الأمن... سياسة
بقلم: عبدالرحيم ملوح
تعاني الساحة
الفلسطينية من تفاقم الوضع الأمني المتمثل في الفلتان
الأمني وبفوضى السلاح حملاً واستعمالاً، الأمر الذي بات يهدد الأمن السياسي للوطن
والأمن الاجتماعي والشخصي للمواطن والمقاومين أنفسهم وينذر بتكرار ما حدث في لبنان
في سبعينات وثمانينينات القرن الماضي وما يحدث اليوم في
العراق وما تعيشه الصومال منذ حوالي عقدين من الزمان.
وكلنا عاش ويعرف جيداً ما جرته هذه الأوضاع على
هذه الشعوب والأقطار الشقيقة من ويلات، وما عانته ولا تزال تعانيه حتى اليوم
وستبقى تعاني منه ومن آثاره لفترة زمنية قادمة. ونحن لسنا استثناء حتى لا نقع في
هذا المستنقع مع أنه يحلو للبعض منا التهويل من هذه الأعمال بحسن نية أو بسوء
الإدراك أو كلاهما معاً، فنحن لا نشكل كحالة أو شعب استثناء للأمثلة السابقة ولا
نتمتع بحصانة خاصة تحول بيننا وبين الانزلاق التدريجي لهذا المستنقع الدامي، بما
يترتب عنه من تهديد لقضيتنا الوطنية ولوحدة العشب الفلسطيني ووأد آمالنا وتطلعاتنا
للاستقلال والحرية والديمقراطية وإعلان المجتمع الدولي لوضعنا ولما عانينا ونعاني
من الاحتلال بذريعة أننا لسنا أهلاً لإدارة شؤوننا وحماية أمننا السياسي
والاجتماعي وآمالنا بالحرية والاستقلال والعودة.
وعلينا أن ندرك أن
المسؤولية تقع علينا أولاً وعاشراً كمنظمة تحرير فلسطينية وسلطة وطنية وقوى سياسية
واجتماعية، في صون وحماية أمننا السياسي والاجتماعي ولن يفيد بشيء إلقاء المسؤولية
على الاحتلال، لا لأنه غير مسؤول ولا يعبث بأمننا ولا
يريد لنا التقدم والاستقرار ولا يصب الزيت على نار مشاكلنا، فهو الذي يغذي حالة الفلتان الأمني بألف وسيلة ووسيلة لأن هذه سياسته التي تخدم
مصالحه السياسية والأمنية وتخدم أهدافه القريبة والبعيدة كقوة احتلال بأن يظهر
لشعبنا أولاً وللمجتمع الدولي ثانياً إننا غير مؤهلين لإدارة شؤوننا وتوفير الأمن
والأمان لمواطنينا. إن مسؤوليتنا أن نصون ونحمي أمننا من عبث الاحتلال ومن عبث
العابثين منا فالأمر لم يعد يحتمل السكوت أو إدارة الظهر من أحد أو سعي البعض
الآخر لتوظيفه فئوياً أو تحميل المسؤولية عنه للغير.
لقد باتت مدننا مرتعاً
للمسلحين الفالتين أمنياً، وبدأنا نشهد التلويث يطال طهارة سلاح المقاومة، بأخذ
القانون باليد أو فرض الحضور على المجتمع المحلي بالسلاح وكل هذا لا يزعج الاحتلال
مطلقاً ولكنه يمزق النسيج الاجتماعي ويضر بالصمود الذاتي وبالوحدة الوطنية
وبالقضية الوطنية التحررية ويلحق الأذى السياسي والمعنوي بصورة شعبنا وبصورة
مؤسساته وهيئاته وقيادته الوطنية أمام المجتمع الدولي.
إن الضوء الأصفر بدأ
يميل للاحمرار الأمر الذي ينذر بتزايد الخطر وبضرورة الدوس
على الفرامل والقيادة باستدارة من الجميع لصون أمن المواطن والوطن والقضية،
فالمسؤولية سياسية وجماعية ولا يوجد أحد أكان فرداً أو تنظيماً سياسياً أو
اجتماعياً في موقع السلطة أو في موقع المعارضة، خارج دائرة الاستهداف أو المسؤولية
حتى لو اعتقد غير ذلك.
إن الأمن سياسة أولاً
وأخيراً ولن يستقر الأمن والأمان لأحد ما لم يحكمه عقد اجتماعي وسياسة واحدة
تدعمها غالبية الشعب إن لم نقل كله، فالأجهزة الأمنية في الدول المستقلة والقوى
المسلحة التي تكافح من أجل الاستقلال يجب أن تنتظم في إطار سياسي ومؤسسي وقانوني
واحد وتتولى قيادتها قيادة موحدة، ومن دون ذلك تتحول عملياً بمعزل عن النوايا أو
الشعارات المعلنة إلى مجموعات متناثرة تعمل وفق أجندات متوازية أحياناً أو متناقضة
أحياناً أخرى، وتخدم مصالح فئوية أو شخصية صغيرة، الأمر الذي يضر بالمصالح
والأهداف الوطنية والسياسية العامة. وبعض ما نعيشه اليوم يؤشر على كل هذا حيث
المجموعات المسلحة هنا أو هناك باتت تضع الأجندة الوطنية وتنفذها انطلاقاً من
رؤيتها هي ومن دون أن تتفحص مدى خدمتها أو فائدتها أو حتى مدى ضررها للمصلحة
العامة، ومجموعات تعطي لنفسها حق المدعي والمحامي والقاضي وتقوم بتصفية أشخاص بتهم
سياسية أو أمنية أو مسلكية قد تكون صحيحة، ولكن ليس من
مسؤولية هذه المجموعات أو من حقها الإقدام على محاسبتها لأن هذا مناقض للقانون
ويلحق الضرر بوحدة النسيج الاجتماعي للشعب، وكثيراً ما يقوم بهذه الأعمال أفراد أو
مجموعات منوط بها حماية الأمن وتطبيق القانون فهناك من
أقدم على اقتحام وحرق الممتلكات العامة «مراكز للمحافظات، سيارات» واختطاف صحافيين
وأصدقاء جاؤوا بدعم ومناصرة الشعب الفلسطيني، بذريعة الاحتجاج على موقف ما أو من
أجل الضغط لتلبية مطلب ما، حدث هذا في أكثر من مكان في الضفة وغزة، وإذا ما عرفنا
أن الغالبية الساحقة من المجموعات المسلحة التي تقوم بهذه الأعمال ينتمون لهذا
التنظيم السياسي أو ذاك أو لهذا الجهاز الأمني أو ذاك، ويعملون وينطقون باسمه،
فهذا يؤكد أن الأمن سياسة ويتحمل مسؤوليته بالمعنيين العام والخاص القيادة والقوى
السياسية، لأن هذه المجموعات تتصرف وتقوم بأعمالها متظللة بانتماءاتها السياسية
وإن لم يكن بقرار من قيادتها، والفلتان الأمني وعدم
السيطرة على المجموعات المسلحة وعلى ممارساتها يضاعف من المسؤولية ولا يقلل منها.
ومما يزيد الطين بلة أن مرجعيات هذه المجموعات تنبري للتغطية على أفعالها
وللدفاع عنها في غالبية إن لم نقل كل الأحيان، باحثة عن مختلف الذرائع لتبرير ما
قامت به حتى لو تطلب الأمر الافتئات على الوقائع والحقائق معاً. وتفحص ما حدث في
غزة في الأيام القليلة الماضية يؤشر على درجة خطورة ما ينتظرنا، فعندما تقوم
مجموعات مسلحة بالهجوم على مخافر الشرطة في أكثر من منطقة، بناء على حادث عرضي في
مكان آخر الأمر الذي ترتب عليه مقتل ثلاثة بينهم قائد المخفر وجرح حوالي 20 آخرين،
غالبيتهم الساحقة من المواطنين الأبرياء ويحدث كل هذا بعد سلسلة من الاتفاقيات بين
السلطة والقوى بوقف المظاهر المسلحة والفلتان الأمني،
وتحريم اللجوء إلى السلاح و... و...
ويقوم منتسبو أحد الأجهزة الأمنية بمظاهرة مسلحة في شوارع غزة
ويقتحمون مقر المجلس التشريعي مطالبين بتسليحهم بقرار للرد على ممارسات أفراد منتسبي تنظيم سياسي، عندها يصل الفلتان
الأمني «أبعاداً» سياسية وأمنية غير مسبوقة ويتم كل هذا في ظل حديث الجميع مقسمين
بأغلب الأيمان منادين بأعلى الأصوات بالديمقراطية والالتزام بنتائج صندوق الاقتراع
وممارسين عملياً للانتخابات أليس في هذا انفصام في الشخصية السياسية!
أما أن الأمر يفوق ذلك إلى القول عملياً من
البعض إن ما لا يؤتى بصندوق الاقتراع سيؤتى باللجوء للقوة مهما كان الثمن؟
إن الأمن سياسة فقد
جادل مختلف قادة القوى السياسية والاجتماعية والناطقين باسمها بشكل مباشر أو غير
مباشر وإن بلهجات متفاوتة سياسياً وإعلامياً، قادة الاحتلال وهو يحاول فرض أجندة
الأمن أولاً وأن الأمن قبل السياسة وهو الذي يأتي بها
للقول إن السياسة أولاً وهي التي توصل للأمن، ولا يمكن لسلطات الاحتلال أن تطالب
بالأمن وهي تحتل الأرض وتضطهد الشعب وتعتقل وتغتال وتستوطن ولا تعترف بالحقوق ...الخ. وهذا كله صحيح ولكنه ينطبق على
أوضاعنا الداخلية بهذا القدر أو ذاك قدر انطباقه على حالة الاحتلال رغم تعسف
المقارنة.
