جدلية العلاقة بين الرئيس
والمؤسسة العسكرية..
من يحكم من في الجزائر؟
بقلم
:كمال زايت
كانت علاقة
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مع المؤسسة العسكرية من أهم وأكثر الاسئلة مثارا للجدل
خلال الخمس سنوات الماضية، ورغم أن كثيراً من المراقبين تنبئوا بأن جنرالات
المؤسسة العسكرية قرروا التخلي عن الرئيس الذي فرضوه علي الجزائريين في عام 1999،
إلا أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي أعطت بوتفليقة فوزا ساحقا بأغلبية
لم يكن يحلم بها، زادت في حجم الغموض والتناقض بشأن هذه العلاقة الجدلية بين
السياسي والعسكري، وفجرت سؤالا جديدا.. من يحكم من؟ بوتفليقة أم الجنرالات؟
في كل مرة
يقترب موعد الانتخابات الرئاسية تتوجه الأنظار والأسماع إلي مقر وزارة الدفاع
وقيادة الأركان لمعرفة موقف المؤسسة العسكرية من هذه الانتخابات، والبحث خلف أسوار
هذه المؤسسة العتيدة عما إذا كان لها مرشح، حتي يلتف الساسة حوله ـ كالعادة ـ سيما
وأن ظروفا تاريخية فرضت علي الجيش أن تكون له دائما كلمة في تحديد من يتولي قيادة
البلاد.. وظلت ازدواجية الأدوار تؤرق العسكر طيلة سنوات طويلة تحملوا في سبيلها
مشاقا وأثقالا أبت الجبال أن تتحملها!! ولكن جنرالات المؤسسة العسكرية خلطوا
الحسابات فجأة، وقلبوا المواقف السابقة التجهيز، عندما أعلنوا عن قرارهم الانسحاب
من الساحة السياسية، والتزام الحياد خلال الانتخابات الرئاسية التي سبق إجراؤها في
نيسان (ابريل) الماضي!!
يعتبر
الجيش الجزائري الرقم الصعب والمجهول في معادلة اللعبة السياسية منذ عهد الاستعمار
الفرنسي، لأن الظروف الصعبة والمعقدة التي برزت فيها الأحزاب السياسية في عهد
الاستعمار، والصراع المبكر الذي ظهر بين السياسيين والعسكريين قبل اندلاع ثورة أول
تشرين الثاني (نوفمبر) 1954 وأثنائها.. ولجوء الطرف القوي للحسم في جولاته الأولي
بمنطق القوة والسلاح، أفرز وضعا هجينا وغريبا، اختلط فيه العمل العسكري بالسياسة
وانصهرا في كلمة واحدة هي السلطة وليس الدولة، وفي معظم المراحل التاريخية كان
السياسي في الواجهة والعسكري في الكواليس.. لذا فإن هذا المنطق فرض علي الجيش لعب
أدوارا حاكمة وحاسمة في مراحل تاريخية محددة، غير أنه في المقابل كان دائما في قفص
الاتهام عن الانحرافات التي وقعت والأخطاء التي ارتكبت، حتي لو كان ذلك باسم
المصلحة العليا للوطن.. ولكن المراقب والراصد للأدوار التي لعبها العسكر يفرض علي
نفسه السؤال ما إذا كان العسكريون مخيرين أو مجبرين علي دخول ساحة العمل السياسي..
وهل إعلانهم الخروج منها لن يكون ـ أيضا ـ مصدر إزعاج بالنسبة لهم، تجسيدا للمقولة
الحاكمة: إرضاء الناس غاية لا تدرك!! سيما وأن كثيرا من الساسة رفض ما وصموه
بالحياد السلبي، واعتبروه تواطؤا قاد بوتفليقة إلي نصر كبير في انتخابات الرئاسة
الماضية.
خلفية
القدر
كان
الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي استمر 132 عاما استعمارا استيطانيا بشعا، سعي
لتحطيم ومسخ كل شيء، ورغم أن ثورات شعبية اندلعت في مناطق متفرقة، مثل ثورات
المقراني والأمير عبد القادر، إلا أن بوادر الحركات السياسية بدأت في مطلع القرن
العشرين.. ويعتقد الرئيس الأسبق علي كافي في مذكراته عن الثورة بأن الأمير خالد هو
من أسس أول حركة سياسية، والتي تعتبر نواة بروز حركات وتنظيمات أخري ابتداء من
الثلاثينات.. فمباشرة بعد الحرب العالمية الأولي التي شارك فيها حوالي 17500 جندي
جزائري في الجيش الفرنسي، قررت الحكومة الاستعمارية القيام ببعض الإصلاحات
السياسية في شبا ط (فبراير) 1919.. ولكن هذه الإصلاحات تم تحريفها عند التطبيق،
بما أدي إلي انقسام لجنة الدفاع عن المصالح الإسلامية إلي جناحين.. الأول يطالب
بتحسين أوضاع الجزائريين ومنحهم بعض الامتيازات.. وجناح ثان التف حول الأمير خالد
بعد رفض الجنسية الفرنسية، وطالب بتعميق الإصلاحات السياسية.. وأسس خالد في يوم 23
كانون الثاني (يناير) 1923 جمعية الأخوة الجزائرية، والتي أصبحت تعرف باسم حزب نجم
شمال إفريقيا.. ولكن السلطات الفرنسية التي انزعجت من تحركات الأمير خالد قررت
نفيه إلي فرنسا في حزيران (يونيو) 1924، غير أنه واصل نشاطه من منفاه، وقام بتوجيه
رسالة إلي رئيس الوزراء الفرنسي ضمنها مطالب الجزائريين، خاصة فيما يتعلق بإلغاء
القوانين الاستثنائية، والمساواة مع الفرنسيين والأوروبيين في الحقوق والواجبات،
وفتح المجال لحرية الإعلام والصحافة.. وفي كانون الاول (ديسمبر) 1924 انعقد في
باريس المؤتمر الأول لعمال دول شمال إفريقيا وشارك فيه 150 مندوباً، ووجه المؤتمر
رسالتين إلي الشعب المغربي وزعيمه عبد الكريم الخطابي ورسالتين للشعبين المصري
والتونسي.. وعقد حزب نجم شمال إفريقيا أول اجتماع له في 12 حزيران (يونيو) 1926،
وترأس الأمير خالد في 7 تشرين الاول (أكتوبر) من العام نفسه أول اجتماع.
