زلزال تسونامي في الصحافة المغربية:

من المتابعة إلى التوظيف السياسي

 

 

بقلم :حسن السرات

 

انتقل الحديث الإعلامي المغربي عن زلزال تسونامي الآسيوي من الرؤية العلمية والدينية إلى التوظيف السياسي والاستغلال الدنيء. وحدث هذا الانزلاق عقب ظهور مقال في جريدة "التجديد" المغربية يوم السادس من يناير 2005 كتبه رئيس التحرير تحت عنوان "إنذار مبكر للمغرب قبل فوات الأوان: السياحة الجنسية وزلزال تسونامي"، ونشرت نسخة معدلة منه في موقع "شهود نت". بدأ الانزلاق عندما نشرت صحيفة "بيان اليوم" الصادرة عن حزب التقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي سابقا، والمقربة من وزير الإتصال نبيا بنعبدالله)، إذ جاء في العنوان أن "أهل التجديد يتغذون على جثت ضحايا تسونامي"، والمقصود بالتغذية هو ما ذهب إليه صاحب المقال من أن "عالما" من "علماء جريدة التجديد"، طلع علينا في عدد الأمس بمقال طويل عريض أكد فيه أن ما أصاب تلك الدول هو عقاب إلهي"· وزاد صاحب المقال موضحا أن ذلك المقال هو "استغلال ماكر لبعض الظواهر قصد التسويق لفكر مظلم بغية دغدغة مشاعر "الأميين" واستمالتهم لحمل "مصباح"(يشير إلى رمز حزب العدالة والتنمية)  يضيء على نفسه فقط وبالكاد يصل ضوؤه الخافت إلى الحواشي"· وأنكر الكاتب أن يكون للزلزال علاقة بالتفسير الديني، وأنه ليس سوى حدث "لا يخرج عن نطاق ظاهرة طبيعية تنضاف إلى البراكين والعواصف والحرائق والفيضانات وغيرها من الظواهر التي تضرب بين الفينة والأخرى"·  ثم تسلسلت الردود بعد هذا في بعض الصحف الفرنكوفونية اليومية والأسبوعية تنحو المنحى نفسه.

غير أن أسفل ما وصل إليه الانزلاق هو دخول القناة التلفزية المغربية الفضائية "القناة الثانية" في المشهد وتناولها للموضوع من خلال روبورتاج حول المقال الذي دار حوله السجال، ولذر العيون في الرماد، والظهور بمظهر المهنية اتصلت القناة برئيس تحرير جريدة "التجديد" طالبة منه المساهمة في الروبورتاج الذي سيدور حول قيمة السجال الدائر حول الموضوع حسب ما أدلى به المبعوث الخاص لها في اتصاله الهاتفي. غير أن الروبورتاج تحول إلى محاكمة وإدانة لحزب العدالة والتنمية، وقال صاحب الاستطلاع في مقدمته: "في خضم تضامن عالمي مع ضحايا الكارثة الطبيعية التي ضربت أغلبية البلدان الآسيوية، طلع علينا في المغرب صوت نشاز مقرب من حزب العدالة والتنمية يرجع ما وقع لأسباب أخلاقية، صحيفة "التجديد"، ومن خلال موقع المقال، اعتبرت في عددها لسادس يناير أن الكارثة استعادة مشهدية لما وقع لعاد وثمود وقوم لوط، وذلك ضمن تعسف واضح على النص القرآني من جهة، وعلى الشرط العلمي المفسر للظواهر الطبيعية من جهة ثانية، ويبلغ استبلاد المغاربة والذكاء الإنساني مداه في تمسك صاحب المقال بأن ما وقع جنوب آسيا هو عقاب إلهي". وعلى الرغم من مشاركة كل من رئيس تحرير جريدة "التجديد" ورئيس تحرير جريدة العلم (الناطقة باسم حزب الاستقلال) في الاستطلاع بالإجابة عن عدة أسئلة إلا أن القناة عمدت إلى بتر تصريحاتهما إلى أقصى حد ممكن والاكتفاء بعبارة صغيرة مأخوذة من سياقها. ولم يكتف الاستطلاع بهذا، بل ذهب يسترجع أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء، ثم  بث تصريحات أخرى خطيرة اتهم فيها صحافيان محسوبان على جهة استئصالية تكره حزب العدالة والتنمية، بأن هذا الحزب يبث خطابا تكفيريا وأنه خطر على مستقبل المغرب وأبناء المغرب إذا ما شارك في الحكم، وأن صاحب المقال يحرض المغاربة ضد مؤسسات السياحة.

