الخيار النووي "الإسرائيلي" وعملية السلام

 

 

 

بقلم :عبدالله علي العليان

 

يدور الحديث حالياً عن محاولة بعض الدول في المنطقة امتلاك السلاح النووي، ومخاطر هذه الأسلحة النووية على الاستقرار والبعد عن التهديدات، لكن للأسف فإن الحديث عن السلاح النووي "الإسرائيلي" يتم تجاهله تماماً وكأن هذا السلاح لا يشكل خطراً أو تهديداً أو تقويضاً للسلام والأمن في المنطقة التي تعد أكبر المناطق في العالم التهاباً وتوتراً بسبب الاحتلال "الإسرائيلي" للأراضي العربية المحتلة. وكذلك الأرض الفلسطينية المحتلة.

 

والحقيقة أن هذا السكوت يعد سابقة خطيرة تشجع هذا الكيان الغاصب على التهديد وعلى اختلال التوازن الاستراتيجي والعسكري لمصلحته. ومن ثم رفض الانصياع إلى القرارات الدولية لأن الأطراف المعتدى عليها  لا تملك المقدرة العسكرية  ومنها النووية  على رد التهديد. ومن هنا فإن هذا السكوت والتجاهل سيجران المنطقة إلى أحوال وإلى ضياع الفرص في السلام العادل والدائم. وإذا كانت هناك خطوات لإنتاج السلاح النووي عند بعض دول المنطقة، فإن من المنطقي أن يتم الحديث عن مخاطر هذا السلاح بصورة عامة، حتى تكون المنطقة كلها خالية من الأسلحة النووية وتكون الكفة متعادلة بين كل الأطراف، وليس استثناء بعض الأطراف، وتركها تعربد وتحتل وتهدد لمجرد أنها تلقى التأييد والمساندة من بعض الدول الكبرى.

 

والغريب أن الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا دخلتا الحرب على العراق بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل لدى النظام العراقي، وهي حجة بدأت في الاختفاء بعد انهيار ذلك النظام إذا ما أخذنا في الاعتبار الكثير من القضايا والسيناريوهات التي قيلت من قبل الكثير من المسؤولين والسياسيين الأمريكيين والبريطانيين خلال الأشهر الماضية، منها قضية تحرير الشعب العراقي وتطبيق الديمقراطية المفتقدة في المنطقة، ناهيك ما قيل في مسألة النفط، وتعزيز أمن "إسرائيل" وهيمنتها.

 

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة نفسها تتبنى منذ فترة قضية حظر أسلحة الدمار الشامل إلا أنها رفضت منذ سنوات التصديق على معاهدة حظر إجراء التجارب النووية، بل إن الولايات المتحدة لم تتخذ موقفاً مناهضاً لامتلاك "إسرائيل" أسلحة الدمار الشامل، وتجاهلت المواقف العربية الرافضة للسلاح النووي "الإسرائيلي"، حيث يمتلك الكيان "الإسرائيلي" أخطر الأسلحة النووية، ويهدد المنطقة العربية بأسرها. وقد رفضت باستمرار الدخول في اتفاقية حظر إنتاج وتطوير الأسلحة النووية أمام سمع العالم وبصره وصم أذنيه عن ما يجري في مفاعل ديمونا!

 

والغريب أنه رغم امتلاك "إسرائيل" لأسلحة الدمار إلا أن النظام العربي لم يتحرك لمواجهة التحدي النووي "الإسرائيلي"، ولم يتغير أيضاً بعد الإعلان "الإسرائيلي" غير الرسمي عن هذا الامتلاك، بما يشكله من خطر على الوجود العربي والسلام والأمن في المنطقة العربية. ولذلك فإن معالجة هذا الخطر تبدو أكثر صعوبة بعد أن تكشفت الحقائق المذهلة حول طبيعة ومدى ما تمتلكه "إسرائيل"” من أسلحة نووية سواء من ناحية الكم أو من ناحية النوع أو وسائل إيصالها.