وظهرت
أحزاب وتنظيمات أخري دعت إلي الاندماج والمساواة مع الفرنسيين، مثل اتحاد
المنتخبين لمنطقة قسنطينة ، والذي تأسست في 18 حزيران (يونيو) 1927، وكان يهدف إلي
توحيد جميع أعضاء المجالس المحلية من المسلمين للدفاع عن مصالح السكان.. وتأسست
حركة أحباب البيان والحرية في 14 اذار (مارس) 1944، في أعقاب صدور قانون يمنح
الجنسية الفرنسية للجزائريين، إضافة إلي أحزاب وتنظيمات أخري مثل الاتحاد
الديمقراطي للبيان الذي تأسس في ايار (مايو) 1946 والذي ترأسه فرحات عباس بعد
انشقاقه عن حزب الشعب الجزائري .. أما الحزب الشيوعي الجزائري ، والذي كان مرتبطاً
بالحزب الشيوعي الفرنسي، وكان يضم جزائريين وأوروبيين، ومن الأخطاء التي احتسبت
عليه تأييده لمشروع بلوم فيولييت الذي اقترح إصلاحات سياسية، ومنح بعض الحقوق
للنخبة فقط، كما دعا إلي قمع المظاهرات الشعبية في أحداث 8 ايار (مايو) 1945. ولكن
يبقي حزب الشعب الذي تأسس في 11 اذار (مارس) 1937 من أكثر الأحزاب التي أثرت في
تاريخ الحركة الوطنية، حيث تعرض لعدة انشقاقات، قبل أن يتم تأسيس حركة انتصار
الحريات الديمقراطية علي أنقاضه في تشرين الاول (أكتوبر) 1946، وتم الشروع في
التحضير للعمل المسلح، بعد تأسيس المنظمة الخاصة ـ OS ـ في كانون الاول (ديسمبر) 1947 ،
والتي كانت الجناح المسلح لحركة انتصار الحريات، ونفذت المنظمة عمليات فدائية ضد
قوات الاستعمار الفرنسي، وضمت أسماء شخصيات لعبت أدوارا سياسية بارزة مثل حسين آيت
أحمد وأحمد بن بلة، قبل أن يتم اكتشافها والقبض علي 363 من أعضائها.. وصدرت أحكام
بالسجن علي قياداتها مثل محمد خيذر وأحمد بن بلة وحاج بن يعلا وأحمد محساس.. وخلال
هذه السنوات حاولت الأحزاب الامتثال لقواعد اللعبة الديمقراطية التي وضعتها
السلطات الاستعمارية، بالمشاركة في الانتخابات المحلية أو البرلمانية، ولكن بدأ
الاعتقاد يترسخ لدي الكثيرين بأن ما أخذ بالقوة لا يمكن استرجاعه إلا بالقوة.. وهذا
ما فتح الباب لأزمة حزب انتصار الحريات، حيث انقسم الحزب إلي تيار المركزيين،
والمصاليين ـ أنصار الزعيم مصالي الحاج ـ ودخلوا في أزمة داخلية حادة ابتداء من
كانون الاول (ديسمبر) 1950 ، ورغم كل محاولات التقريب بين وجهات النظر، إلا أنها
باءت بالفشل.. وتم في 23 اذار (مارس) 1954 تأسيس اللجنة الثورية للوحدة والعمل،
وأشرف عليها كل من مصطفي بن بولعيد ودخيلي دحمان، لجمع شمل النخبة السياسية استعداد
لانطلاق العمل المسلح.. وفي 10 تشرين الاول (أكتوبر) 1954 تأسست جبهة التحرير
الوطني وتحدد موعد تفجير شرارة الثورة في أول تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه.
أصل الصراع
صحيح أن
الساسة اتفقوا رغم اختلافهم علي تفجير الثورة، ونجحوا في البداية أن يضعوا خلافاتهم
جانبا، ولكن بعد عامين من بداية العمليات المسلحة ضد قوات الاستعمار الفرنسي، كان
لا بد من رص صفوف الثورة، خاصة وأن الصراع كان خفيا بين السياسيين والعسكريين وبين
جماعتي الداخل والخارج علي الزعامة.. وجاء مؤتمر الصومام في 20 اب (أغسطس) 1956
ليضع الثورة علي المسار الذي اختاره منظموه.. وحسب شهادات رموز الثورة فإن عبان
رمضان كان المهندس الحقيقي للمؤتمر.. ومن أهم قراراته أولوية السياسي علي العسكري
والداخل علي الخارج، ولكن أغلبية قرارات المؤتمر لم تنفذ.. ويري علي كافي الذي كان
قائد المنطقة العسكرية الثانية أن العسكريين كانوا مقتنعين بأن الثورة ستطول
مدتها، في حين أن السياسيين كانوا يرون بأن نهايتها وشيكة.. ويتهم كافي هؤلاء
بالسعي إلي القضاء علي الثوريين الحقيقيين، وتكريس فكرة التفاوض، وأضاف بأن عبان
هو من سعي إلي فرض كل من فرحات عباس والشيخ عباس بن الشيخ الحسين كعضوين أساسيين
في مجلس الثورة، رغم أن عباس كان مرفوض شعبيا، بالنظر إلي مواقفه السابقة قبل وبعد
اندلاع الثورة.. وكانت الشكوك سبب تصفية عدد من قيادات الثورة، وعلي رأسهم عبان
رمضان، الذي قيل في البداية أنه استشهد في معركة علي الحدود الجزائرية ـ التونسية..
وازداد الصراع اشتعالا مع انطلاق مفاوضات إيفيان بين جبهة التحرير والحكومة
الفرنسية، سيما وأن شمس الاستقلال كانت قد بدأت ترسل أولي خيوطها، واشتد التنافس
علي السلطة، والذي تحول إلي صدامات واقتتال سقطت خلاله أرواح جزائريين علي أيدي
إخوانهم الجزائريين.. وقبل ذلك كان العقيد هواري بومدين قد أرسل عبد العزيز
بوتفليقة إلي السجن للحديث مع القادة الخمسة الذين تم اعتقالهم في المغرب يوم 22
تشرين الاول (أكتوبر) 1956، بعد أن تم تحويل طائرتهم.. ورغم أن بومدين طلب معرفة
رأي محمد بوضياف في تولي السلطة بعد الاستقلال بدعم من قيادة الأركان العامة.. إلا
أن بوتفليقة وجد في نفسه ميلا لأحمد بن بلة، باعتبار أن بوضياف كان حاد الطبع
وجافا وجلفا في تعامله مع العسكريين.. ولم تكن هذه المهمة التي قام بها الذراع
الأيمن للعقيد هواري بومدين سوي مقــــدمة لما عـــــرف بأزمة صيــــف 1962، حيث
دخــــلت الحكومة المؤقتة التي كان يقودها بن يوسف بن خدة في صراع مع قيادة
الأركان العامة المدعومة من جانب أحمد بن بلة.. وانقسمت الجزائر إلي جناحين مجموعة
تلمسان وكانت تضم بن بلة وقيادة الأركان، إضافة إلي فرحات عباس والمناطق العسكرية
الأولي والخامسة والرابعة ومن جهة ثانية مجموعة تيزي وزو وكانت تضم كريم بلقاسم
ومحمد بوضياف والمناطق العسكرية الثانية والثالثة إضافة إلي المنطقة الحرة
بالعاصمة، وفيدرالية فرنسا ـ فرع جبهة التحرير في فرنسا ـ وتحول الصراع إلي صدامات
عسكرية أيام 3 و4 و5 ايلول (سبتمبر) من عام 1962، وسقط قتلي بالمئات وأريقت الدماء
ـ مرة أخري ـ
وكانت هذه
الواقعة نقطة تحول مهمة في علاقة العسكري بالسياسي في الجزائري، وكان واضحا أن
بومدين بالزي العسكري اختار بن بلة بالزي المدني ليكون رئيسا للجمهورية! ولكن هذه
العلاقة التي كانت تبدو حميمية في الظاهر، بدأت تسير من سيئ إلي أسوأ مع مرور
الأشهر والسنوات، سيما وأن الرئيس بن بلة أراد أن يضمن لنفسه السلطة بعيدا عن
هيمنة العسكر. في الوقت الذي لم يكن فيه العقيد هواري بومدين وزير الدفاع متفطنا
لما يختلج به صدر رئيسه.. يؤكد كثير من الساسة الذين عايشوا تلك الفترة، أن رغبة
الرئيس بن بلة في تنحية عبد العزيز بوتفليقة من منصب وزير الخارجية كانت النقطة
التي أفاضت كأس العلاقة بينه وبين بومدين ، سيما وأن وزير الدفاع كان مقتنعا بأنه
المقصود من هذا القرار، وتكونت لديه فكرة أن الرئيس يستعد للتخلص منه ـ أيضا ـ بعد
المؤتمر الآفروآسيوي الذي كانت تستعد الجزائر لاستضافته، لذا فبمجرد أن عاد وزير
الدفاع إلي العاصمة الجزائرية من زيارته للقاهرة، بدأ في التخطيط لإزاحة بن بلة من
الحكم، ونجح في تنفيذ المهمة يوم 19 حزيران (يونيو) 1965 بمساعدة مجموعة مقربة من
الشخصيات السياسية والعسكرية.. وفوجئ الرئيس بن بلة بالعقيد طاهر زبيري قائد
الأركان يدخل غرفة نومه بفيلا جولي الواقعة في أعالي العاصمة، ومعه اثنان من
الضباط، ليعلمه بقرار اعتقاله، وطلب منه بصوت هادئ أن يتبعه.. وفهم بن بلة ما وقع
بسرعة.. ولكنه حافظ علي هدوئه وارتدي ملابسه وخرج دون مقاومة مع من جاءوا لاعتقاله..