وفي تقدير بعض المراقبين والمتابعين، فإن هذا البرنامج الإعلامي ليس سوى ردة فعل ضد برنامج إعلامي سابق استضافت فيه القناة الثانية نفسها الدكتور سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، برنامج كان ناجحا بشهادة منشطه عبد الصمد بن الشريف الذي نوه بالحزب ومواقفه وسلوكه في أشد اللحظات حرجا من تاريخه وتاريخ المغرب. وترى بعض الأوساط أن هناك صراعا حادا في القناةالثانية بين تيار يريد أن يعيد للقناة الثانية مصداقيتها بعد أن سيطر عليها لوبي موالي لجهات أمنية مغربية تريد قطع الطريق على حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح، وأن هذا الصراع يظهر بين الفينة والأخرى، خاصة في تناول القضايا الدينية والإسلامية. ويزيد هذه الأوساط أن الجهات التي تناهض "العدالة والتنمية" لا يهمها المقال المنشور في "التجديد" بقدر ما يهمها انتهاز الفرصة للنيل من هذا الحزب.

الحزب من جهته سيصدر بيانا أو بلاغا للرأي العام يستنكر فيه هذه المناورات الإعلامية ويحتج على هذه العمل الإعلامي الصادر عن قناة يدفع المغاربة تستخلص ميزانيتها من الضرائب التي يدفعها المواطنون المغاربة، كما يطالب بدمقرطة المنابر الإعلامية وإبعاد الأصوات الاستئصالية منها.

 

 

 

 حكايتي مع مبعوث القناة الثانية

 

اتصل بي مبعوث القناة الثانية  الزميل توفيق الدباب يوم الأحد الماضي وعرض علي المشاركة في استطلاع رأي بخصوص مقالي حول "السياحة الجنسية وزلزال تسونامي، إنذار مبكر للمغرب قبل فوات الأوان"، ولما سألته عن فحوى الاستطلاع قال إنه عرض للآراء حول السجال الذي أثاره مقالي المتمثل في الردود التي نشرت حوله في صحف يومية وأسبوعية مغربية. قبلت العرض وحددنا الموعد يوم الاثنين على الساعة الثانية والنصف. لاحظت أنه كان يكلمني مرتبكا مرتجفا. كتمت الملاحظة في نفسي حتى أرى بعيني ما سمعت أذني. ولما حضر  جلست معه قبل البدء في التسجيل لتدقيق طبيعة العمل الصحافي الذي سيقوم به وما موقعي منه. تأكدت الملاحظة التي سجلتها أذني حين رأيت الارتباك والرجفة واضحين في الحركة والقول والعيون التي تفضح صاحبها  من حيث لا يدري. ولما كنت عالما بالحيل الإعلامية والتلاعبات التلفزية التي تستغل لتحريف الكلام وتوظيفه في سياق معين، سألته عن الحصة الزمنية المخصصة لي والأسئلة التي سيلقيها علي حتى أقيس كلامي زمنيا ومضمونا مخافة البتر والتحريف. قال لي إن لك دقيقة كاملة لتجيب عن سؤالين اثنين، يخصص لكل سؤال ستون ثانية. قلت ما هما السؤالان، قال إن الأول هو هل هذا السجال الدائر حول مقالك شيء إيجابي أم سلبي، وأما الثاني فهو هل ما زلت تعتقد أن للمغرب علاقة بالموضوع  وأن حدث تسونامي هو استرجاع لما حدث لعاد وثمود. قلت جوابا عن السؤال الأول إن السجال إيجابي جدا ولكن بشروط، فالمقال يعبر أولا عن وجهة نظري وأنا الذي كتبته ووقعته، فلا بد من مناقشة علمية للمقال بنزاهة وموضوعية، ولا داعي ثانيا  لإقحام حزب ما أو حركة ما أو هيئة ما في الموضوع، وثالثا يجب اجتناب التهجم على الوعاظ والخطباء والعلماء كما نرى، ورابعا لا ينبغي أن نحرض جهة أجنبية كالولايات المتحدة. وأخيرا ينبغي تحريم الإرهاب الفكري وسياسة تكميم الأفواه. أما الجواب عن السؤال الثاني فقلت فيه إن المقال انطلق من رؤية قرآنية تربط بين الذنوب والمعاصي الكبرى وهلاك الأمم والجماعات، وإن القرآن يعلمنا أن نأخذ الدرس والعبرة مما يقع حولنا، والمغرب مدعو لاستخلاص الدروس والعبر.وقد اكتفى صاحب البرنامج بهذا الجزء من كلامي "القرآن يعلمنا أن نأخذ الدروس ونأخذ العبر مما يقع، سواء كان قريبا أو بعيدا، وأن نأخذ حذرنا قبل الأوان...فينبغي أن نأخذ حذرنا، وأن نعتبر أن هذا ليس ببعيد عنا وأنه يمكن أن يكون قريبا منا..."

ومع الأسف الشديد وقع ما توقعته: فرغم حرصي على وزن الكلمات وفق الدقيقة المخصصة لي، أبى صاحب البرنامج إلا أن يبتر منه حوالي ثلاثا وأربعين ثانية مكتفيا بسبع عشرة ثانية فقط، في حين أعطى لاثنين من المتحدثين الوقت الكافي ليقولوا ما شاؤوا، بالإضافة إلى ما حفل به الروبورتاج من تحامل وتحريف المقال عن وجهته لاستغلاله ضد حزب العدالة والتنمية والعودة إلى أجواء 16 ماي والحملة المسعورة التي شنت ضده وضد حركة التوحيد والإصلاح وجريدة التجديد. وقد حصل الأمر ذاته مع رئيس تحرير جريدة "العلم" المغربية (الناطقة باسم حزب الاستقلال) الذي أكد لي أن صاحب البرنامج لم يطلعه على الغرض منه، وأنه وضع عليه خمسة أسئلة في حين أنه لم يبث من كلامه إلا جملة واحدة.

وقد كتبت  وأكرر هنا إن هذا النقاش هو نقاش عالمي في كل أقطار الدنيا بين من يربط الزلزال بالمعاصي والذنوب وعقاب الله، وبين من يقول إن الطبيعة هي التي غضبت، أو هذا قانون من قوانين الطبيعة ولا دخل فيه للأخلاق والانحرافات ولا ينبغي تفسير هذا الحدث تفسيرا أخلاقيا.

ويا ليت البرنامج بأكمله استطلع آراء المفكرين والعلماء والمهتمين حول المقال الذي كتبته، ويا ليته استعرض الحجج العلمية والشرعية على خطأ ما قلت، حتى بالنسبة للمغرب ووجوب أخذ الحيطة والحذر، لو فعل البرنامج ذلك لكان منسجما مع نفسه ومع القضية التي يطرحها، أما وقد انزلق نحو التوظيف السياسي لخدمة جهة سياسية معينة وضرب هيئة سياسية قانونية تحت الحزام وتقويلها ما لم تقله، فذلك هو التضليل بعينه وتلك هي الظلامية ذاتها التي تشدق بها المشاركون في الهجمة الإعلامية الظالمة.

منذ مدة متوسطة، دعيت للمشاركة في ندوة علمية حول علاقة الصحافي بالسياسي والحزبي  نظمها اتحاد الحركات الشعبية في المركز الثقافي لأكدال بالرباط. ومما قلته يومذاك إن  الصحافيين في بلادنا ينقسمون إلى ثلاثة فئات، فهناك الصحافي المتحزب والصحافي المتكسب والصحافي الجامع بين المهنية والرسالية. ولم تزدني الأيام والأحداث إلا تأكيدا  لهذا التصنيف، وما حدث مع مندوب القناة الثانية دليل آخر على هذا التصنيف.

شيء أخير يتردد على السنة الأغلبية الساحقة من المغاربة سواء كانوا أميين أو باحثين ومفكرين وسياسيين وإعلاميين، وهو أن القناة الثانية ترتكب باستمرار أبشع أنواع الاستبداد والاستغلال حين توظف ضرائب الشعب المغربي لهدم قيمه وتشويه هويته وتكميم الأفواه وممارسة الدكتاتورية الواضحة.