إن الأمن سياسة كما
أن الديمقراطية سياسة فبوجود الاحتلال وفي ظل سياسته وممارساته وفي ظل منع الشعب
الفلسطيني من حقه الأساس بتقرير المصير، لا يمكن أن يكون هناك الديمقراطية التي
نريدها ونعمل لها وفي ظل وجود وسيطرة الاحتلال على مختلف مناحي حياتنا سيبقى أمننا
السياسي والاجتماعي والشخصي والاقتصادي مخترقاً فالاحتلال نقيض للحرية والاستقلال
ونقيض للديمقراطية والأمن، فهو نقيض لكل هذا معاً، ولكن هذا هو الوجه الأول
للعملة، أما الوجه الثاني فهو نحن ومسؤوليتنا وكيف ندير موحدين عملية مجابهة
التحديات التي يفرضها الاحتلال سياسياً وديمقراطياً وأمنياً، ويتوقف على إدارتنا
الناجحة للصراع معه تقدمنا نحو الانتصار، وفي صلب هذه الإدارة تعزيز صمود الشعب
الفلسطيني لتوفير الأمن السياسي والاجتماعي والشخصي له وبناء نظام سياسي ديمقراطي
حقيقي يضمن حرية الرأي والتعبير وسيادة القانون للجميع ومبدأ تداول السلطة
استناداً لصندوق الاقتراع ويقوم على الجماعية والشراكة في تقرير الشأن الوطني
العام وفي ظل الحالة التي وصلنا لها فإننا بحاجة إلى مغادرة عقلية المجاملات
السياسية والشخصية ومواجهة المخطئ بخطئه علناً وأمام الشعب.
فالسلطة بأجهزتها
والقوى السياسية والاجتماعية بكبيرها وصغيرها تتعاطى
بالشأن العام وبالتالي يجب أن تخضع سياستها وممارساتها بصوابها وخطئها لتقييم
ومراقبة ومحاسبة الشعب. فالدماء التي سالت في غزة في الأسابيع الماضية وغيرها
قبلها أمانة في أعناق الجميع ولا يجوز القفز عنها والمرور عليها مرور الكرام،
فعندما يقتل المواطن في حادث سيارة قضاء وقدراً فإن السائق يتحمل مسؤولية الحق
العام والخاص ويسدد ضريبة خطئه للمجتمع، فكيف عندما ترتكب أجهزة أمنية ومجموعات
مسلحة عمليات القتل بالجملة!
إن الأمن سياسة
ومجابهة الوضع الذي نعيش وإعادة الأمور إلى طبيعتها يتطلب:
أولاً: الاتفاق على
رؤية واستراتيجية عمل سياسية وكفاحية واحدة للمرحلة
الجديدة تدمج ما بين مهام متابعة التحرر الوطني ومهام البناء الديمقراطي للمجتمع
وللنظام السياسي الفلسطيني، فهي ضرورة وطنية وتشكل الناظم لأدائنا جميعاً.
ثانياً: الاتفاق على
ميثاق شرف وطني يقوم على الديمقراطية وسيادة القانون وتحريم الدم الفلسطيني
ومعالجة المشكلات بالحوار، والحفاظ على سلاح المقاومة وطهارته وأمنه، وحماية
أصحابه، فهو منذور لمقاومة الاحتلال فقط وليس للاستعراض أو ترويع المواطنين
الأمنيين أو الاعتداء عليهم وعلى حرياتهم وممتلكاتهم، والتشهير السياسي بكل من
يخرق هذا الاتفاق.
ثالثاً: الأمن العام
وأمن المواطنين وتطبيق سيادة القانون في مناطق السلطة الوطنية من مسؤولية الأجهزة
الأمنية، وعلى قيادة السلطة الوطنية إخضاعها للقانون وتعزيز دورها وتطهير قيادتها
وعدم السماح بزجها بصراعات القوة بين الفصائل الفلسطينية، ويجب أن تبقى كما السلطة
ذاتها على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية.
رابعاً: تفعيل دور
هيئات العمل المشترك والجماعي، كلجنة المتابعة في غزة وغيرها والإعلان من شأن
قراراتها في مجالات عملها وفي هذا الإطار أرى أن من المفيد أن تجد الفصائل الوطنية
والإسلامية ضابط ارتباط أو أكثر للدوام في غرفة عمليات الأجهزة الأمنية بقطاع غزة
كمقدمة لتعميم هذه التجربة لمساعدتها في تطبيق قرار منع المظاهر المسلحة وضبط فوضى
السلاح وللمعالجة الميدانية لأي أحداث طارئة.
إن هذه الأفكار - المقترحات
وغيرها ليست بديلاً عن السير في تنفيذ اتفاق القاهرة وغيره من الاتفاقات أو متابعة
الحوار والعمل المشترك للتصدي لما يواجهنا من تحديات أو متابعة ما اتفق عليه من
عناوين للإصلاح وتطويرها ودمقرطة نظامنا السياسي عبر
الحوار المسؤول والبناء، بل تصب في مجراها في حال الأخذ
بها وتطبيقها ويبقى الأمن سياسة.