وأعلن العقيد بومدين عن الخبر للشعب الجزائري في بيان أذاعه التلفزيون، وسعي إلي
تقديم تبريرات لما أسماه بالتصحيح الثوري.. ولكن ما وقع فعلا هو أن العسكر ـ في
هذه الفترة ـ قرروا أن يحكموا مباشرة وبيد من حديد، بعد أن تأكدوا بأن مسك الخيوط
من خلف واجهة مدنية ليس مجديا في ذلك الوقت، الذي كانت فيه البلاد تخوض معركة
البناء والتنمية.
صانعة
الرؤساء
عندما تولي
الرئيس هواري بومدين السلطة في 19 حزيران (يونيو) 1965 رفع شعار الشرعية الثورية،
وحكم البلاد حتي عام 1977 بمجلس قيادة الثورة، دون أن يكون هناك برلمان أو دستور..
غير أنه حاول في السنتين الأخيرتين من حكمه إرساء دعائم نظام مدني، وكانت له
مشروعات عديدة، ولكن لم يسعفه الحظ ولم يمهله المرض حتي يقوم بتجسيدها.. فقد انطفأ
الرجل فجأة يوم 27 كانون الاول (ديسمبر) 1978 بعد صراع مرير غير معلن مع مرض خبيث
كان ينخر جسده في صمت.. وكان الرجل يأبي أن يتألم أو يشكو، لأنه كان مثل الصخر
الذي لا يتأثر بشيء، كما أنه تعود أن يسمع شكاوي الآخرين ويحاول الحد من آلامهم! ومباشرة
بعد إعلان الوفاة رسميا طرحت قضية الخلافة داخل دواليب السلطة.. وبدأ التنافس
والصراع علي كرسي الرئاسة، حتي قبل أن يواري جثمان الزعيم الراحل التراب بمقبرة
العالية بالعاصمة.. ومنذ البداية أن التنافس سيكون محصورا بين عبد العزيز بوتفليقة
وزير الخارجية وأحد المقربين من الرئيس الراحل، وبين محمد الصالح يحياوي زعيم جبهة
التحرير الوطني ـ الحزب الواحد والحاكم آنذاك ـ ولكن العسكر كانت لهم الكلمة
العليا، لأنهم اختاروا العقيد الشاذلي بن جديد أكبر ضباط الجيش سنا، ولم يكن من
الوجوه التي يعرفها الشعب الجزائري.. ولعب قاصدي مرباح الذي كان يقود جهاز
المخابرات العسكرية دورا أساسيا وحاسما في اختيار الشاذلي بن جديد، الذي لم يكن
متحمسا لهذا المنصب، حسب ما يؤكده اللواء متقاعد خالد نزار في مذكراته.. ويضيف بأن
تعيين الشاذلي كانت له آثار سلبية علي المؤسسة العسكرية، ويعتقد بأن أشخاصا مولعين
بالسلطة أمثال مصطفي بلوصيف وعبد الله بلهوشات دفعوا به إلي قمة السلطة لاستغلال
ضعفه، حتي يتسني لهم تحقيق مآربهم الشخصية الضيقة.. ونفي أن يكون معني هذا التعيين
بأن العسكر كانوا في السلطة! لأن الضباط الذين كانوا أعضاء في اللجنة المركزية
للحزب الواحد، لم يكن لهم أي تحكم في القرار السياسي أو الاقتصادي، فضلا عن أولئك
الذين تم تعيينهم في رئاسة الجمهورية، والذين يتحملون مسؤولياتهم ـ حسب نزار ـ دون
أن تكون مواقفهم ملزمة للمؤسسة العسكرية في شيء.
تميزت
السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الشاذلي بأحداث قلبت تاريخ الجزائر، وكانت أحداث 5
تشرين الاول (أكتوبر) 1988 شرارة هذا التحول الجذري.. حيث انفجرت الجماهير في
شوارع المدن الواحدة تلو الأخري فجأة في الأيام الأولي من شهر تشرين الاول (أكتوبر)،
وانتشرت عمليات التخريب والنهب علي نطاق واسع.. ولم يجد الرئيس المغلوب علي أمره
ما يفعله لمواجهة هذه الأحداث، سوي أن أعلن حالة الحصار، وأعطي الأمر لقوات الجيش
بالنزول إلي الشارع، بعد أن عجزت الشرطة عن مواجهة موجة الغضب الشعبي.. ووجد
العسكريون أنفسهم لأول مرة في مواجهة جحافل الجماهير الغاضبة وأغلبيتهم من الشباب،
ولم يكن غريبا أن يسقط قتلي في مواجهات دامية استخدمت فيها الأسلحة، سيما وأن
الجنود لم يكونوا مستعدين أو مدربين علي ممارسة مهام بوليسية بحتة.. ومن سخرية
القدر أن يكون أول قتيل خلال هذه الأحداث عسكرياً سابقاً فر من الخدمة، ووجد نفسه
وجها لوجه مع زميل يقود دبابة مزودة بـ 43 قذيفة.. واضطر الأخير إلي استخدام سلاحه
ناري، لمنع مهاجمه من إلقاء زجاجة حارقة في اتجاهه كانت ستفجر الدبابة وتحدث من
حولها أضرارا جسيمة!!
الشاذلي بن
جديد فهم الرسالة لكنه حاول أن يترجمها بطريقة أخري.. فأعلن عن مجموعة إصلاحات
سياسية، وكان محمد شريف مساعدية الرجل الأول في الحزب ضحية للتغيير الذي اختاره
الشاذلي، والذي طرح نفسه مرة أخري في انتخابات رئاسية تم إجراؤها في 22 كانون
الاول (ديسمبر) 1988.. وعّين الجنرال خالد نزار وزيرا للدفاع، بعد أن قرر الرئيس
التخلي عن هذا المنصب.. وأقر دستور 23 شباط (فبراير) 1989 التعددية السياسية
والحزبية، والتي تطرق إليها بتحفظ واحتشام عندما تكلم عن الحق في تأسيس جمعيات ذات
طابع سياسي.. وظهرت موجة من الأحزاب الجديدة تمثل 3 أضعاف ألوان الطيف.. وبدأ عهد
الفوضي معلنا انقلابا علي كل شيء وأي شيء.. والمحظور أصبح مباحا.. واختار قادة
الجيش هذا التوقيت بالذات للإعلان عن مغادرتهم ساحة العمل السياسي بأن سحب الضباط
أنفسهم من مواقع المسؤولية، وعلي رأسها المكتب السياسي واللجنة المركزية لحزب جبهة
التحرير.
الإسلاميون
كانوا أكثر تنظيما واستعدادا لممارسة السياسة.. لذا بادرت مجموعة من الشخصيات علي
رأسها عباسي مدني وعلي بن حاج بتأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في 18 شباط (فبراير)
1989، واكتشف هذا الحزب الوليد أنه أمام سلطة مترهلة بلغت سن اليأس والشيخوخة، حتي
وإن حاولت إخفاء التجاعيد عن طريق الماكياج والمساحيق!! لذا استغلت الجبهة هذا
الضعف تطبيقا لسياسة المغالبة، ونجحت في الفوز بأول انتخابات محلية جرت في 12
حزيران (يونيو) 1990، وفتح هذا الفوز الأبواب وأطلق العنان لكل الأحلام والأوهام،
واضطرت السلطة تحت الضغط لتنظيم انتخابات برلمانية كانت مقررة في حزيران (يونيو) 1991،
ولكن الفيس ـ الاختصار اللاتيني لجبهة الإنقاذ ـ رفض تقسيم الدوائر الانتخابية
الذي أقرته الحكومة، وأعلن التحدي بالنزول إلي الشارع فيما عرف بالإضراب السياسي..
ونجح في شل اقتصاد البلد، واحتلال الميادين والساحات العامة، واضطر الجيش إلي
التدخل مرة أخري ليلة 4 حزيران (يونيو) 1991 في إطار العملية التي سميت إخلاء
الساحات لتفريق المعتصمين بالقوة.. وأقيلت حكومة مولود حمروش لمسؤوليتها في تعفن
الأوضاع، وأعلنت حالة الحصار مجددا.. ونزل الجيش إلي الشوارع، وعادت الدبابات إلي
مكانها في الميادين والساحات العامة.. وتقرر تأجيل الانتخابات البرلمانية إلي 26
كانون الاول (ديسمبر) 1991.. وصدر قرار باعتقال شيوخ جبهة الإنقاذ في 30 حزيران (يونيو)..
وتولي قياداتها الشيخ عبد القادر حشاني، الذي قادها إلي انتصار ساحق في الدور
الأول من الانتخابات.. وانتشر جو الخوف والفزع، سيما وأن القيادة العسكرية وجدت
نفسها أمام قدرها مرة أخري مجبرة علي التدخل، بعد أن فشل السياسيون في تحمل
مسؤولياتهم، باستثناء بعض الأصوات التي كانت تدعو إلي الاستمرار في اللعبة
الديمقراطية، وتقبل نتائجها مهما بدت قاسية.
سنوات
حمراء
كتب الكثير
وقيل أكثر عن الدور الذي لعبه قادة الجيش بعد ظهور نتائج الدور الأول من
الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الاول (ديسمبر) 1991.. ولكن بقي السؤال
المطروح قائما : هل تدخل الجيش لإنقاذ البلاد والديمقراطية، أم لمصادرة الإرادة
الشعبية؟ وإذا كانت الإجابة علي هذا السؤال صعبة ومعقدة، فإن الأكيد أن الجيش لعب
دورا أساسيا في هذا المنعرج المهم، ويبقي للتاريخ أن يحكم بعد ذلك علي النوايا!! دخلت
قيادة المؤسسة العسكرية في سباق ضد الزمن مباشرة بعد إعلان النتائج، سيما وأن موعد
الدور الثاني من الانتخابات كان مقررا إجراؤه بعد 15 يوما، ولا بد من التصرف بسرعة..
الرئيس الشاذلي من جهته أعلن في مؤتمر صحافي يوم 24 كانون الاول (ديسمبر) بأنه
مستعد للتعايش مع الإسلاميين.. وتحركت منظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب وخرجت
المظاهرات إلي الشوارع.. وتعالت الأصوات المنادية بإلغاء نتائج الانتخابات، وعدم
إجراء الدور الثاني منها.. ودعا بعض قيادات جبهة الإنقاذ المواطنين إلي الاستعداد
لتغيير عاداتهم وسلوكهم.. ويصف اللواء نزار تلك الوقائع قائلا: كان وقف المسار
الانتخابي في نظرنا قرارا للأخلاق سياسية، وكان بالنسبة لنا علاجا لمرض يكاد يفتك
بالجزائر!! ونقل علي لسان الرئيس الشاذلي بن جديد قوله: علي الجيش مرة أخري التدخل
لإنقاذ الوضع.. واستقال الشاذلي ـ أو أقيل حسب روايات أخري ـ في 11 كانون الثاني (يناير)
1992، وأعلن القيادة البديلة عن قرار إلغاء نتائج الانتخابات، لتدخل البلاد في نفق
مظلم، تاهت في ظلماته وغياهبه أكثر من عشر سنوات كاملة.
استفاقت
البلاد علي كابوس مرعب.. الرئيس استقال في واقعة درامية لم يسبق أن شاهدها
الجزائريون.. وكان قد حل البرلمان قبل أن يرمي المنشفة.. لتجد الجزائر نفسها في
مفترق طرق وأمام فراغ دستوري.. وكان لا بد من إيجاد صيغة حل لتفادي وقوع الأسوأ.. واجتمع
مجلس الأمن، وتم الاتفاق علي تعيين هيئة رئاسية خماسية، في انتظار العودة إلي
الشرعية.. واجتمع الجنرال نزار مع أعضاء الحكومة للبحث عن رئيس جديد للبلاد.. فالعسكر
كانوا يرفضون الظهور في الصورة مباشرة، والحل الأفضل كان البحث عن شخصية تاريخية
تحكم في الواجهة.. وبعد أخذ ورد تم الاتفاق علي اسم محمد بوضياف ـ سخرية القدر مرة
أخري!! ـ وتقرر تكليف علي هارون وزير حقوق الإنسان ـ آنذاك ـ بربط اتصال مع بوضياف..
وسافر الوزير إلي المغرب، حيث كان يقيم سي الطيب الوطني ـ الاسم الثوري للرئيس
بوضيافـ الذي اختار المنفي بعد الاستقلال ، لرفضه سياسات النظام،حيث قضي في مدينة
القنيطرة أكثر من 25 عاما لم تغير شيئا منه، ولم تنل من حدة طبعه ومن صراحته
الجارحة أحيانا، ولا حتي من نظرته إلي العسكر.. وكان جوابه علي الاقتراح عنيفا
ويقال أنه خرج عن قواعد اللباقة.. وخرج علي هارون من عنده عائدا إلي الجزائر، وهو
يجر أذيال الخيبة والحسرة تعتصر قلبه.. ولكن ثمة شيئاً وقع في الساعات التي أعقبت
هذا اللقاء، جعل سي الطيب يغير موقفه، حيث بادر بالاتصال بعلي هارون قائلا : الجزائر
في خطر سأكون غدا في العاصمة!.
الرئيس
الجديد تحمل مسؤولية الأخطاء التي ارتكبت من قبله، ولكنه أعلن بأن عهدا جديدا
سيبدأ، ونجح في مدة قصيرة أن يرجع الأمل في نفوس الشباب، رغم أنه كان صاحب قرار
فتح المحتشدات في الصحراء، والتي زج فيها بآلاف الأعضاء والمتعاطفين مع جبهة الإنقاذ..
ويوم 29 حزيران (يونيو) 1992، أي قبل مرور ستة أشهر علي توليه المسؤولية، سقط
بوضياف قتيلا تحت رصاصات عسكري آخر وهو لمبارك بومعرافي الملازم الأول من القوات
الخاصة، الذي تم إلحاقه بأفراد فرق الحماية الرئاسية في آخر لحظة.. إضافة إلي
عوامل نقص عديدة، جعلت البعض يشك في أن هناك مؤامرة، وأن من جاءوا ببوضياف من
المنفي تخلصوا منه عندما بدأ يصبح مصدر إزعاج بالنسبة لهم، ولكن هذه الرواية
للأحداث لم تجد لها أي صدي حقيقي، في غياب معلومات وأدلة، خاصة وأن لجنة تقصي
الحقائق التي تم تشكيلها، انتهت في تقريرها إلي أن بومعرافي هو القاتل الوحيد
للرئيس الجزائري.. واضطر قادة الجيش إلي الاستنجاد بشخصية تاريخية أخري وهو علي
كافي لرئاسة المجلس الأعلي للدولة، لأن الجنرال نزار لم يكن يريد أن يتولي هذا
المنصب، حتي لا تتهم المؤسسة العسكرية بأنها تسعي إلي الاستيلاء علي السلطة.. وعند
اقتراب انتهاء دورة المجلس، كان لا بد في التفكير لبديل.. وسعي خالد نزار وزملاؤه
إلي البحث عن شخصية أخري لتولي رئاسة الدولة.. ووقع الاختيار علي عبد العزيز
بوتفليقة، الذي حضر إلي العاصمة الجزائرية، ودخل في مفاوضات ماراثونية مع
الجنرالات النافذين، ولكنها وصلت إلي طريق مسدود، وغادر بوتفليقة الجزائر عائدا
إلي جنيف.. ولم يجد العسكر سوي أن يعينوا واحدا منهم، ويتعلق الأمر بالجنرال
اليمين زروال، الذي كان قد خلف نزار علي رأس وزارة الدفاع في تموز (يوليو) 1993.. وأصبح
زروال رئيسا للدولة، قبل أن يحظي بالشرعية بعد أول انتخابات رئاسية تعددية عام 1995،
وكان واضحا أن وزير الدفاع هو مرشح السلطة والجيش في هذه الانتخابات، ولم يكن
نجاحه مفاجأة!! وفي هذه الأثناء كانت قوات الجيش تخوض معركة مريرة ضد الإرهاب،
ودفعت المؤسسة العسكرية من دماء أبنائها الكثير حتي تبقي الجزائر واقفة.
تفاقم
الغموض
صنع الرئيس
اليمين زروال المفاجأة عندما أعلن في ايلول (سبتمبر) 1998 عن قرار تقليص دورته
الرئاسية، والذي اعتبره كثيرون استقالة مقنعة.. باعتبار أن الدستور الجزائري لا
ينص علي حالة مشابهة.. بل أن بعض من عملوا مع زروال يعتبرون قراره التخلي عن موقع
المسؤولية، تماما كما يفر الجندي في معركة من موقعه دون إخطار مسؤوليه! وبصرف
النظر عن المبررات والتفسيرات التي أعطيت لهذه الاستقالة، فإنها تبقي واحداً من
أسرار كواليس النظام الجزائري!! بعد الإعلان عنها تسارعت الخطي في جميع الاتجاهات
استعدادا للمعركة الانتخابية الجديدة.. وطرح اسم عبد العزيز بوتفليقة مجددا، وكان
الجنرال المتقاعد العربي بلخير وزير الداخلية الأسبق والذي يتهمه البعض بأنه عرّاب
الجنرالات صاحب هذا الاقتراح.. واتصل ببوتفليقة الذي كان في جنيف، وطلب منه
الالتحاق بالعاصمة الجزائرية فورا.. ويعتقد أغلبية الساسة أن جنرالات المؤسسة
العسكرية النافذين اقتنعوا بأن بوتفليقة هو رجل تلك المرحلة، باعتبار أنه سياسي
ومدني وديبلوماسي سابق، يمتلك علاقات ويحظي بسمعة طيبة دوليا، لأن الجيش كان في
حاجة إلي رئيس يحمل المواصفات، بعد اشتداد الخناق علي النظام الجزائري بسبب سؤال :
من يقتل من؟ الذي تحول إلي سيف علي رقاب قادة المؤسسة العسكرية، التي اتهمت
بالوقوف خلف المجازر الجماعية التي كانت ترتكبها الجماعات الإرهابية ضد المدنيين..
فترة حكم الرئيس بوتفليقة تميزت بتطبيع وضع الجيش داخل المجتمع، حيث أصبحت صور
الجنرالات تنشر في الصحف.. وبعضهم كسر قاعدة الصمت ولم يعد يجد حرجا في الحديث إلي
الصحافة، والإجابة علي كل الاسئلة، وحتي التهم الموجهة إليهم دون عقدة أو انزعاج..
بل أن الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش السابق أخرج في مؤتمر صحافي كشف مرتبه
ليثبت للرأي العام أن كل ما ينشر حول المرتبات مجرد كلام صحافة! كما قيل الكثير عن
علاقة المؤسسة العسكرية بالمؤسسة الرئاسية خلال هذه الفترة، ولكن التصريحات
الرسمية سواء لقادة المؤسسة أو للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بوصفة ـ أيضا ـ وزير
الدفاع لم تخرج عن إطار احترام صلاحيات كل هيئة.
المفاجأة
صنعها أصحاب الزي الأخضرـ العسكر ـ عندما بدءوا يلمحون لنيتهم في الابتعاد عن
الشأن السياسي منذ تشرين الاول (أكتوبر) 2002، حيث أدلي اللواء محمد تواتي مستشار
شؤون الدفاع برئاسة الجمهورية والمعروف باسم المخ ـ باعتباره منظر المؤسسة
العسكرية والرأس المدبرة للنظام ككل ـ بحوار إلي القناة الإخبارية الفرنسية ال سي
إي، أكد فيه علي أن الجيش لن يتدخل في الانتخابات الرئاسية الماضية، لكنه أضاف
بعبارة أقلقت الساسة قائلا: أن كل الاحتمالات واردة.. ولكن تصريحات أخري صادرة عن
الفريق محمد العماري قائد أركان الجيش ـ سابقا ـ في مناسبات مختلفة فتحت الباب
لآفاق جديدة، حيث أعلن بأن الجيش سيكون محايدا في الانتخابات الرئاسية، وأنه لن
يكون له مرشح فيها، كما أعلن استعداده للقبول بالرئيس الذي سيفرزه الصندوق حتي لو
كان الشيخ عبد الله جاب الله زعيم حركة الإصلاح.. هذه الجملة التي تبدو بسيطة في
ظاهرها قلبت الساحة السياسية ومفرداتها رأسا علي عقب، ودخل الساسة في حملة تفسير
لما قاله قائد الأركان.. فالبعض اعتبر أنه مجرد كلام موجه للاستهلاك المحلي.. والبعض
الآخر استبعد تماما قبول قادة المؤسسة برئيس من التيار الإسلامي.. وفريق ثالث أبدي
استعداده للتصديق.. وما زاد في حيرة الساسة من هواة ومحترفين أن هذا التصريح
أتبعته تعليمات صارمة وجهتها قيادة الأركان إلي جميع أعضاء الجيش، بأن يلتزموا
الحياد وحذرتهم من التدخل في أي قضية سياسية، بل ان بعض الذين لم يأخذوا هذا
التحذير مأخذ الجد تعرضوا لعقوبات، رغم الرتب العالية التي كانوا يحملونها فوق
أكتافهم.
مع
الانطلاق المبكر لحملة الانتخابات الرئاسية، وانفجار صراع بين الرئيس عبد العزيز
بوتفليقة وعلي بن فليس زعيم الأغلبية، إضافة إلي الحرب الكلامية التي كان يشنها
خصوم الرئيس ضده.. بقيت الأنظار مشدودة في اتجاه مبني التجاران ـ مقر وزارة الدفاع
وقيادة الأركان ـ لمعرفة موقف المؤسسة العسكرية وما إذا كان لها مرشح في هذه
الانتخابات، ولكن الأعناق بقيت مشرئبة دون فائدة، ولم يجن أصحابها إلا الألم
والحسرة.. ورغم أن الكثير من الساسة طلبوا صراحة وتلميحا تدخل الجيش لضمان نزاهة
الانتخابات، إلا أن رد الفريق أول محمد العماري كان صارما، حيث شدد علي أن المؤسسة
ليست علي استعداد لأن تتدخل إلا في حالة حصول إجماع لدي النخبة السياسية علي هذا
الموقف، وكان يعلم ـ مسبقا ـ بأن إجماع النخبة حول موقف ما مسألة شبه مستحيلة!! كما
جدد استعداد العسكر للقبول بمرشح إسلامي، إذا ما احترم الدستور وقوانين الجمهورية،
ولم يفوت الفرصة لإطلاق النار علي الساسة الذين طالبوا الجيش بالتدخل لضمان نزاهة
الاقتراع، واستغرب هذا الموقف من جانبهم لأنهم كانوا في الماضي يطالبونه بالرحيل
عن الساحة السياسية ويلومونه علي التدخل فيها.. موقف جنرالات الجيش أربك الساسة
ووضعهم في مأزق حقيقي.. لأن أغلبية المرشحين لانتخابات الرئاسة لم تصدق ولم تكن
لديها نية للتصديق.. وبقي هؤلاء متفرجين علي المسرح السياسي الذي اتهموا الرئيس
عبد العزيز بوتفليقة باحتكاره لنفسه، مؤديا علي خشبته جميع الأدوار، أما هم ففضلوا
البقاء في الكواليس ينتظرون الإذن للدخول، ولكن الإذن تأخر، ثم أدركوا بعد فوات
الأوان أنه لن يأتي أبدا!!
ولعل
المفاجأة الكبري صنعها الشعب الجزائري بمنحه الأغلبية المطلقة للرئيس بوتفليقة
الذي فاز بالانتخابات الرئاسية الأخيرة، وسحق خصومه في واقعة لن ينسوها ما حيوا،
ورغم أن كثيرين ـ والعبد الضعيف واحد منهم ـ كانوا يبحثون عن إجابات خلال هذه
الانتخابات، إلا أنهم خرجوا منها مثقلين باسئلة أخري، فلا أحد يستطيع أن يحدد ماذا
وقع بالضبط بين بوتفليقة والجنرالات، هل كانوا متفقين منذ البداية علي هذا
السيناريو الهوليودي؟ وهل لعب ورقة علي بن فليس كان الهدف منها إضافة قليل من
الملح والتوابل لطبخة انتخابات أصبحت مّرة المذاق مع السنين، حتي يتجرعها الرأي
العام بسهولة وتلذذ؟! أم أن الجيش فعلا ترك اللعب مفتوحا أمام الجميع، مرغما بفعل
عوامل خارجية وتجارب سابقة مريرة، وأنهم اضطروا للقبول بمن جاء به الشعب؟ أما
الفرضية الثالثة فهي أن العسكر حاولوا الدفع ببن فليس لكن طاقته وإمكانياته لم
تسعفاه للحصول إلا علي 6 بالمئة من الأصوات؟ تعددت الأسئلة ومعها ضاعت الإجابات.. ولكن
الأكيد أن فصلا جديدا أضيف إلي كتاب أسرار النظام الجزائري، الذي نتمني أن يكشف في
يوم من الأيام عن مضمونه لأبنائنا وأحفادنا في المستقبل!! وجاءت استقالة الفريق
محمد العماري قائد أركان الجيش من منصبه، والتي أفضل أن أسميها انسحابا، لتضاف
كنقطة استفهام أخري، لأنه ليس من السهل تصديق أن العماري انسحب علي خلفية نتائج
الانتخابات الرئاسية الماضية، وأن بوتفليقة الذي يعتبر وزيرا للدفاع والقائد
الأعلي للقوات المســلحة ـ حسب ما ينص عليه الدستور ـ أصبح الحاكم داخل المؤسسة
العسكرية.