 

ومنذ سنوات هدد البروفيسور اليهودي "إسرائيل ايلداد" في إحدى محاضراته في جامعة (باريلان): إننا سنذيق عدونا مرارة الهزيمة والدمار، كما أورد الكاتب الأمريكي اليهودي زئيف لتكوير في كتابه "المواجهة": بأن "إسرائيل" لن تتردد ولو للحظة في استخدام السلاح النووي بهدف إبادة العدو.

 

ولا شك أن الخيار النووي "الإسرائيلي" كما يطرح ذلك الكاتب شريف أفلح يعد الركيزة الأساسية والاستراتيجية للكيان الصهيوني منذ عقود، ذلك أن هذا السلاح الخطير في يد هذا الغاصب يجب أن يأخذ في الحسبان أن "إسرائيل" قد تستخدمه ضمن استراتيجيات الترهيب الإقليمي والعالمي وتسوق امتلاكها له إعلامياً ما زالت معطياته تتجاذبها التهويلات والمبالغات.

 

كما تركز "إسرائيل" الآن على إنتاج صواريخ حاملة لرؤوس نووية يبلغ مداها 1450 كم، بل إن صحيفة "جينز انتلجنس ريفيو" كشفت النقاب عن القدرات النووية "الإسرائيلية" في تقرير لها نشرته ضمنته معلومات مؤكدة بامتلاك "إسرائيل" لأكثر من مئتي قنبلة نووية إضافة إلى نظام كامل للتخزين تحت الأرض مدعمة بثماني صور لم تنشر من قبل كانت قد التقطتها أقمار التجسس الروسية والفرنسية منذ سنوات، إضافة إلى خريطة تفصيلية وبالأرقام تؤشر إلى الكثير من الأماكن النووية المعروفة بالفعل مثل: المركز النووي في ديمونة في صحراء النقب والمخصص لإعداد البلوتونيوم، والسوريك  ناحال سوريق  وهو مركز للأبحاث النووية، وموقعه غير بعيد عن تل أبيب حيث يوجد مفاعل أمريكي الصنع، والقاعدة الخاصة بالإطلاق التجريبي للصواريخ "جريكو-2" طويلة المدى وهي مقامة في منطقة "بالماكيم" على شاطئ البحر، وعلى مسافة ليست بعيدة عن قطاع غزة.

 

كما يوجد بالقرب من حيفا أيضاً مركز "بوديفات" ومركز "البابونا" وهما مخصصان للأسلحة النووية التكتيكية، أما القلب الحقيقي للمنظومة النووية فإنه يوجد فوق تلال تقع على الشريط الساحلي المتجه إلى القدس، وتوضح الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية استمرار زيادة القواعد في "كفر زخاري" التي تبلغ مساحتها 20 كيلومتراً مربعاً ويوجد فيها ما لا يقل عن خمسين مخزناً تحت الأرض تحتوي أيضاً على قواعد لإطلاق الصواريخ "جريكو -2".

 

وبما أن أسلحة الدمار الشامل "الإسرائيلية" تؤدي إلى اختلال التوازن العسكري في المنطقة، فمعنى هذا أن مقولات السلام المقبل، وخارطة الطريق الأمريكية، والدولة الفلسطينية مجرد أوهام ستذهب أدراج الرياح في ظل خطط شارون المتوقعة.

 

فشارون يتحرك الآن لاستغلال الفرصة السانحة في أوضاع العراق والتفكك العربي  لتنفيذ استراتيجيته المقبلة وهي فرض شروطه على الفلسطينيين والمنطقة العربية بكاملها، باعتباره (وحيد القرن) بعد اختلال التوازن العسكري بعد هذه الحرب.

 

ولا ندري من سيأتيه الدور في الحرب المقبلة وفق ما قاله المسؤولون الأمريكيون في إطار الحرب على الإرهاب ومحاور الشر العديدة، وقد بدأت نغمة تهديد إلى سوريا بشكل مبطن، خلال الأيام الماضية، ربما تُغْري صقور الحرب في تكملة السيناريوهات المقبلة.