادي) لتفهمها واستيعابها، والمشكلة الثالثة في اليأس والإحباطية، والمشكلة الرابعة في تقبل الهوان وضعف الإيمان، والمشكلة الخامسة في أتساع نطاق "الرمادية" !! في القضايا والآراء الفكرية (ضبابية الحقيقة)، وهو الأمر الذي يحتاج للمزيد والمزيد من الجهد للتحديد والتميز والتوصيف والتصنيف، أما المشكلة السادسة فيلخصها لنا أستاذنا (المسيري) في ظاهرة ما يسمي (بالعجز المكتسب).

أما مشكلة إجماع الأمة علي "نانسي عجرم"، فللشباب عذرهم (!!) في مثل ظروفهم، لأنه من السهل اليسير إعمال ميكانيزم "الغرائز" والشهوانية عن تفعيل آلية العقل والذهن الإدراكية، فالأول أيسر وأكثر لذة (!!) حتى لو كانت "وهمية افتراضية". أما إجماع "الشيوخ" فهو أسوء أنواع الشذوذ (!!!) ودليل علي خرف عقلي وانحطاط إيماني.

وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية